مجلس العلاقات الخارجية| وباء كورونا يهدّد صورة بوتين العالمية


٢٩ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

تجاوز العدد الرسمي للإصابات بفيروس كورونا المستجد في روسيا 650 مصابًا، ووفاة شخص واحد. وكما في دول أخرى، فإن العدد الحقيقي بالتأكيد أعلى من هذا. بينما طمأن بوتين الروس في الأسبوع الماضي أن الوضع "عمومًا تحت السيطرة"، بيد أنه غيّر نبرته هذا الأسبوع محذرًا الروس بأن يستعدوا لمعركة طويلة ضد هذا الوباء المدمّر. بالإضافة إلى الخطوات التي اتخذتها السلطات بالفعل لاحتواء الفيروس - مثل غلق الحدود وحظر دخول الزوّار الأجانب حتى أول مايو، وفرض حجر صحي على الحاملين المحتملين للفيروس فضلًا عن إجراءات أخرى - أعلن بوتين أن الأسبوع المقبل سيكون عطلة مدفوعة الأجر، وحث الجميع على البقاء في المنزل. كما أعلن أيضًا سلسلة إجراءات لضمان الدخل والمحافظة على الوظائف لتخفيف أثر التداعيات الاقتصادية لإجراءات احتواء الفيروس.

كورونا يتسبب في إلغاء مناسبات كبيرة

أجبر مرض "كوفيد 19" بوتين على إعادة دراسة خطط خاصة بحدثين سياسيين كبيرين هذا الربيع، هدفهما تعزيز صورته: الأول هو الاستفتاء الدستوري، الذي كان أصلًا مقررًا عقده في الثاني والعشرين من أبريل. والحدث الثاني هو الاحتفال بالذكرى السابعة والخمسين للانتصار على ألمانيا النازية في التاسع من مايو. سيؤكد هذا الاستفتاء سيطرة بوتين على السياسة الروسية، بينما سيعزز الاحتفال بذكرى الانتصار على ألمانيا شرعية نظامه الحالي. ومع تصاعد خطر "كوفيد 19" حول العالم، فإن أيًّا من الحدثين لن يمنحه الدعم السياسي الذي توقعه، وإذا أُسيء التعامل معهما، فقد يؤدي هذا لتشويه سمعته بشكل كبير.

زعيم للأبد؟

في يناير، اقترح بوتين تعديلات لإعادة توزيع السلطة بين الرئيس ورئيس الوزراء والبرلمان، ما أثار تكهنات بشأن كيف (وليس إذا كان) سيحتفظ بالسلطة بعد انقضاء فترته الرئاسية عام 2024. في ذلك الوقت، رفض بوتين تغييرات تسمح له بالبقاء رئيسًا. ثم بعدها، في مارس، أعاد فيما يبدو النظر عندما قدّمت عضوة في البرلمان تعديلات إضافية تمكّنه من البقاء في السلطة لفترتين رئاسيتين أخريين. استخدم بوتين تفشي "كوفيد 19" عالميًا كمبرر لتغيير رأيه، فيما صادق البرلمان والمجالس المحلية والمحكمة الدستورية بسرعة على تعديلات بوتين المنقّحة بسرعة.

الخطوة الأخيرة لتمرير هذه التعديلات هي الاستفتاء الشعبي. ولا شك أن اقتراح بوتين سيمرّ وبفارق كبير. لكن بالنسبة للرئيس فإن مقياس النجاح ليس الفارق، لكن نسبة الإقبال التي تعدّ مؤشرًا أفضل لقياس مستوى الدعم الشعبي عندما يتحقق النصر. ولإظهار قوته السياسية، سيتعيّن على بوتين تجاوز نسبة الإقبال في الانتخابات الرئاسية لعام 2018 البالغة 67.5 بالمائة. قد يكون من الصعب تحقيق هذه النسبة وسط حالة الخوف من فيروس كورونا، إلا إذا حدث تزوير فاضح أو المخاطرة بمفاقمة أزمة الوباء. وقد انحنى بوتين هذا الأسبوع أمام الواقع وقرر تأجيل الاستفتاء، موضحًا خطورة الوضع، قائلًا إن تغيير موعد الاستفتاء سيعتمد على نصائح الخبراء الطبيين.

كورونا يهدد احتفالات عيد النصر على النازية

يواجه بوتين قرارًا مماثلاً لكنه ذو تداعيات أكبر، وهو احتفالات التاسع من مايو. كانت الخطة تقتضي تقديم عرض مبهر للقوة العسكرية بحضور عدد كبير من قادة العالم في الميدان الأحمر بهدف إظهار مكانة روسيا وبوتين الدولية. وهناك عرض احتفالي آخر لتعزيز الروح الوطنية - مسيرة فوج الخالدين - يُحيي فيه سكان موسكو ذكرى أقاربهم الذين حاربوا في الحرب العالمية الثانية. 

إن عقد هذين الحدثين في موعدهما يخاطر بإصابة آلاف الجنود والحضور. ومع تصاعد خطر الفيروس في بلدان أخرى، سيختار العديد من القادة الأجانب عدم الحضور. ربما تقرر بعض العواصم أنه من غير الحكيم إرسال وفود نظرًا للظروف في روسيا، وربما تقصر مشاركتها في الاحتفالات، إنْ شاركت أصلًا، على سفرائها المحليين في روسيا. هذا سيمثل خيبة أمل كبيرة لبوتين، كما أن ارتفاع حالات الإصابة لاحقًا سيشوّه صورة بوتين. لكن أيًّا من البدائل المطروحة - إلغاء أو تأجيل أو تقليص حجم الاحتفالات - لن يكون جذابًا؛ وبالتالي يواجه بوتين قرارًا يفضّل ألا يأخذه.

ركود اقتصادي

بالإضافة إلى هذين الحدثين السياسيين الكبيرين، يجب على بوتين أن يقلق بشأن التبعات الاقتصادية لوباء "كوفيد 19". لقد تصاعد مستوى السخط الاجتماعي - الاقتصادي في السنوات الأخيرة، ويُعزى هذا جزئيًّا إلى أن الدخل الحقيقي المتاح شهد في أفضل الأحوال حالة ركود منذ عام 2014.

في يناير، تعهّد بوتين بتسريع النمو الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة، وأجرى تعديلات حكومية عيّن فيها مديرين اقتصاديين محترفين للغاية كوزراء، كُلّفوا بقيادة ما يزيد على عشرة مشاريع وطنية تركز على مجالات منها الصحة والتعليم والبنية التحتية. ومن المقرر أن تضخ هذه المشاريع نحو 400 مليار دولار في الاقتصاد بنهاية 2024. مع هذا، حطّم وباء "كوفيد 19" هذه الخطة، بسبب أن الكساد العالمي الحتمي سيفاقم من انحدار الاقتصاد الروسي. يدرك بوتين الآن أن المهمة هي تقليل الضرر الناتج عن كورونا؛ وبهذا تحوّل عام من الطموحات العظيمة إلى عام يواجه فيه بوتين اختبارًا عصيبًا.   

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق