بلومبرج| لشنّ حرب على صناعة النفط الصخري الأمريكية.. بوتين يتخلى عن شراكته مع محمد بن سلمان


٠٩ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

في صباحٍ ممطرٍ وكئيبٍ، في الساعة 10:16 صباحًا، دخل وزير الطاقة الروسي "أليكسندر نوفاك" مقرّ منظمة "أوبك" في وسط فيينا، وهو يعلم أن رئيسه سيقلب أسواق النفط العالمية رأسًا على عقب.

أخبر "نوفاك" نظيره السعودي الأمير "عبد العزيز بن سلمان" أن روسيا غير راغبة في أجراء مزيد من التخفيض على إنتاج النفط. وقرر الكرملين أن دعم أسعار النفط في وقت أثر فيه فيروس كورونا سلبيًّا على طلب الطاقة سيكون هدية لصناعة النفط الصخري الأمريكية، وقد أضافت شركات النفط الصخري ملايين البراميل من النفط للسوق العالمي، في حين بقيت آبار النفط الروسية خاملة، والآن حان الوقت للضغط على الأمريكيين.

بعد خَمس ساعات من مفاوضات هادئة ولكن غير مجدية، حيث عرضت روسيا بوضوح استراتيجيتها، انهارت تلك المفاوضات، وانخفضت أسعار النفط بنسبة 10 بالمائة، ولم يكن التجار فقط هم من تفاجأوا بما حدث؛ حيث تعرّض الوزراء للصدمة، ولم يعرفوا ماذا يقولون، وفقًا لما ذكره شخص في الغرفة.

لثلاث سنوات، أبقى الرئيس فلاديمير بوتين روسيا داخل تحالف "أوبك بلس"، متحالفًا مع السعودية وأعضاء آخرين في منظمة أوبك؛ بهدف خفض الإنتاج ودعم الأسعار. وبالإضافة إلى مساعدة الخزينة الروسية (حيث تمثل صادرات الطاقة أكبر مصدر لموارد الدولة) حقّق هذا التحالف مكاسب في مجال السياسة الخارجية لروسيا؛ ما خلق رابطًا قويًّا بين روسيا وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

لكن اتفاق "أوبك بلس" ساعد أيضًا صناعة النفط الصخري الأمريكية، وزاد غضب روسيا تجاه استخدام إدارة ترامب للطاقة كأداة ضغط سياسية، وانزعج بوتين بشدة بسبب استخدام الولايات المتحدة العقوبات لمنع استكمال بناء خط الغاز الذي يربط حقول غاز سيبيريا بألمانيا، والمعروف باسم "نورد ستريم 2"، كما استهدف البيت الأبيض أيضًا استثمارات شركة "روزنيفت" الحكومية الروسية في فنزويلا.

يقول "إليكسندر داينكين" رئيس معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو: "قرر الكرملين التضحية بأوبك بلس للتصدّي لمنتجي النفط الصخري الأمريكيين، وعقاب الولايات المتحدة بسبب استهدافها لأنبوب نورد ستريم 2"، وتابع: "بالطبع، فإن إغضاب السعودية سيكون خطوة خطيرة، لكن هذه استراتيجية روسيا في الوقت الراهن، هندسة مرنة للمصالح".

أول رفض

ولم يحظَ اتفاق "أوبك بلس" مطلقًا بشعبية لدى الكثيرين في صناعة النفط الروسية، الذين استاءوا من اضطرارهم لوقف الاستثمار في مشاريع جديدة ومربحة. لقد ضغط " إيغور سيتشين"، رئيس شركة "روزنيفت" القوي وحليف بوتين القديم، ضد خفض الإنتاج، وفقًا لأشخاص مطلعين على هذا الشأن طلبوا عدم الكشف عن هويتهم؛ لأنهم ممنوعون من عقد محادثات خاصة.

كما شعر الكرملين بخيبة أمل لأن التحالف مع الرياض لم يثمر عن تدفق استثمارات سعودية كبيرة إلى روسيا. ولأشهر عديدة، أخبر نوفاك وفريقه المسئولين السعوديين أنهم يفضّلون البقاء في تحالف أوبك بلس، لكنهم يرفضون زيادة خفض الإنتاج، وذلك أيضًا وفقًا لأشخاص مطلعين على العلاقة بين البلدين. وفي آخر اجتماع لأوبك في ديسمبر، تفاوضت روسيا للتوصل لقرار يسمح لها بالإبقاء على الإنتاج ثابتًا لحد كبير، في حين تقوم السعودية بإجراء عمليات تخفيض كبيرة في الإنتاج.

أسعار منخفضة للغاية

عندما بدأ فيروس كورونا في تدمير الاقتصاد الصيني في مطلع فبراير، مسببًا انخفاض طلب الصين (أكبر مستورد للنفط السعودي بنسبة 20 بالمائة) حاول الأمير عبد العزيز إقناع "نوفاك" بأنهم ينبغي أن يدعوا لاجتماع مبكّر لتحالف "أوبك بلس" ردًّا على انخفاض إمدادات النفط. لكن "نوفاك" رفض ذلك، وتحدّث الملك السعودي وبوتين على الهاتف، لكن هذا لم يفلح في حل الأمر.

ومع زيادة انتشار الفيروس وتوقعات المحللين بأن هذا العام سيكون الأسوأ للطلب على النفط منذ الأزمة المالية العالمية، كان المعسكر السعودي يأمل في إقناع موسكو في اجتماع أوبك المقرر عقده مطلع مارس. ولم يستبعد الروس زيادة خفض الإنتاج، لكنهم أوضحوا أن منتجي النفط الصخري ينبغي أن يشاركوا في تحمّل الأعباء. والتقى بوتين، المسئول الأول عن سياسة روسيا فيما يخص تحالف أوبك بلس منذ تشكيله عام 2016، بشركات إنتاج النفط الروسية ووزراء مهمين.

سوء تناغم

بينما تجمّع الوزراء في فيينا هذا الأسبوع، بذلت السعودية جهدًا أخيرًا للضغط على روسيا. وأقنع السعوديون منظمة أوبك بزيادة تخفيض الإنتاج بـ 1.5 مليون برميل يوميًّا، لكنها اشترطت انضمام روسيا والأعضاء الآخرين في تحالف "أوبك بلس". كان "نوفاك" آخر من وصل لمقرّ أوبك في فيينا، حيث كان ينتظره نظراؤه، رافضًا التراجع عن موقفه.
    
فكر ولي العهد السعودي حتى في الاتصال ببوتين يوم الجمعة، وفقًا لشخص مُلم بهذا الأمر، غير أن المتحدث باسم بوتين أوضح للصحفيين أن الرئيس الروسي لا يخطّط للتدخل في هذا الأمر. أما بالنسبة لوزيري طاقة البلدين، فلم يكن هناك تناغم شخصي بينهما، وفقًا لما ذكره شخص كان موجودًا في الغرفة. وقال شخص آخر، إن الوزيرين لم يتبادلا حتى ابتسامة واحدة.

زيادة الإنتاج

تشعر شركة "روزنيفت" بالسعادة بسبب هذا الخلاف. وذكر المتحدث "ميخائيل ليونتيف" أن الشركة يمكنها الآن التحرك لزيادة حصتها السوقية.

وأضاف المتحدث لموقع "بلومبيرغ": "لو استسلمت دائمًا للشركاء، فإنك لن تعود شريكًا. هذا يُطلق عليه شيء آخر". وأضاف: "لنرى كيف ستشعر شركات إنتاج النفط الصخري الأمريكية تحت هذه الظروف".

لكن القرار بمواجهة شركات النفط الصخري قد يكون له مردود عكسي. وبالرغم من أن العديد من شركات ومناطق إنتاج النفط الصخري في تكساس تبدو في موقف ضعيف، لأنها مثقلة بالديون ومتضررة بالفعل بسبب تهاوي أسعار الغاز الطبيعي، غير أن انخفاض الإنتاج الأمريكي ربما سيستغرق وقتًا. والآن، تتحكم كبرى شركات النفط الأمريكية، مثل إيكسون موبيل وشيفرون، في العديد من آبار النفط الصخري، ووضعها المالي يسمح لها بتحمّل انخفاض الأسعار. وربما تفلس بعض الشركات الأصغر حجمًا، لكن الكثير من الشركات تحوّطت ماليًّا لمقاومة انخفاض النفط الخام.

على المدى القصير، ستكون روسيا في وضع جيد لمقاومة انخفاض الأسعار، وتستطيع الموازنة التأقلم مع سعر 42 دولارًا للبرميل، كما وضعت وزارة المالية مليارات الدولارات في صندوق مخصص لتلك "الأيام العصيبة". ومع ذلك، فإن تأثير فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي مازال غير واضح، ومع استعداد الشركات لضخ ملايين إضافية من براميل النفط للسوق، يحذر محللو "وول ستريت" من أن أسعار النفط قد تلامس الانخفاضات الأخيرة لتصل إلى 26 دولارًا للبرميل.

حيّز للتنفس

في المملكة العربية السعودية، حيث تعتمد الحكومة تقريبًا بشكل كامل على النفط لتمويل الإنفاق الحكومي، سيكون التأثير الاقتصادي فوريًّا، وسيكون لدى الأمير عبد العزيز وأخيه غير الشقيق ولي العهد محمد بن سلمان كل الدوافع لتعزيز الإنتاج لزيادة العوائد مع انخفاض الأسعار.

يقول "روب ماكانلي" رئيس الشركة الاستشارية Rapidan Energy Advisors، والموظف السابق بمجلس الأمن القومي الأمريكي: "ستواصل الأسعار هبوطها حتى تتوقف موسكو أو الرياض عن لعبة التحمّل" أو يحدث انخفاض هائل في الإنتاج النفطي في أمريكا الشمالية.

ولا تزال العلاقات بين وزيري الطاقة السعودي والروسي طيبة ولا تزال الآليات الدبلوماسية لمجموعة "أوبك بلس" قائمة، ما يُبقي الباب مفتوحًا في حال قرر الطرفان جمع شملهما. وقد أخبر "نوفاك" نظراءه يوم الجمعة أن مجموعة "أوبك بلس" لم تنتهِ بعد.

بيد أن الصورة التي التُقطت لغرفة المؤتمر بعد مغادرة الوفود تشير إلى صورة مختلفة: العَلَم الروسي الصغير بجانب مقعد "نوفاك" انقلب رأسًا على عقب. ووفقًا لما ذكره شخص كان موجودًا في الغرفة، وجّه الامير "عبد العزيز" تحذيرًا لنظرائه قائلًا: "صدقوني.. هذا سيكون يومًا مؤسفًا لنا جميعًا".  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق