ناشيونال إنترست| ما أسباب الاهتمام السعودي بأفريقيا؟


٣٠ مارس ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

بخطوات حثيثة وثابتة، بدأت الرياض تدير نظراتها إلى الشاطئ الغربي للبحر الأحمر. فبعد سنوات من المشاركة المتواضعة نسبيًّا مع دول شرق أفريقيا، بدأت المملكة العربية السعودية اليوم في تنفيذ استراتيجية طموحة للمشاركة مع القارة السمراء.

ففي يناير، اجتمع رؤساء خمس دول من شرق أفريقيا (وهي السودان وجيبوتي والصومال وإريتريا ومصر) وثلاث دول شرق أوسطية (وهي: السعودية واليمن والأردن) في العاصمة السعودية للتوقيع على ميثاق البحر الأحمر، وهو إطار جديد لتعزيز التجارة والدبلوماسية بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر. ويرسي الميثاق، الذي أعد منذ حوالي ثلاث سنوات، أساس ما يأمل المسئولون السعوديون أن يصبح نظامًا تعاونيًّا جديدًا للمنطقة.

إن مصلحة الرياض في هذا الصدد منطقية. فتطوير منطقة البحر الأحمر– ولا سيما السياحة والتجارة على طول الممر المائي – يشكل جزءًا مهمًا من التنويع الاقتصادي في قلب خطة "رؤية 2030" التي برزت كمبادرة مميزة لحاكم المملكة الفعلي، ولي العهد "الأمير محمد بن سلمان". وبالتالي، فإن الهدف من الميثاق هو تعزيز التجارة والأمن على طول الممر المائي وداخله، حيث يتدفق من خلاله حاليًا نحو 13% من التجارة العالمية. ويقول مسئولون سعوديون إن المنطقة يمكن ربطها في النهاية بالبحر المتوسط بطريقة من شأنها أن توسع بشكل أكبر الفرص الاقتصادية لجميع الدول المحيطة به.

ومع ذلك، فإن ميثاق البحر الأحمر ليس سوى أحد مكونات تحول سعودي أكبر بكثير نحو قارة أفريقيا، وهي منطقة يعدها المسئولون في الرياض جزءَا لا يتجزأ من ازدهار بلادهم الاقتصادي وأمنها الداخلي وموقعها الجغرافي السياسي.
 
الوعد الاقتصادي لأفريقيا

على مدى السنوات العديدة الماضية، عملت المملكة بشكل كبير على تعميق حصتها المالية في القارة. واعتبارًا من عام 2018، احتلت المملكة العربية السعودية بالفعل المرتبة الخامسة كأكبر مستثمر دولي في أفريقيا، حيث استثمرت ما يقرب من أربعة مليارات دولار في مشاريع في جميع أنحاء المنطقة، غير أن الاهتمام المتزايد من الرياض في الآونة الأخيرة كان سببًا في المزيد من المشاركة الاقتصادية في جميع المجالات الأفريقية، من قطاع الطاقة في جنوب أفريقيا إلى التعاون الدفاعي مع السودان.

وهذه المشاركة تحركها الاحتياجات المحلية. فأفريقيا تشكّل ضرورة أساسية للمملكة لأسباب اقتصادية. فنسبة الأراضي الصالحة للزراعة لا تتجاوز 2% من إجمالي الأراضي السعودية، ونتيجة لهذا فإن البلاد تعتمد بشكل كبير على الواردات الغذائية من المصادر الأجنبية. وقد حاولت الرياض التخفيف من هذه التبعية التاريخية على مدى السنوات العشر الماضية من خلال الاستثمار العميق في الشراكات الزراعية في شرق أفريقيا كجزء من "مبادرة الأمن الغذائي" الرسمية والمستمرة. وهذا قد استلزم، من بين أمور أخرى، شراء الشركات السعودية لآلاف الهكتارات من الأراضي في أفريقيا لأغراض الزراعة، فيما يأمل المسئولون بالرياض أن يتوسع في نهاية المطاف ليصبح جزءًا أساسيًّا من بنيتهم الاقتصادية.

وتتزايد هذه الاحتياجات بشكل متسارع، فمن المتوقع أن يزداد عدد سكان المملكة الحالي البالغ 32 مليون نسمة إلى ما يقرب من 45 مليون بحلول عام 2050، وسيؤدي هذا النمو حتمًا إلى زيادة في الطلب على الغذاء. وأفريقيا، بمساحاتها الشاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة والتربة الخصبة، هي الجواب المنطقي لهذه الطفرة المتوقعة، حيث من المتوقع أن تكون دولة أوغندا وحدها قادرة على إطعام ما يصل إلى مائتي مليون شخص، أي أكثر بأربع مرات ونصف من حجم سكانها.. كل هذا أدى إلى أن تصبح أوغندا وجيرانها في المناطق الشرقية للقارة شركاء رئيسيين للمملكة.

استراتيجية مستقبلية للأمن

بَيْدَ أن مشاركة الرياض لم تكن مدفوعة فقط بالإمكانيات الاقتصادية لأفريقيا؛ فمن الواضح أن المملكة ترى أن وجودها هناك متزايد الأهمية لردع التهديدات المحتملة لأمنها، فمن بين أبرز أهداف ميثاق البحر الأحمر، الموقَّع مؤخرًا، مكافحة القرصنة البحرية، وهي مبادرة تعاونية من شأنها أن تساعد في حماية الجناح الغربي الضعيف للمملكة العربية السعودية.

ولأسباب وجيهة، أصبحت المملكة تنظر أيضًا إلى بصمتها الأفريقية على أنها وسيلة لاعتراض النجاحات التنافسية التي حققها المنافسون الإقليميون هناك. فقبل ثلاث سنوات، تم اكتشاف عمليات تهريب للأسلحة يقوم بها الحرس الثوري الإيراني لصالح المتمردين الحوثيين في اليمن عن طريق الصومال. ومنذ ذلك الحين، عملت الرياض بجد لتوسيع علاقاتها مع مقديشو من أجل منع تكرار حدوث تلك العمليات، وكذلك لاستمالة حكومة الرئيس "محمد فارماجو" بشكل أكثر حسمًا إلى مدارها، بعيدًا عن محاولات الجذب المتنافسة من تركيا وقطر، فكلتا الدولتين تتمتعان بنفوذ واسع النطاق في الصومال.

وكجزء من هذا التواصل، اضطلعت المملكة أيضًا بدور صانع السلام الإقليمي، ففي عام 2018 توسطت للتوقيع على هدنة بين إثيوبيا وإريتريا؛ ما مهد الطريق لتحقيق الاستقرار في القرن الأفريقي.

وفي الوقت نفسه، ساعد التدفق المستمر للمساعدات السعودية إلى شرق أفريقيا، ولا سيما إلى السودان وإريتريا وجيبوتي، بالإضافة إلى أرض الصومال، على توجيه السياسات الإقليمية نحو المملكة، ومهد الطريق لتبني وجهة نظر أكثر تعاطفًا بين الحكومات الأفريقية تجاه الصراع الدائر في اليمن، والذي يمثّل الأولوية الأمنية القصوى للسعودية.

مزيد من التحركات في المستقبل

يواجه السعوديون اليوم العديد من التحديات الملحة. ففي الداخل، بدأت المملكة في إعادة توجيه أساسية للبلاد بعيدًا عن الاقتصاد القائم على النفط، وإصلاح شامل للمعايير الاجتماعية والثقافية لمواكبة توقعات شعبها من الشباب والطموحين. أما على الصعيد الخارجي، لا تزال البلاد متورطة في حرب أهلية دموية في اليمن المجاورة، وخاضت منافسة استراتيجية مع منافستها الإقليمية إيران، فضلًا عن منافسة أيديولوجية شديدة مع دولة قطر.

وفي خضم هذه الأجندة الاستراتيجية المزدحمة، تمثل أفريقيا نقطة مضيئة نسبيًّا.. نقطة تحمل وعدًا بمزيد من الأمن والازدهار للمملكة في سعيها للتكيف مع الظروف العالمية المتغيرة، ولهذا السبب، أكثر من أي سبب آخر، من المؤكد أن اهتمام السعودية بأفريقيا ووجودها هناك سيستمر في التزايد في السنوات المقبلة.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق