نيويورك تايمز| ما السرّ وراء الانخفاض النسبي لوفيات فيروس كورونا في ألمانيا؟


٠١ أبريل ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

تعيش دول في عموم قارة أوروبا حالة إغلاق.. الحدود مغلقة، وأنظمة الرعاية الصحية تتعرض لضغط هائل، ويموت الناس بأعداد مخيفة.

الوضع هنا في ألمانيا مماثل. وبالرغم من أن البلاد غير خاضعة لأغلاق تام، غير أن المدارس والمحلات والمطاعم والمسارح مغلقة، وتم فرض حظر على التجمعات التي تضم أكثر من شخصين. سينكمش الاقتصاد وسيخسر الناس وظائفهم. حتى المستشارة "أنجيلا ميركل" وضعت نفسها في حجر صحي ذاتي بعد علمها أن طبيبها أُصيب بالفيروس. (مع هذا كنت نتائج فحص ميركل سلبية). يبدو أن ألمانيا ليست محصّنة ضد أهوال وباء كورونا.

لكن هناك استثناء واحد: عدد قليل جدًّا من الناس يموتون. في يوم السبت، ومن بين 56.202 ألف حالة إصابة مؤكدة بفيروس كورونا، لم يمت سوى 403 أشخاص. يبلغ معدل الوفاة من الفيروس 0.72 بالمائة. لكن في المقابل، المعدل الراهن في إيطاليا - حيث توفي 10 آلاف شخص - هو 10.8 بالمائة. وفي إسبانيا، يبلغ 8 بالمائة. كما توفي ضعفا هذا الرقم في بريطانيا، حيث يقل عدد الإصابات هناك بثلاث مرات مقارنةً بألمانيا.

هذه الأرقام المذهلة لغز! البعض أشاد بنجاح هذا البلد في تفادي حدوث كارثة، بينما كان البعض الآخر أكثر حذرًا. ماذا يجري هنا؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه؟

أولًا وقبل كل شيء: الاختبارات المبكرة والمستمرة تساعد، وكذلك تتبّع الأشخاص.

لنأخذ مثلًا أول حالة إصابة جرى تسجيلها في البلاد، في الثامن والعشرين من يناير، جرى التأكد من إصابة رجل من بافاريا يعمل في شركة لتصنيع أجزاء السيارات تمتلك مصنعين في مدينة ووهان الصينية. خلال يومين، تعرّفت السلطات على الشخص الذي أصاب المريض، وتتبعت اتصالاته ووضعته في حجر صحي. أوقفت الشركة السفر إلى الصين وأغلقت المصنع في بافاريا. وبهذا جرى عمليًّا احتواء تفشي الفيروس، بالرغم من إصابة عدد آخر من عمال المصنع بالفيروس. وفي عموم البلاد، تكرر هذا النمط، وعملت الهيئات الصحية المحلية والسلطات الفيدرالية معًا لاختبار وتتبع وحجر المواطنين المعرّضين للفيروس.

كما بذلت ألمانيا أيضًا مجهودًا أفضل في حماية سكانها الأكبر سنًا المعرضين لخطر أكبر. حظرت الولايات الزيارات لكبار السن، وأصدر صنّاع السياسات تحذيرات عاجلة للحدّ من التواصل مع الأشخاص الأكبر سنًا، ويبدو أن العديد منهم حجروا أنفسهم، والنتائج كانت واضحة: المرضى الذين تزيد أعمارهم عن الثمانين يشكّلون ثلاثة بالمائة من المصابين، بالرغم من أنهم يشكّلون سبعة بالمائة من السكان. يبلغ متوسط أعمار المصابين نحو 46 عامًا، بينما يبلغ في إيطاليا 63 عامًا.

كما أن أعداد الشباب المصابين بفيروس كورونا في ألمانيا هي أكبر من نظيراتها في دول أخرى. يُعزى هذا جزئيًّا إلى الاختبارات الواسعة والمكثفة التي تجريها ألمانيا. لكان هناك عنصر متعلق بالحظ والثقافة، تعدّ ألمانيا بلدًا عاشقًا للتزلّج - نحو 14.5 مليون ألماني يذهبون للتزلج كل عام – كما تُعد جبال النمسا وجبال الألب الشمالية مواقع تزلج شعبية. في هذا العام، بعد أن سافر أصحاب العطلات إلى أحد بؤر تفشّي الفيروس في أوروبا (مدينة "تايرول") يبدو أنهم عادوا حاملين لفيروس ونشروه في مناطقهم.

وفي ألمانيا نفسها، هناك الكرنفال. إحدى الحالات الأولى لتفشي الفيروس حدثت في كرنفال يحظى بشعبية وسط الشباب، حيث نُظمت مسيرات وحفلات، ويبدو أن المئات من الحالات المصابة التقطت العدوى من رفيقين شاركا في الاحتفالات في بلدة "لانغبرويخ". يقول "كارل لوتيرباخ" الطبيب وعضو البرلمان الألماني: "التزلج والكرنفالات ربما تكون أضرّت بمَن هم أعمارهم أقل من المتوسط في الموجة الأولى للحالات المؤكدة".

إن الاختبارات المبكرة وحضانة الفيروس وسط الشباب ربما تفسر جزئيًا سبب التدني النسبي لمعدل الوفيات في ألمانيا. أخبرني "مارتن شتورمر"، عالِم فيروسات ومدير مختبر يُجري اختبارات لفيروس كورونا في فرانكفورت: "الأمر يتعلق بعدد الاختبارات والأشخاص الذي نختبرهم". وعمومًا، فإن الدول التي تجري عددًا أقل من الاختبارات وتكتفي بإجراءات اختبارات على الأشخاص المريضين بالفعل، مثل إيطاليا، لديها معدلات وفاة أعلى.

لكننا يجب أن نكون حذرين من الاعتماد كثيرًا على الإحصائيات، لا سيما في هذه المرحلة المبكرة. بالرغم من أن نظام الرعاية الصحية في ألمانيا في وضع جيد عمومًا، إلا أن هذا النظام لم يتم اختباره بعد. والجدير بالذكر أن هذا النظام جرى مؤخرًا تطويره وتمويله جيدًا وإمداده بعدد كافٍ من الموظفين، مع وجود أعلى عدد من أسرّة العناية المركّزة لكل 100 ألف مريض في أوروبا، لكن لم يدخل المرضى إلى هذه المشافي إلا مؤخرًا. وفي المتوسط، يموت المريض بـ "كوفيد19" بعد 30 يومًا من اصابته بالفيروس. يقول "لوثر ويلر" رئيس معهد "روبيرت كوش": "نحن ما نزال في بداية الوباء"، مضيفًا "أما فيما يتعلق بكيفية تطوّر الأمور، فهذا سؤال مفتوح".

من المحتمل جدًّا أن ألمانيا متخلفة عن المنحنى. تختلف الآراء بشأن حجم الضغط الذي سيتعرّض له النظام الصحي في الأسابيع المقبلة. يقول "شتيفان ويليش" مدير معهد الطب الاجتماعي وعلم الأوبئة واقتصاد الصحة في مستشفى جامعة Charite في برلين: "أظن أننا من غير المرجح أن نمر بوضع مماثل لوضع إيطاليا". فيما يحذر الدكتور "لوتيرباخ" من أن معدل الوفيات في ألمانيا ربما يزداد. في الواقع، ارتفع هذا المعدل في الأيام القليلة الماضية من 0.48 إلى 0.72 بالمائة.

كما أن هناك إشارات على أن نظام الرعاية الصحية ربما يتعرض قريبًا لاكتظاظ وضغط شديدين. يُبلغ المزيد من الأطباء والمستشفيات عن وجود حالات نقص في المواد الحيوية مثل الأقنعة والملابس الواقية الأخرى. تنبأت ورقة بحثية نشرتها عدة مؤسسات طبية يوم الأربعاء، أنه من المرجح "خلال فترة قصيرة من الزمن ألا يكون لدى ألمانيا ما يكفي من موارد العناية المركزة لعلاج جميع المرضى، بالرغم من عملية بناء القدرات الأخيرة".

لهذا، ربما يكون هناك درس واحد يمكننا استخلاصه من تجربة ألمانيا: لا تتعجلوا بالفرح بالنِعم أو البيانات التي لديكم؛ فربما الأسوأ لم يأت بعد.
  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق