ناشيونال إنترست| ما الأخطار الخفية لطريق الحرير الرقمي الصيني؟


١٤ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

قامت الصين بتشغيل أكبر شبكة تجارية من الجيل الخامس (G5) حتى الآن في 31 أكتوبر 2019. هذا هو الوقت الذي كشفت فيه شركات الاتصالات اللاسلكية الثلاث المملوكة للدولة في الصين (تشاينا موبايل، وتشاينا يونيكورن، وتشاينا تيليكوم) عن حزم اشتراك G5.

وأشارت شركات الاتصالات اللاسلكية إلى أنها ستفرض رسومًا على العملاء نظير السرعة بدلاً من استخدام البيانات، وستكلف ذروة السرعة حوالي 45 دولارًا في الشهر. وقد وعدت بكين بأن شبكة الجيل القادم ستطلق "ثورة تكنولوجية". ويعدّ هذا الإعلان رسالة إلى الولايات المتحدة والعالم مفادها أن مساعي الصين نحو الهيمنة العالمية لشبكة الجيل الخامس لن تعرقلها المعارضة الأمريكية.

أصبح استثمار الصين في تقنيات الجيل التالي – بما في ذلك تكنولوجيا اتصالات المعلومات (ICT)، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، والحوسبة السحابية، وسلسلة كتل البيانات (بلوكتشين) إضافة إلى تقنيات أخرى – أولوية قصوى في عهد الرئيس "شي جين بينج".

دفعت سلسلة من التوجيهات والتقارير (الأوراق البيضاء) والمبادرات واستراتيجيات التخطيط الحكومية شركات التكنولوجيا الصينية نحو التقنيات "الصحيحة". 

وبات هذا الطموح الصيني لتحويل البلاد إلى قوة تكنولوجية وسيبرانية عالمية ذا طبيعة جغرافية سياسية علنية، كما يوضح مخطط عام 2016 للاستراتيجية الوطنية للتنمية المدفوعة بالابتكار: "تستمر التقنيات التخريبية في الظهور، وتعيد تشكيل المشهد التنافسي العالمي باستمرار، وتغير توازن القوى بين الدول".

سيكون لمشاريع البنية التحتية والاتصالات السلكية واللاسلكية التي تشهد توسّعًا سريعًا في بكين – وكلها جزء من طريق الحرير الرقمي– آثار واقعية على الأشخاص الذين يعيشون داخل هذه الأنظمة، ما يؤثر على أنظمة الحوكمة وسلطة الدولة على البيانات. وبينما تقوم شركات التكنولوجيا الصينية بتصدير هذه النظم البيئية المعقدة من التقنيات والقواعد والمعايير في برامج المدن الذكية وبرامج المنافذ الذكية، سيتعين على الولايات المتحدة وحلفائها مراقبة كيفية تأثير ذلك على الدول المتلقية.

وعلى الرغم من أن التأثير المعياري لهذه التقنيات أمر مثير للقلق، غير أن إمكاناتها الهيكلية الأوسع على النظام العالمي هي الأكثر إثارة للقلق. وإذا ما نظر المرء إلى مكونات النظام الغربي– المالية والمصرفية والهيمنة التكنولوجية والتأثير على السوق وقواعد التجارة – فمن الواضح أن بكين تقدّم بدائل على جميع المستويات، وتقوم ببناء نظام ضخم جديد يناسب خياراتها. وعلى الرغم من الطبيعة المتباينة لأنشطة الصين، غير أنها بشكل جماعي تشكل الأساس للهيمنة المستقبلية. 

وفي هذه المقالة، سنركز على ثلاثة مجالات تستخدم فيها جمهورية الصين الشعبية التكنولوجيا لتعزيز أهدافها: القيم والحوكمة، والأسواق والتجارة، والشحن.

أولاً: القيم والحوكمة

كما ذكرنا آنفًا، فإن المدن الذكية، المبنية على الأساس الثري لبيانات شبكات الجيل الخامس، تدمج المعلومات المتباينة من مصادر مختلفة لإنشاء منصة مركزية لتبادل البيانات ذات أهمية حاسمة للعمليات اليومية للإدارة والصناعية والبيئية والطاقة وأنظمة الأمن. والفرضية هي أن المدينة الأكثر تكاملاً ذات التشغيل الفعال تعزز النشاط الاقتصادي، وتعزز النمو المستدام في المستقبل، وهي تقنية واعدة لكثير من البلديات في جنوب آسيا، حيث يخلق النمو السكاني مدنًا جديدة سريعة النمو. ومع ذلك، ستقوم الصين بتصدير القيم والمعايير مع تدريبها لمستخدمي معداتها المستقبليين، باستخدام شبكات البحث مثل المختبر الوطني للهندسة لتطبيق البيانات الضخمة على استشعار مخاطر الضمان الاجتماعي والوقاية منها ومكافحتها. 

وقد أشار تقرير "فريدوم هاوس" لعام 2018 إلى كيف أن الصين تقدم برامج تدريب للمسئولين الأجانب حول كيفية التعامل مع البيانات الضخمة حول "إدارة الرأي العام" و"تطوير وسائل الإعلام الجديدة". حيث ساعدت شركة زد تي إي (ZTE) فنزويلا في مراقبة مواطنيها والسيطرة عليهم من خلال نظام بطاقة الهوية الذكية. وهذه البطاقات ترتبط بنظام الأقمار الصناعية الصيني، وتخزن البطاقات بيانات الموقع والمعلومات المالية والمعاملات المصرفية والرعاية الصحية، وحتى سجلات التصويت. وتستخدم الحكومة تلك البطاقات للتحكم في الوصول إلى المنافع العامة، وتعمل بعض الدول على صياغة قوانينها الإلكترونية لتقليد تلك القوانين الصينية مع فيتنام ومصر وتنزانيا وأوغندا، وهو على النقيض من قانون أمن الإنترنت الصيني لعام 2016، الذي يتطلب جمع هويات المستخدمين والتحقق منها.

هناك خطر حقيقي يتمثل في أن بكين، بصفتها كبير المهندسين والمديرين لهذه الشبكات الرقمية والمدن الذكية، ستتمكن من الوصول إلى رُزَم البيانات في الدول المتلقية، إما من خلال اتفاقيات تبادل المعلومات الاستخبارية، أو من خلال الوصول المباشر إلى الخادم، وهو مطلب آخر لقانون أمن الإنترنت لعام 2016. إن الوصول إلى هذه البيانات، والقدرة على حصادها باستخدام تحليلات البيانات الضخمة، سيعطي بكين نفوذًا في شكل مساومة وابتزاز، باستخدام معلومات حساسة للتأثير على القادة الأجانب الرئيسيين في القضايا الحاسمة التي تتعلق بالمصالح الصينية.

ثانيًا: الأسواق والتجارة

سيؤدي انتشار تطبيقات الدفع عبر الهاتف المحمول الصينية – مثل علي باي ومحفظة بايدو ووي شات باي – إلى زيادة كمية البيانات المالية التي تمر بين أيدي الصين؛ حيث يجب أن تمر جميع هذه المعاملات من خلال "وانجليان"، وهي غرفة المقاصة التابعة لبنك الشعب الصيني.

وهذا لا يمكّن شركات التكنولوجيا الصينية فقط - ولكن أيضًا بنك الدولة - من معرفة المعاملات المالية الأجنبية في الوقت الفعلي. وناهيك عن التوسع في أنظمة الدفع الإلكترونية الصينية المتنقلة، فإن شبكات وأنظمة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الصينية الصنع عبر طريق الحرير الرقمي، تدفع الدول المتلقية إلى تفضيل كل من العملة الصينية وشركاتها. وبالإضافة إلى اتفاقيات مبادلة العملات مع العديد من شركاء مبادرة الحزام والطريق، فقد عزمت الصين على "تحرير" الاقتصاد العالمي من هيمنة الدولار. ويعتقد البعض أن نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود يشكّل تحديًّا للمجتمع الذي تقوده الولايات المتحدة للاتصالات المالية بين البنوك في جميع أنحاء العالم.

ومع نمو التكنولوجيا المالية الصينية، ستستفيد الشركات الصينية من معلومات المستهلك القيمة، على غرار كيفية توظيف أمازون لتجميع البحث في الوقت الفعلي للحصول على رؤى حول اتجاهات المستهلكين ورغباتهم، ويمكن للشركات الصينية استخدام الذكاء الاصطناعي لتقييم احتياجات السوق في الوقت الحقيقي على نطاق عالمي، كما يمكن للشركات ذات الامتياز تقديم المنتجات المرغوبة إلى السوق قبل الشركات المحلية أو الأمريكية. علاوة على ذلك، تدرك الشركات الصينية القدرات والاحتياجات الدقيقة للبلدان المضيفة؛ ما يمنحها ميزة تنافسية واضحة على الشركات الغربية والمحلية في تصميم المنتجات والإنتاج. ومن المرجح أن تكون هذه الميزة حادة بشكل خاص في المناطق التي تعتقد الصين أنها مهمة استراتيجيًّا، مثل السيارات ذاتية القيادة والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء.

ثالثاً: خطوط الملاحة الرئيسية.. ركيزة النقل العالمي

تُعد السيطرة على الممرات البحرية والتجارة التي تجري عليها من أقدم ركائز القوة المهيمنة، حيث تُنقل 80% من التجارة العالمية عن طريق البحر، ويمر نحو ثلثي التجارة البحرية عبر الموانئ المملوكة للصين. واعتبارًا من 2019، تمتلك الشركات الصينية المملوكة للدولة مثل كوسكو ومجموعة التجار الصينيين 42 ميناءًا رئيسيًّا في 34 دولة عبر السواحل الأوراسية والأفريقية. وهنا، يلتقي طريق الحرير الرقمي وطريق الحرير البحري الصينيَّيْن معًا في شكل منافذ ذكية. فيما ستخلق مركزية البيانات وزيادة عمليات التشغيل الآلي كفاءات التحميل وآليته، وبالتالي زيادة قدرة الاستيعاب.

ففي إحدى الشبكات، يتبع نظام مراقبة مخاطر البيانات الضخمة في مكتب جمارك ناننينج عمليات التجارة عبر الحدود مع 26 ميناءً في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا، وتسمح هذه المنصة للصين بتتبع حالة السلع والوجهات والعلاقات حول العالم في الوقت الفعلي. بينما تتبع قوائم الشحن حركة البضائع، ولم يكن لدى الموانئ من قبل القدرة على رسم خرائط شاملة لسلاسل التوريد العالمية في الوقت الفعلي، فيما تسمح هذه المعلومات بنظام عقوبات غير رسمي يستهدف سلع الدول (أو حتى الأفراد) التي ترغب جمهورية الصين الشعبية في التأثير عليها. في الواقع، فعلت الصين ذلك بالفعل بطريقة منخفضة التقنية عندما عرقلت صادرات الموز الفلبيني من دخول الأسواق الآسيوية بين عامي 2016 و2018 بسبب التوترات الثنائية المتعلقة ببحر الصين الجنوبي.

يتغير العالم بسرعة، وهناك دلائل على أن طموحات الصين مع مبادرة الحزام والطريق – وجميع مكوناتها الرقمية – هي جزء من القوة الاقتصادية للهيمنة الجديدة. ويدرك القادة الصينيون أن التقنيات التخريبية الجديدة هي نذير التغيير في الاتصالات بين الأشخاص ويمكنهم أيضًا تغيير الطريقة التي تعمل بها الدول وشرطتها وبلدياتها. ولذلك يسمح ترويج بكين لشركاتها التقنية عبر الأراضي الأوروآسيوية بالاستغلال المستقبلي للبيانات الدولية من أجل التأثير السياسي؛ ما يسمح للقادة الصينيين بوضع القواعد، وسن الأعراف والمعايير، والسيطرة على النشاط التجاري والسياسي. إننا ندخل عصر المنافسة الذي لن يكون بين الدول فقط، ولكن بين الأيديولوجيات والدول التي تستضيفها.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق