مركز تحليل السياسات الأوروبية| هل تقود واشنطن شفافية الفضاء الرقمي لدعم الديمقراطية؟


٠٨ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

تسعى روسيا برئاسة "فلاديمير بوتين" إلى إضعاف الحكومات الغربية والمؤسسات عبر الأطلنطي، وتشويه القيم الديمقراطية والليبرالية، وخلق عالم يتجاوز الحقائق، بهدف حماية أوتوقراطية موسكو من النفوذ الليبرالي وتسهيل سيطرة روسيا على جيرانها. حملات التضليل الروسية تضخم الانقسامات الاجتماعية القائمة وتزيد من استقطاب المجتمعات الديمقراطية. وعلى هذا النحو، فإنها لا تتوقف عند إغلاق صندوق الاقتراع. ورغم أن الانتخابات تعد فرصة مثالية شديدة التأثير لعامل التضليل، غير أن وابل المعلومات المضللة ضد الديمقراطيات الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، يستمر بين الدورات الانتخابية.

يمثل انتشار المعلومات المضللة لتقويض ثقة الجمهور إحدى الأدوات المهمة ضمن مجموعة أدوات الكرملين الأوسع نطاقًا للتأثير الخبيث، والتي تشمل أيضًا القرصنة الإلكترونية والتمويل غير المشروع ودعم الحركات والأحزاب المتطرفة واستخدام الحرب الاقتصادية، وذلك من خلال صادرات الطاقة. التضليل، كأداة للحرب السياسية في روسيا، وهذا الأمر ليس بالجديد.

غير أن الجديد هو أن ما كان يستغرق سنوات بات اليوم يستغرق دقائق، فقد أتاح تقدم التكنولوجيا الرقمية والاتصالات انتشار المعلومات المضللة بسرعة عالية، والتضخيم السريع للمحتوى المضلل، والتلاعب الهائل عبر نقاط التأثير غير المضمونة؛ فرصًا للتلاعب تجاوزت قدرات الدول الديمقراطية على التصدي للخصم ومواكبته.

إن الدول الديمقراطية والموالية للغرب – وخاصة أوكرانيا وجورجيا ودول البلطيق المجاورة لروسيا – ظلت تواجه هجمات مضللة روسية لعدة سنوات. وانتبهت الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية متأخرةً على وقع هذا التحدي. في الواقع، كان هجوم التضليل الروسي على الولايات المتحدة في عام 2016 جزءًا من نمط طويل من الحرب السياسية الروسية، والتي كانت الولايات المتحدة هدفًا آخر وضحية لها. ونتيجة لذلك، تعلمت الديمقراطيات الغربية أن مبادئ وقيم المجتمعات المفتوحة – التعددية وحرية التعبير والإعلام المستقل – هي أيضًا نقاط ضعف يمكن أن تستغلها الجهات الفاعلة الخبيثة لصالحها.

ومنذ دعوة الاستيقاظ عام 2016، تجاوزت أوروبا والولايات المتحدة "الإعجاب بالمشكلة" ودخلت مرحلة "التجربة والخطأ" الجديدة. ومع تقدم هذه الجهود، ظهرت ثلاث رؤى:

1– يجب أن ينخرط المجتمع بأسره في المواجهة. لا يوجد حل سحري لمواجهة تحدي التضليل؛ فالسياسات الحكومية لن تكون كافية؛ لذا ينبغي أن يكون القطاع الخاص – وخاصة منصات التواصل الاجتماعي وجماعات المجتمع المدني، بما في ذلك وسائل الإعلام المستقلة – جزءًا من الحل.

2– ولأننا (الحكومات الديمقراطية ومنابر وسائل الإعلام الاجتماعية والمجتمع المدني) استجبنا لهذا التهديد منذ عام 2016، فقد تطورت تكتيكات الخصوم على طول ثلاثة عوامل تهديد على الأقل:

- تشكل عمليات المعلومات الروسية تهديدًا عالميًّا، لم يعد محصورًا في دول خط المواجهة وسط وشرق أوروبا.

- تشكل عمليات التأثير الروسية أسلوبًا متكاملًا للنظام الإيكولوجي، تعمل فيه حملات التضليل عبر الوسائط الرقمية والتقليدية، وبالتنسيق مع الأدوات الأخرى للحرب السياسية.

- تشارك روسيا في حرب المعلومات بالوكالة، باستخدام الأذرع والجماعات المحلية والأفراد والخوادم المحلية لإخفاء أصولهم، وهذا يحد بشكل كبير من قدرتنا على تحديد وفضح عمليات المعلومات السرية ويمحو – بحكم الأمر الواقع – الخط الفاصل بين الفاعلين الحقيقيين وغير الموثوقين، أو المحتوى المحلي والأجنبي.

3– وللتغلب على التهديد، بدلًا من الرد على الهجمات المتباينة بطريقة لعبة "اضرب الخلد"، يجب على الديمقراطيات أن تستثمر في بناء مرونة مجتمعية طويلة الأجل، بينما تقوم في نفس الوقت بالهجوم لردع عمليات التضليل الأجنبية.

يجب قياس استجابة الولايات المتحدة لمواجهة التحديات الحالية والمستقبلية، حيث ستواصل روسيا والجهات الفاعلة الدولية الأخرى استخدام عمليات التأثير متعددة الأوجه لتقويض مصداقية الولايات المتحدة وقيادتها العالمية.

في أثناء الحرب الباردة، طورت الولايات المتحدة واستثمرت في البنية التحتية للرسائل والوسائط والتي كانت مناسبة تمامًا لبيئة الاتصالات في آنذاك؛ إذْ قدمت إذاعة "ليبرتي" وإذاعة "في أو أيه" معلومات موثوق بها إلى أشخاص وراء الجدار الحديدي. ولسوء الحظ، لم يعد هذا هو الحال، فبعد الحرب الباردة، تنازلت الولايات المتحدة عن ذلك الفضاء ومعها القدرة على عرض القيم والمبادئ الديمقراطية في دول المواجهة. وقد حدثت اليوم ثورة في بيئة الاتصالات، وتحولت بسبب الثورة الرقمية، لكن رسائل الولايات المتحدة لم تواكب هذا التطور. سيفشل نموذج القرن العشرين لمكافحة التضليل المعلوماتي في القرن الحادي والعشرين.

إذًا، نحن نحتاج إلى اتخاذ خطوات عاجلة وحاسمة اليوم:

أولاً، يتعين على الولايات المتحدة الاستثمار في إعادة بناء رسائلنا الموجهة وقدراتنا على الوصول إلى الفئات السكانية الضعيفة في دول المواجهة.

يجب على الكونجرس أن يخصّص الأموال اللازمة "لبناء قدرات المجتمع المدني والإعلام والمنظمات غير الحكومية الأخرى"، يوافق عليها، وذلك لمواجهة مصادر التضليل الأجنبية الروسية وغيرها، وذلك بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والهيئات الدولية الأخرى.

ضمان تمويل ثابت ومستمر للمركز العالمي لمكافحة الدعاية الأجنبية والتضليل. كان عام 2020 هو العام الأول الذي تم فيه تمويل المركز مباشرة من وزارة الخارجية بدلاً من وزارة الدفاع. وهذا يجب أن يستمر.

ضمان قابلية جهود مركز مكافحة التضليل للرد على أي تهديد عالمي وليس فقط التهديدات الإقليمية. وقد تلقى المركز نحو 62 مليون دولار في عام 2020، وتتضمن ميزانية الرئيس المقترحة لعام 2021 مبلغ 76 مليون دولار إضافي لتمويل المركز، وزيادة بهذا المستوى ستسمح للمركز بتوسيع نشاطه وعملياته.

ينبغي الاهتمام بإنشاء منصب وكيل الوزارة على مستوى عمليات المعلومات لإنشاء وتنسيق كامل ردود الحكومة الأمريكية التي تقع خارج مكتب الدبلوماسية العامة في الدولة.

تطوير نهج النظام الإيكولوجي ليتمكن من مواجهة أي تهديد إيكولوجي؛ لذا ينبغي على مركز مكافحة التضليل أن يعمل بالتعاون الوثيق مع الوكالات الحكومية الأمريكية التي تتعقب التمويل الروسي غير المشروع وأنشطة الجماعات العسكرية الخاصة، ودعم الجماعات السياسية المدمرة لتحديد المناطق ذات الخطورة العالية، حيث يجب على المركز توفير الدعم المباشر وتوسيع الموارد.

يجب على الكونجرس أيضًا ممارسة الضغط على الإدارة الأمريكية من أجل:

 ضمان استمرار الإدارة في فرض عقوبات على المسئولين الأجانب أو الجهات الرسمية الخاضعة للرقابة أو الموجهة لمعلومات التضليل ورعاتهم، وتحديد ومقاضاة من ينتهكون قوانين الانتخابات الفيدرالية (الحظر المفروض على المساهمات الأجنبية).

 إنشاء نظام إنذار سريع لإعلام الجمهور والحكومات المتحالفة وشركات التواصل الاجتماعي بحملات التضليل الناشئة التي تهدد الأمن القومي. ويمكن لنظام الإنذار السريع الأوروبي أن يساعد حكومة الولايات المتحدة في تقييم إمكانات هذه الفكرة، كما يمكن توقع بعض التحديات، فنظرًا للسياسة والتقاليد الأمريكية، ستنشأ قضايا حول صلاحية النظام بالولايات المتحدة (مثل تعريف التضليل وإسناده) وتكوينه ومصداقيته واستقلاله.

التغلب على التهديد

التوصيات المذكورة أعلاه هي أمور سهلة التحقيق، على الكونجرس والإدارة الأمريكية تنفيذها، وهذه الخطوات لن تغير دفة الهجمات المعلوماتية المضللة؛ بل هي الإجراءات الأدنى اللازمة للبدء في بناء المقاومة؛ ذلك لأن مجموعة أدوات الكرملين مفتوحة في الخارج ولم تجد روسيا سوى عقبات قليلة أمام أنشطتها الخبيثة.

وهذا يرسل إشارة إلى الجهات الفاعلة الخبيثة الأخرى التي يمكنها التحرك – دون خوف من العقوبة – لزعزعة استقرار الديمقراطيات وتشويه الخطاب العام. أما الجهات الدولية الفاعلة الأخرى ذات القدرات الأقوى، مثل الصين والجهات الفاعلة من غير الدول، مثل الجماعات الإرهابية التي لديها قدرة كبيرة على المخاطرة، ستتكيف مع مجموعة أدوات المعلومات المضللة لتقويض الديمقراطيات، أو أنها تقوم بذلك بالفعل.

وبينما يخوض الغرب الديمقراطي حروب الماضي، فإن خصومنا يتطورون ويتكيفون مع ساحة اللعب الجديدة. فالابتكار في الذكاء الاصطناعي يتيح إنشاء "منتجات مزيفة عميقة" وغيرها من منتجات "الوسائط الاصطناعية". وعندما تصبح هذه الأدوات منخفضة التكلفة وسهلة الوصول إليها، ستصبح أسلحة مثالية في حرب المعلومات، ويمكن أن تقود مثل هذه التقنيات القفزة الكبيرة التالية في حرب التضليل التي يحركها الذكاء الاصطناعي.

لقد تخلفت الولايات المتحدة في مواجهة تحدي التضليل الخارجي. ولكن لم يحن الوقت بعد لتغيير المسار نحو نهج استباقي وليس تفاعلي، وتتعلق هذه القضية الحاسمة بجميع الديمقراطيات على حدٍّ سواء. ويمكن أن تقود القيادة الأمريكية القوية التوازن نحو ضمان استمرار الفضاء الرقمي في تسهيل ودعم القيم الديمقراطية للشفافية والمساءلة والنزاهة، أما القيام بخلاف ذلك فهو ترك هذه الساحة مفتوحة أمام السلطات الاستبدادية لوضع قواعد اللعبة كيفما تشاء.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق