مودرن دبلوماسي| منطقة شرق البحر المتوسط.. نموذج مصغّر لمعارك إقليمية وعالمية


٠٨ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح


تحوّل شرق البحر المتوسط لنقطة ملتهبة بسبب التشابكات الجيوسياسية والتنافس على الهيمنة الإقليمية ومعارك السيطرة على الموارد وتنافس القوة الناعمة الدينية والتدخل الفاضح في الشئون السياسية للآخرين.

إن التعارض المعقّد والخطير للمصالح المتضاربة، وسّع محور التركيز إلى ما هو أبعد من روسيا، وتدخلها في الانتخابات، ليشمل بلادًا مثل تركيا والإمارات والسعودية.

لقد تسبب هذا الوضع في طمس الخط الفاصل بين الصراعات العديدة مثل حربي سوريا وليبيا والصراع للسيطرة على مخزونات الغاز المكتشفة حديثًا في شرق البحر المتوسط، كما أن الوضع الراهن يجعل المياه المتنازع عليها آخر حلقة في سلسلة الصراع على النفوذ بين روسيا والغرب.

إن تكشُّف فصول النزاعات المتعددة التي تُخاض للسيطرة على مخزونات الغاز الطبيعي في شرق المتوسط والبالغة 122 تريليون قدم مكعب، يشبه نزع القشور الخارجية لبصلة. يضمّ المعسكران المتصارعان دولاً في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وشرق المتوسط، مثل دول الخليج وتركيا وروسيا وأوروبا.

إن العنصر الأهم هنا ربما يكون مدى قدرة أوروبا في المستقبل على تقليل اعتمادها على واردات الغاز الروسي. توفّر روسيا حاليًا نحو 40 بالمائة من احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز.

إن القدرة على تقليل واردات الغاز الروسي واستبدالها بغاز شرق المتوسط، ربما سيسمح لأوروبا بتبنّي موقف أكثر قوة في الصراع بين الليبرالية الغربية والنزعة الحضارية الروسية، وهو نزاع من المحتمل أن يحدد معالم النظام العالمي الجديد. 

لقد دفع اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي الدول الأوروبية حتى الآن لتلطيف حدّة دفاعها عن القيم الغربية في مواجهة سياسات الرئيس بوتين الحضارية التي تتضمن الاستيلاء على الأراضي في القوقاز وأوكرانيا وترهيب دول وسط آسيا ودعم القوى اليمينية والنازية الجديدة والمعادية للمهاجرين؛ بهدف إضعاف الديمقراطية الليبرالية وتقوية جماعات تعدّ أكثر تعاطفًا مع وجهة النظر العالمية لبوتين.

يقول "دميتري ترنين" رئيس مركز "كارنيغي موسكو": "الخبر السيء هو أن المواجهة بين موسكو وواشنطن ستستمر، والخبر الجيد هو أنه سيتم بناء بعض الأسوار حول هذه المواجهة... لكن شرق المتوسط سيظهر بوصفه ساحة تتنافس فيها روسيا مجددًا مع الغرب".

يجادل السيد "تيرنين" أن شرق المتوسط وليس أوكرانيا أو القرم أو البلطيق أو القطب الشمالي أو جنوب شرق أوروبا، هو المكان الذي يمكن على الأغلب أن تشتعل فيه التوترات.

لو كان العامل الاقتصادي هو الهدف الأساسي من السيطرة على موارد شرق المتوسط بالنسبة لدول مثل اليونان وقبرص ولبنان، فإن استعراض القوة هو الهدف الأساسي لدول أخرى مثل مصر وإسرائيل. هذا الأمر ينطبق تمامًا على روسيا وتركيا، حتى بالرغم من تعارض مصالحهما ومواقفهما مؤخرًا في ساحات المعارك في ليبيا وسوريا.

إن الاتفاقية البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق، والتي أُنشئت بموجبها منطقة اقتصادية خالصة في شرق المتوسط لصالح المزاعم التوسّعية التركية، فضلًا عن تعزيز العلاقات بين خليفة حفتر والرئيس السوري بشار الأسد، يخلقان رابطًا بين الحرب في سوريا وقضية شرق المتوسط والقتال في ليبيا. كل هذا يجري في وقت تناور فيه روسيا وتركيا لتفادي وقوع صدام عسكري بينهما في إدلب، آخر معاقل الجيش السوري الحر الذي تدعمه تركيا ضد قوات الحكومة السورية.

إن المنطقة الاقتصادية الخالصة التي أُنشئت ستمنع بناء أنبوب غاز مخطط له يحمل الغاز الإسرائيلي والقبرصي إلى الاتحاد الأوروبي.

إن النجاح في تطبيق هذه المنطقة الاقتصادية الخالصة، بالإضافة إلى التدخل العسكري التركي في سوريا والذي أسفر عن إسقاط ثلاث طائرات سورية في بضعة أيام، سيبعث إشارة إلى الدول التي تسعى لأن تكون قوى إقليمية مهيمنة، مفادها أن القوة المالية بمفردها ربما تكون غير كافية لفرض إرادتها.

المفارقة أن أحد الحلول التي كان من الممكن أن تخفف من خطر حدوث صدامات أيديولوجية وجيوسياسية، وتساهم في خلق بيئة للتعاون وليس المواجهة بين الأطراف، يكمن في جزيرة قبرص المقسّمة.

تصرّ تركيا على أن مشاركتها شرط أساسي لأي عملية استغلال ناجحة لغاز شرق المتوسط، وهي تعارض أي دور للشطر اليوناني من جزيرة قبرص في حال لم يتم إشراك جمهورية شمال قبرص التركية المزعومة.

تمتلك تركيا قوات في الشطر الشمالي لقبرص منذ غزوها الجزيرة عام 1974، وهي الدولة الوحيدة التي تعترف بالشطر الشمالي لقبرص باعتباره دولة مستقلة.

إن فكرة إشراك شمال قبرص في التنقيب عن الغاز ربما تكون حلمًا بعيد المنال، في هذه اللعبة الجيوسياسية ذات الحصيلة الصفرية، حيث لم يترك أصحاب النزعة الحضارية والقوميون والمستبدون مجالًا لتقاسم النفوذ بين الأطراف. كما أن أوروبا مشغولة للغاية بمشاكلها الداخلية - آخرها أزمة لاجئين سورية جديدة تلوح في الأفق - كي تتبنّى نهجًا سياسيًّا متماسكًا وجامعًا.

ويحذر الباحث والمعلق "حسين إبيش" من أن "جميع العوامل التي دفعت الأطراف المتنافسة على غاز شرق المتوسط لإقامة تحالفات محلية تتشابك بشكل متزايد مع منافسات استراتيجية ودبلوماسية وسياسية أخرى، ربما تتواصل".

ويحمّل السيد "إبيش" تركيا "ذات الميول الإسلامية القوية" مسئولية التوترات في شرق المتوسط، ويعتبرها "قوة إقليمية ساعية للهيمنة الاقتصادية والسياسية"، لكنه لا يحمّل القوى الأخرى الساعية للهيمنة أي مسئولية.

مع هذا، يخلص "إبيش" إلى أن "نزاعات الشرق الأوسط الدائرة حول قضايا ضيقة مثل مخزونات الغاز الطبيعي، ستستمر في اكتساب أهمية أكبر بكثير".


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق