ناشيونال إنترست| هل تتراجع روسيا وتركيا عن شفا الحرب في سوريا؟


٠٥ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

يا للفرق الذي يُحدثه شهران؛ فقد استهل الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان العام الجديد بافتتاح أنبوب غاز جديد بمليارات الدولارات بين البلدين؛ لكن اليوم، يكافح الزعيمان لتجنب حدوث صراع عسكري وشيك بين جيشيهما في سوريا. 
       
بعد مقتل ثلاثة وثلاثين جنديًّا تركيًّا إثر غارة جوية الأسبوع الماضي في إقليم إدلب شمال غرب سوريا، أطلقت أنقرة يوم الأحد عملية عسكرية جديدة اسمها "عملية درع الربيع" ضد قوات الحكومة السورية في المنطقة. خلال الأيام القليلة الماضية، ضرب الجيش التركي قوات الحكومة السورية عبر طائرات مسيّرة ومدفعية ثقيلة، بينما حقق متمردون مدعومون من تركيا مكاسب على الأرض في مواجهة الجيش السوري.

ردًا على ذلك، أرسلت البحرية الروسية فرقاطتين مسلحتين بصواريخ وسفينة إنزال ضخمة على سواحل سوريا. كما حذرت وزارة الدفاع الروسية أيضًا من أنها لا يمكن أن تضمن سلامة الطائرات التركية التي تحلق في سماء يوريا.

وفي الخامس من الشهر الجاري، سيلتقي بوتين وأردوغان في موسكو في محاولة لنزع فتيل التوتر في إدلب، وسيعمل الرئيسان على تجنب الانزلاق لحرب وإنقاذ التقارب بين البلدين الذي حدث منذ عام 2016.

وقد وصف "مسعود حقي كاشين"، الأستاذ في جامعة "يدي تيبا" في إسطنبول والعضو في مجلس الأمن والسياسة الخارجية الذي يقدم المشورة لأردوغان، قمة الخامس من مارس بأنها "واحدة من أهم اللقاءات في تاريخ البلدين". وبالرغم من ثقته من أن بوتين وأردوغان سيتوصلان لتفاهم متبادل، غير أنه وصف الوضع الراهن بأنه محفوف بالمخاطر.

ويقول "كاشين": "أظن أن روسيا وتركيا بمقدورهما إيجاد صيغة جديدة لتصفية الجماعات الإرهابية المتطرفة في إدلب وجمع السلاح الثقيل. لكن في حال فشل المباحثات، فقد يتوسع الصراع في سوريا والمنطقة"، وتابع: "السيناريو الأكثر فتكًا قد يتمثل في حدوث مواجهة بين الجنود الروس والاتراك على الأرض. وهذا قد يفتح أبواب الجحيم في إدلب".

ويعتقد "فيكتور موراكوفسكي"، رئيس تحرير مجلة "Arsenal of the fatherland" الروسية المتخصصة في شئون الدفاع، أنه من وجهة نظر عسكرية محضة، تمتلك موسكو وأنقرة الآليات اللازمة لمنع الوضع في إدلب من الخروج عن السيطرة.

ويضيف "موراكوفسكي" إنه "من المهم أن نفهم أن المنطقة التي يجري فيها القتال حجمها صغير للغاية (يبلغ عمقها نحو 100 كيلومتر من الشمال للجنوب وحوالي 70 كيلومتر من الشرق للغرب) مضيفًا: "يمتلك الطرفان تكنولوجيا مراقبة ووسائل قيادة وسيطرة لمراقبة الوضع لحظيًّا".

لكن السيد "موراكوفسكي" يحذر من أنه من دون التوصل لحل سياسي في إدلب، ستبقى التوترات هناك مرتفعة بصورة خطيرة.

يجادل "أليكسي مالاشينكو"، مدير الأبحاث في مؤسسة "حوار الحضارات" في موسكو، بأنه لن يكون سهلًا على بوتين وأردوغان التوصل لتسوية. وأخبر "ملاشينكو" مجلة "ذا ناشيونال إنترست" أن الرهانات كبيرة وأن المشاعر المتأججة لدى الطرفين تجعل من الصعب على الزعيمين تقديم تنازلات.

وتابع قائلًا: "لا يمكن لروسيا أو تركيا تحمّل الخسارة في الوضع الراهن"، وسرد: "لو خسر بوتين أو أردوغان، فسيبدوان ضعيفين وتتقوض سلطتاهما في الداخل. كيف سيتفاوض الرجلان في هذا السياق؟".

أحد مطالب تركيا الرئيسية هو أن تتنحى روسيا جانبًا وتترك لتركيا "التعامل مع بشار الأسد". ولا يمكن أن توافق روسيا مطلقًا على هذا، يقول ملاشينكو: لأنه بالنسبة للكرملين "التخلي عن الأسد سيكون اعترافًا بالهزيمة في الشرق الأوسط".

إن مصدر هذه الأزمة الجديدة بين روسيا وتركيا هي إدلب، ذلك الإقليم الواقع في شمال غرب سوريا الذي يعد آخر معقل للمتمردين في البلاد. في عام 2018، توصلت روسيا وتركيا لاتفاق لإنشاء منطقة خفض تصعيد في إدلب بهدف تطهيرها من "المسلحين المتطرفين" مثل "هيئة تحرير الشام" المرتبطة بتنظيم القاعدة. اتهم الطرفان بانتظام بعضيهما بانتهاك الاتفاق.

وانهار الاتفاق في النهاية في شهر ديسمبر، عندما أطلق بشار الأسد هجومًا جديدًا في إدلب بمساعدة سلاح الجو الروسي. ومع استعادة القوات الحكومية السورية أراضي في الإقليم، تدفّقت أعداد متزايد من اللاجئين نحو الحدود التركية، فيما تقدّر الأمم المتحدة بأن 900 ألف شخص هربوا من إدلب منذ بدء حملة الأسد.

وردّت تركيا، التي تستضيف بالفعل 3.6 ملايين لاجئ سوري، بإرسال آلاف القوات والعربات العسكرية إلى إدلب. خلال الشهر الماضي، حاربت القوات التركية والسورية بعضها البعض عدة مرات في إدلب، ما أسفر عن مقتل 54 جنديًّا تركيًّا. الصدام الأخطر بين الطرفين وقع الخميس الماضي عندما قتلت غارة سورية أو روسية 33 جنديًّا تركيًّا. دفع ذلك الحادث تركيا لإطلاق آخر عملياتها العسكرية في سوريا.

أقرّ "ملاشينكو" أن الكثيرين تفاجأوا من استعداد أردوغان للتصعيد في مواجهة حملة الأسد العسكرية في إدلب.

وواصل: "لقد أساءت موسكو تقدير ردة فعل تركيا، وظنوا أنه بطريقة ما سيكون هناك عدد معين من المعارك، وأن هذا الوضع سيدوم عدة أيام، وبعدها سيكون ممكنًا التوصل لاتفاق. لكن عوضًا عن هذا قرر أردوغان عدم المهادنة".

ويشرح "موراكوفسكي" أن روسيا كانت تأمل أن يُظهِرَ أردوغان قدرًا أكبر من المرونة تجاه الأهداف الروسية في إدلب بعد أن سعت موسكو لمراعاة شواغل أنقره بخصوص المليشيات الكردية في شمال شرق سوريا".

ويضيف: "عندما أطلقت تركيا عملية نبع السلام في شمال شرق سوريا ضد الأكراد في أكتوبر الماضي، قدمت روسيا تنازلات كبيرة، ووافقت روسيا على ضمان سحب الأكراد قواتهم من المنطقة، كما وافقت أيضًا على إجراء دوريات مشتركة مع تركيا في هذه المنطقة بالرغم من أن هذا تسبب في بعض المشاكل مع شركائنا السوريين. لهذا السبب، فإن ردة الفعل التركية على هجوم إدلب كانت غير متوقعة".
 
مع هذا، من المحتمل تنحية تلك الخلافات جانبًا عند لقاء بوتين وأردوغان في الخامس من مارس، وقد أجمع الخبراء الروس والأتراك على أنه بالرغم من التوترات بشأن إدلب، فإن الشراكة المتزايدة بين موسكو وأنقرة مهمة للغاية ولن يسمح البلدان بفشلها.

يقول الأستاذ "مسعود كاشين": إن تركيا وروسيا، اللتان وضعتا مخاوفهما وشواغلهما التاريخية جانبًا، تقتربان من الدخول في تعاون اقتصادي وسياسي وعسكري يمكن وصفه بأنه عصر ذهبي، لكن حرق الجسور بين البلدين سيؤثر سلبًا على مستقبل الشعبين".

ويؤكد "كاشين" أن التحديات الراهنة في إدلب يمكن التغلب عليها، وأن الدرس الذي يمكن استخلاصه من هذه الأزمة هو أن الصداقة التركية - الروسية ستتعزز.. وتابع قائلًا: "حكم التاريخ على الروس والأتراك، الذين تعلموا من حروبهم، أن يبقوا أصدقاء في هذه المنطقة الجغرافية".


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق