واشنطن بوست| لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة الهروب من الشرق الأوسط؟


٠٢ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

في السجل التاريخي للثورات الكارثية، تبدو الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت الشرق الأوسط في 2011 الآن من ضمن الأسوأ. لقد أحدث ما يُسمى بالربيع العربي اضطرابًا في الأنظمة الاستبدادية – وهو شيء جيد، باستثناء عندما يثبت البديل أنه فوضوي. في تونس، مهد الانتفاضة، أدت الإطاحة بالديكتاتور زين العابدين بن علي إلى تسع سنوات – والعدٌّ مستمرٌ – من المحاولات الفاشلة لتشكيل حكومة شعبية. هذه هي "قصة النجاح"، بينما انهارت ليبيا واليمن وسوريا في حروب أهلية دموية.

الآن، أدى الربيع العربي، بالتقلبات والمنعطفات الدموية، إلى شتاء مرعب على طول حدود سوريا مع تركيا. يعاني نحو مليون سوري مشرد، معظمهم من النساء والأطفال، في البرد القارس، بينما تقاتل تركيا من أجل السيطرة على جبهتها السورية. هذه الفوضى جلبت الناتو إلى حافة اليأس مع روسيا وتهدد بتجدد أزمة اللاجئين التي جلبت الاتحاد الأوروبي إلى حافة الانهيار.

باختصار: الانتفاضة في سوريا زعزعت استقرار النظام الديكتاتوري لبشار الأسد لكنها فشلت في إزاحته عن السلطة. في سنوات الحرب الأهلية منذ ذلك الحين، كانت جهود الأسد لاستعادة قبضته فجة ووحشية بطريقة صادمة، من الهجمات الكيماوية على أهداف مدنية، إلى الضربات الجوية على المشافي والمدارس، وحلفاؤه الرئيسيون هم الميليشيات المدعومة من إيران والقوة الجوية الروسية.

تسببت حرب الأسد الطاحنة في نزوح أكثر من نصف سكان الدولة. يوجد حوالي 3.5 مليون لاجئ في تركيا، وهو ما يستنزف موارد تلك الدولة. وانتشر ملايين آخرون في أنحاء أوروبا؛ ما أشعل رد فعل عنيف للقومية المناهضة للمهاجرين. ويقاتل الأسد الآن المتمردين المدعومين من تركيا في آخر معاقلهم، محافظة إدلب وأجزاء من حلب في شمال غرب سوريا.

منذ بداية الحملة في ديسمبر، تسبب القصف العشوائي في دمار مروع. تقول الأمم المتحدة في تقرير لها: "نزح المزيد من الأشخاص إلى منطقة أصغر في غضون فترة زمنية أقصر من ذي قبل، ولا يوجد مكان آخر للهرب. إن الخطر على المدنيين من العنف شديد، حيث يتم تجاهل القوانين والأعراف الدولية، في نفس الوقت الذي يؤثر عليهم الطقس البارد والضغوط الاقتصادية. هرب الكثير من الأشخاص خالين الوفاض، عاجزين حتى عن جلب المؤن الأساسية معهم، وهرب آخرون بكل ما يمتلكونه، محاولين أن يجلبوا كل ما في وسعهم لأنهم لا يتوقعون أن يستطيعوا العودة إلى ديارهم؛ فيما نزح عمال المساعدة الإنسانية ومقدمو الخدمات الأخرى، وفُقدت مرافق وإمدادات بقيمة ملايين الدولارات بتدمير البنية التحتية".

الأسبوع الماضي، حمّلت تركيا، عضو الناتو، روسيا مسئولية مقتل 33 جنديًّا تركيًّا على الأقل؛ ما يرفع مخاطر هذه الكارثة. رد فلاديمير بوتين بإرسال سفن حربية من أسطول البحر الأسود عبر مضيق البوسفور باتجاه إدلب. ومع تصاعد التوترات، تتوقع تركيا دعم التحالف الغربي، ولضمان أن يأتي الدعم، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن فتح حدوده للسماح لسكان إدلب المحتشدين بالوصول إلى أوروبا.

إذا كانت القارة قد صارعت مع الموجات السابقة من اللاجئين السوريين، تخيل كيف ستتعامل أوروبا مع مليون مهاجر معدم، ويعاني من سوء التغذية وسط جائحة فيروس كورونا. إنه سيناريو خيالي للقوميين المعادين للغرباء، وتهديد خطير للأخلاقيات المنفتحة والتعاونية للاتحاد الأوروبي.

لعل الرئيس ترامب الآن يفهم لماذا كان وزير الدفاع السابق "جيم ماتيس" مصممًا بشدة على إبقاء القوات الخاصة الأمريكية في شمال سوريا كعنصر لحفظ الاستقرار، ولماذا استقال على إثر قرار ترامب بسحبهم. منذ 11 سبتمبر، كان الرؤساء الأمريكيون يتخبطون في الدخول للشرق الأوسط ويتخبطون للخروج منه، يرفعون عدد القوات، ويسحبون القوات، ويرسمون خطوط حمراء فقط ليتجاهلوها بعد ذلك، ويهللون لسقوط بعض الطغاة ويتوددون لآخرين.. لقد جرّبنا كل شيء إلا الاستراتيجية.

إن الشرق الأوسط يربك المسار السياسي الأمريكي، وسواء كنا نشجع التدخل الأجنبي أو ننتقده، نحن نقيس أفعالنا مقابل مقاييس خيالية للنقاء الأخلاقي. نحن نريد الانحياز إلى الأشخاص الطيبين ضد الأشرار، إلى الحرية ضد الطغيان، إلى النور ضد الظلام. وفي النهاية، نحن نريد انتصارًا نظيفًا، وأي شيء أقل من ذلك يُعدّ – لا شك - هزيمة.

هذه المنطقة هي حيث تموت أوهام القصص الخيالية، لكن بما أن ترامب سُحب مجددًا إلى القباحة المعقدة للأزمة السورية، ينبغي أن يكون الدرس المستفاد هو أن الولايات المتحدة لا يمكنها الهروب من الشرق الأوسط. إنه مفترق طرق كوكب الأرض ومنشأ الحضارة الإنسانية. سوف تضغط مشاكله دائمًا على أجندة العالم، وفي المستقبل القريب، ستتم إدارة تلك المشاكل، في أفضل الأحوال، ولن تُحل. إن خيبة أمل الربيع العربي تجعلنا بشكل طبيعي نرغب في تركه نهائيًا، غير أن فشل الثورة نفسه يوضّح لنا لماذا لا يمكن الهروب من الشرق الأوسط.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق