الصحافة الفرنسية | الشرق الأوسط في زمن كورونا.. والسوريون يعانون من العِقد البائس


١٧ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - محمد شما

فرنسا تراهن على "مناعة القطيع" لوقف فيروس كورونا

فيما يخص الاستراتيجية الفرنسية في مواجهة فيروس كورونا، نشرت جريدة "لوفيجارو" قراءة في الخطاب الأخير للرئيس إيمانويل ماكرون؛ حيث اختار الرئيس، دون أن يعلن ذلك صراحة، إدارة الوباء على المدى الطويل. فمن خلال القراءة يمكننا التوصل إلى الخيار الاستراتيجي الذي جرى الاتفاق عليه وراء الكواليس، وبإعلانه أن وباء كوفيد - 19 الحالي يمثل "أخطر أزمة صحية عرفتها فرنسا منذ أكثر من قرن"، بدا جليًّا أن ماكرون يتطلع إلى المستقبل.

وبعبارة أخرى، جرى اتخاذ قرار بالسماح للوباء بمواصلة مساره وعدم محاولة إيقافه بشكل مفاجئ، وهذا لا يعني عدم القيام بأي شيء، حيث تقوم الحكومات الآن ببذل كل طاقتها لإبطاء انتشار الفيروس لتجنب الاكتظاظ لدى خدمات الطوارئ، وهذا يهدف إلى تسطيح منحنى الوباء، عن طريق الحد من الاتصال بين الناس، وبالتالي ينتشر الفيروس مع مرور الوقت، فتمديد مدة الوباء لتقييد حجم انتشاره حتى الوصول إلى اللحظة المناسبة يعد الطريقة الوحيدة للحد من الازدحام في المستشفيات.

وبالتالي سيكون من الضروري الانتظار، ربما عدة أشهر، حتى يصاب عدد كاف من الأشخاص قبل الوصول إلى مرحلة "مناعة القطيع" أو "مناعة المجموعة". وهي العتبة التي لا يمكن للفيروس بعدها أن ينتشر لعدم وجود ما يكفي من الناس للإصابة، كما أنها الاستراتيجية نفسها التي تبنّتها بريطانيا وألمانيا بشكل رسمي؛ حيث توقعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إصابة ما بين 60 و70 في المائة من الألمان! كما سبق وتوقّعت بريطانيا العظمى نفس الشيء. وهكذا نفهم بشكل أفضل الكلمات التي اختارها ماكرون بعناية لإعداد الفرنسيين لاستقبال هذه الاستراتيجية.

وقد جعلت التدابير الصارمة التي اتخذتها إيطاليا لفترة فرنسا تؤمن بأنها قد تلجأ إليها أيضًا للمساعدة في احتواء الفيروس، مثل احتواء جميع السكان، وإغلاق الأعمال التجارية، والحد من السفر بشكل كبير، ووضع قواعد إلزامية حتى يتثنى احترام هذه التدابير، ستكون بمثابة قتل للاقتصاد، وتعطيل الحياة الديمقراطية بتأجيل الانتخابات، وتقييد حرية المواطنين في نهاية المطاف.

وأوضحت الصحيفة أنه إذا نجحت الصين في السيطرة على الفيروس اليوم، فلا يوجد ما يضمن أنها لن تواجه انتعاشًا للوباء في الأسابيع أو الأشهر القادمة. وبالفعل، مع وجود 80 ألف مريض فقط من أصل 1.4 مليار نسمة، فإن الغالبية العظمى من الصينيين لم تصادف الفيروس؛ وبالتالي فهي ليست محصنة ضده.

يقول جان ستيفان ديرسين، الأستاذ بجامعة السوربون: "عندما يتوقف الوباء بشكل اصطناعي، فإنه يبدأ مرة أخرى بمجرد إعادة الحقن بالفيروس". ومن المرجح أن تشتعل بؤر جديدة للوباء في أي وقت؛ لأن هذا الفيروس مُعدٍ للغاية وله خصوصية أنه ينتقل أيضًا من قبل الأشخاص عديمي الأعراض؛ ما يجعله كابوسًا للوقاية. إن إيطاليا إذا ما تمكنت من إيقاف الوباء، وهي أبعد ما تكون، سيتعين عليها مواجهة نفس الوضع الذي تعانيه الصين.

وبدلاً من إدارة الوباء عبر المواجهة المباشرة، ستحاول فرنسا السيطرة عليه على المدى البعيد، وستتوقف الكثير من الخسائر البشرية التي سيتم تحديدها في نهاية الأزمة على مدى سوء الفيروس وفتكه. وفي الصين، قدرت السلطات الحالات الخطيرة بنحو 20 في المائة من إجمالي عدد الإصابات. ووفقًا للتقديرات، فإن معدل الوفيات سيكون بين 0.5 و1 ٪، غير أن الحالات التي لم تظهر عليها أعراض واضحة والتي لم يتحدد عددها يمكن أن تعطي الأمل وضع أقل مأساوية.

وعلى العكس من ذلك، إذا فشلت المستشفيات في استيعاب تدفق المرضى، فقد ترتفع الخسائر البشرية. ومن هنا تأتي الحاجة الملحة لإبطاء انتشار الفيروس؛ لذا نرى أن إغلاق المدارس، التي تعمل كمعجلات للتفشي، يسير في هذا الاتجاه، فضلًا عن الحظر المفروض على أي تجمع. ومن ناحية أخرى، يمكن أن نتساءل عن مدى صواب قرار الحفاظ على الانتخابات في هذا السياق، هذا الاستحقاق السياسي الذي يتجاوز عِلم الأوبئة.

ومن الإجراءات المهمة الأخرى التي أعلنها ماكرون: الدعوة إلى احتواء الضعفاء، بدءًا من كبار السن؛ لأنهم الأشخاص الأكثر عرضة لخطر الإصابة بشكل حاد يمكن أن يسبب التكدس بالمستشفيات، كما أن إغلاق دور رعاية المسنين يذهب أيضًا في هذا الاتجاه، ومن خلال الإبقاء على تلك التدابير الوقائية على المدى الطويل، يمكن أن نأمل في بناء أقصى حد من مناعة القطيع لدى بقية السكان، الأقل عرضة للإصابة بشكل حاد.

بعد عشر سنوات من الحرب.. اليأس يتملك السوريين

سلطت جريدة "لاروا" المتخصصة في الأديان الضوء على معاناة الشعب السوري؛ فبعد مرور ما يقارب العشر سنوات على اندلاع النزاع، لا يزال السوريون يعانون من آثار الحرب وغياب إعادة الإعمار والأزمة الاقتصادية، كما تتضاعف حالات الاكتئاب والأمراض الخطيرة، حيث إن العديد من الأعراض تشير إلى استحالة عودة الأمور إلى طبيعتها.

 ماهر، طالب يبلغ من العمر 26 سنة، لا يزال يعيش في دمشق مع شقيقيه ووالديه، وشأنه شأن الجميع في سوريا، يخشى انعدام الأمن الاقتصادي. وفي الآونة الأخيرة، بدأ يتردد على الطبيب النفسي.. يقول الشاب: "بعد أكثر من تسع سنوات من الحرب، من الطبيعي أن نعاني من عواقب نفسية. وكثير من الناس هنا يعانون من الاكتئاب والوحدة والقلق.. ولسوء الحظ، لا يعرفون ذلك لأنه ليس أمرًا شائعًا في ثقافتنا".

يذكر أن أن الثورة الديمقراطية التي حملتها أنفاس الربيع العربي تحولت إلى حرب ذات تداعيات متعددة وخسائر فادحة للغاية، حيث قُتل نحو نصف مليون شخص وفُقد عشرات الآلاف ما بين الغياب والاعتقال والتعرض أحيانًا للتعذيب في سجون النظام، ونزوح الملايين إلى تركيا ولبنان والأردن أو أبعد من ذلك.

آثار الحرب

واليوم، لا تزال الحرب مستعرة في محافظة إدلب، آخر كيان متمرد في البلاد. ولكن من درعا، في الجنوب، إلى الحسكة، في الشمال الشرقي ومن المنطقة الكردية، مرورًا بالمناطق السابقة التي كان يسيطر عليها في السابق التمرد واستعادتها قوات بشار الأسد بعد معارك عنيفة، تعاني البلاد بأكملها من آثار الحرب؛ فالمباني منهارة، والحقول مُلغّمة، والمصانع مغلقة، والمستشفيات والمدارس مدمرة ... مشهد الحرب في كل مكان.

يقول طارق، طبيب في أحد مستشفيات دمشق: "يمكن أن أتحدث حتى الغد عن الوضع الصحي المتردي في البلاد". وبالرغم من عدم امتلاكه لإحصاءات، لكنه يرى عودة ظهور مرض السل وشلل الأطفال، بالإضافة إلى زيادة كبيرة في عدد السرطانات، ويتحدث البعض عن السبب وراء ذلك يرجع إلى أن السكان اضطروا، خلال الحصار الطويل، إلى حرق البلاستيك المستخرج في المباني المدمرة للحصول على المازوت أو الوقود.

عودة ظهور أعراض ما بعد الصدمة

وتابع الطبيب السوري: "لا يأتي جميع المرضى إلى المستشفى لمرض جسدي. في الواقع، هم يعانون من أعراض ما بعد الصدمة. فبعد سنوات من العنف والخوف، تظهر أعراض ما بعد الصدمة، كما يقول فنسنت جيلوت، مندوب منظمة أويفر دورينت الذي عاد من الإقامة في سوريا، والتي بات سكانها يعانون من ارتفاع حالات أمراض اليأس.

انعدام الأمن الغذائي

قطرة ماء في محيط من الشدائد.. يقدّر مكتب الأمم المتحدة للشئون الإنسانية أن 11.1 مليون سوري من أصل 17 مليون سوري بحاجة إلى المساعدة الإنسانية. ونصفهم تقريبًا من النازحين الذين أجبرهم القتال على مغادرة منازلهم. فالشتاء ودرجات حرارته المتجمدة كانت شاقة بشكل خاص بالنسبة لهم، سواء كانوا مكتظين في المخيمات، أو في السكن، أو أنه لم يكن لديهم خيار سوى العودة إلى المنزل، في مبنى مدمر بشكل أو بآخر.

وتقول كيارا ساكاردي، رئيس منطقة الشرق الأوسط لدى منظمة العمل ضد الجوع: "يقدر أن 6.5 ملايين سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي. والاحتياجات هائلة حتى في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة لأن المناخ العام، الذي لا يزال بعيدًا عن الهدوء، يمنع العودة إلى الحياة الطبيعية". والمنظمة غير الحكومية تعمل على جميع الجبهات من المساعدة الطارئة إلى إصلاح شبكات الإمداد، وإعادة تشغيل الزراعة ... وستستمر لفترة طويلة.

ومع دخول السنة العاشرة من الصراع، لا تزال إعادة الإعمار المذكورة في المنتديات الدولية كلمة فارغة بالنسبة للسوريين الذين التقتهم جريدة لاكروا؛ فالطالب ماهر ليس لديه أدنى فكرة عن هذا الإعمار لأنه لم ير شيئًا حول دمشق باستثناء عمليات قليلة لتنظيف الطرق.

ومن الغوطة الشرقية حيث يعيش علي، يقول هذا الشاب البالغ من العمر 19 عامًا، والذي فقد والده وأخويه والعديد من الجيران والأصدقاء: "العديد من المباني في شارعي لا زالت مدمرة لأنه لا أحد يستطيع ترميمها". وبسبب غياب الكهرباء يستخدم مثل الغالبية العظمى من السوريين مولّدًا كهربائيًّا لبضع ساعات فقط في اليوم.

أزمة اقتصادية

وفي باقي أنحاء سوريا، تتوافق الشهادات، حيث أجرت العائلات التي كانت تمتلك منازل بعض الإصلاحات دون أن يرقى ذلك للحديث عن إعادة الإعمار. ويشير أحد السوريين إلى أن الأموال نادرة، ويرى أنه "مع كل تطور عسكري، يتراجع كل شيء". وبالنسبة لماهر، فإن الأولوية ليست لإعادة الإعمار: حتى في دمشق، "الناس منشغلون بشكل أساسي بكسب ما يكفي لشراء طعامهم".

وتأمل العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي - دون جدوى حتى الآن - في إثناء بشار الأسد عن مخططاته، ناهيك عن انهيار الليرة السورية منذ أسابيع قليلة، حيث يتم استبدال دولار واحد بأكثر من 1200 ليرة، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف السعر الرسمي الذي حدده البنك المركزي.

الشرق الأوسط في زمن الكورونا

من جانبها، سلّطت صحيفة "لوموند" الضوء على تأثير وباء كوفيد – 19 على المنطقة، مشيرة إلى أن إيران تعد الدولة الأسوأ التي طالها الوباء، غير أن انتشار الفيروس قد يفاقم ضعف المنطقة التي تعاني بالأساس من عدم الاستقرار.

ونادرًا ما تتاح الفرصة لسكان قطاع غزة البالغ عددهم مليونَي نسمة للشعور بالفرحة بسبب الحصار الإسرائيلي عليهم، لكن الأمر تبدل منذ انتشار الفيروس بشكل خطير في جميع أنحاء الشرق الأوسط؛ وبالتالي فإن السجن المفتوح الذي تعيشه هذه الأرض الفلسطينية بات محميًا.

وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي السخرية السوداء عن غزة باعتبارها المكان الأكثر أمانًا في العالم بفضل الحجر الصحي الذي يعيشه القطاع منذ 14 عامًا. صحيح أن إغلاق الحدود في الشرق الأوسط بسبب الصراعات المستمرة يبدو أنه احتوى الوباء نسبيًّا، لكن السلطات الإسرائيلية قررت أيضًا حظر دخول المواطنين الفرنسيين والألمان والإسبان والسويسريين والنمساويين، باستثناء الحاصلين على إقامة، بعد أن اتخذت بالفعل إجراءات تقييدية للغاية ضد الزوار من إيطاليا وبعض الدول الآسيوية. أما السلطة الفلسطينية، فأغلقت كنيسة المهد في بيت لحم بعد ورود أنباء عن إصابات بالمدينة، من المرجح أنها كانت على اتصال بسائحين يونانيين.

إيران في مرمى كورونا

مع أكثر من 120 حالة وفاة رسميًّا وما يقرب من خمسة آلآف حالة إصابة بكورونا، تُعد إيران الدولة الأكثر تضررًا في الشرق الأوسط، والواقع هو أنها تعيش مأساة كبيرة، بسبب إهمال السلطات التي نفت طويلًا حجم الوباء؛ ما ساهم في انتشاره وزيادته، حتى أن الدعاية التي قامت بها الجمهورية الإسلامية وصفت الفيروس بأنه مؤامرة جديدة من الأعداء الأمريكيين أو الإسرائيليين بدلًا من تنظيم حملة وقاية وطنية. ومع ذلك، بات من المستحيل الاستمرار في هذه الكذبة عندما بدأ الفيروس في ضرب الدوائر الحاكمة: حيث تأكد وفاة مستشار المرشد علي خامنئي، وكذلك نائبين برلمانيين، في حين تأكدت إصابة 23 برلمانيًا آخرين ونائب رئيس الجمهورية.. وغيرهم، بالإضافة إلى وزير الصحة، المسئول عن إدارة رد الحكومة على مثل هذا التهديد.

وقد تضاعف العمى الأيديولوجي لنظام الملالي بسبب رفضه وضع مدينة قم المقدسة تحت الحجر الصحي، على الرغم من أن شعيرة الحج الشيعي إليها جعلها مركزًا رئيسيًّا لانتقال الفيروس. ومع ذلك، ركزت السلطات الإيرانية من خلال الدعاية واسعة النطاق على تطهير ضريح الإمام الرضا، الإمام الثامن للشيعة في مشهد، شرق البلاد. ومن الواضح أن هذه الإجراءات لم تكن كافية لوقف انتشار الوباء؛ ما دفع الحكومة إلى الأمر بإغلاق المدارس والجامعات، وبالتالي تأجيل عطلة رأس السنة الإيرانية لمدة أسبوعين. وتجدر الإشارة إلى أن السجون ليست بمنأى عن الفيروس، الأمر الذي يثير قلق أقارب كل من فاريبه أديلخاه ورولاند مارشال، الباحثين الفرنسيين المحتجزين بشكل تعسفي منذ يونيو 2019 في طهران.

تعليق الحج

من جانبها، قررت المملكة العربية السعودية، بعد أن تم الإعلان عن أول حالة في الثاني من شهر مارس، تعليق رحلات العمرة إلى مكة والمدينة، كما أغلقت مساجد المدينتين المقدستين لإجراء عمليات التطهير، مع فرض قيود صارمة على المستوصفات في مكة، وكذلك على استهلاك الماء والغذاء. ويسري تعليق العمرة على السعوديين والأجانب، بينما حظرت القادمين إيطاليا أو إيران أو الصين أو كوريا الجنوبية من دخول المملكة. وكانت أول حالة إصابة سعودية قادمة من إيران، بالإضافة إلى أن الغالبية العظمى من الحالات التي جرى اكتشافاها حتى الآن في العراق كانت من إيران أيضًا؛ ما دفع بغداد إلى إغلاق حدودها مع إيران وإيقاف الرحلات الجوية، وهو إجراء اتخذ على خلفية اعتراض شعبي على نفوذ إيران في البلاد.

ويبدوا الاستقطاب في النقاش حول الفيروس جليًّا أيضًا في لبنان، حيث يغذي إدانة فساد الطبقة السياسية الاتهامات القوية ضد وزارة الصحة. وفي مصر، ذهبت وزيرة الصحة المصرية إلى الصين في شهادة على "التضامن" مع بلد منشأ الوباء، وتبرعت مصر بمليون قناع وقائي، بينما رُفع العلم الصيني رمزيًّا على العديد من المعالم الأثرية في القاهرة ووادي النيل. وعلى النقيض من ذلك، حظرت مصر مواطني قطر من دخول مصر، في رد على تعليق قطر دخول القادمين من مصر إلى أراضيها، أما الإمارات العربية المتحدة، فأصدرت قرارًا بإغلاق المؤسسات التعليمية اعتبارًا من 8 مارس وحتى نهاية الشهر، كما توقفت الحركة السياحية والتجارية في دبي.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق