CEPA| هل دول البلطيق محصنة ضد طموحات الصين؟


٢٠ أبريل ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

في وقت سابق من هذا العام، أصدر جهاز الاستخبارات الخارجية الإستونية تقريره السنوي الذي ذكر فيه أن الاستثمارات من الصين والاعتماد التكنولوجي المحتمل على الموردين هناك تمثل تهديدات متزايدة على أمن إستونيا. وفي نفس الوقت تقريبًا، أشار التقدير الوطني للتهديدات 2020 في ليتوانيا إلى أن أجهزة الاستخبارات الصينية تستخدم بشكل متزايد الشبكات الاجتماعية عبر الإنترنت لتجنيد المصادر في ليتوانيا، وكان المستهدفون الأكثر شيوعًا من موظفي الخدمة المدنية، والمتخصصون في تكنولوجيا المعلومات، وموظفو قطاع الدفاع والعلماء. من جانبها رفضت السفارات الصينية في ليتوانيا وإستونيا بشدة هذه التقارير، وألقت باللوم على أجهزة الاستخبارات المحلية ووصفتهم بـ "الجهل"، كما ادّعت أن تلك الأجهزة ما زالت تحمل "عقلية الحرب الباردة" في داخلها، وشددت على أن نوايا بكين ودية وتهدف إلى تعاون مثمر.

وقد عززت الصين من تقاربها مع حكومات البلطيق الفردية، مع تفشي فيروس كورونا في أوروبا، حيث أرسلت آلاف الأقنعة الطبية والقفازات إلى ليتوانيا كهدية من شركة هواوي وغرفة التجارة الصينية. وقدمت مساعدات مماثلة إلى لاتفيا وإستونيا، فيما تواصلت الحكومة الليتوانية مع الصين لشراء ما يقرب من مليوني جهاز تنفس. كما شارك المسئولون الإستونيون في مؤتمر عبر الفيديو استضافته وزارة الخارجية الصينية، حيث تبادل مسئولو الصحة خبراتهم في مكافحة فيروس كورونا.

فهل نوايا بكين في المنطقة حميدة؟

منطقة غير مكتشفة.. تمثل فرصًا جديدة

قبل عشر سنوات، كانت دول البلطيق بالنسبة للصين مثل الدول البعيدة والمجهولة، فهي مفيدة في المقام الأول كأماكن تقدم فرصًا للاستثمار. أما بالنسبة لدول البلطيق، التي كانت لا تزال تواجه صعوبات اقتصادية بعد الأزمة المالية لعام 2008، فكان التعاون مع بكين يمكن أن يوفر سوقًا واستثمارات كبيرة لمساعدتها على التعافي. وفي تلك السنوات، قامت وفود صينية عديدة بزيارة فيلنيوس وريجا وتالين بهدف تعزيز "التعاون الودي". بالمقابل، تبسط بكين السجادة الحمراء عند استقبال مسئولي دول البلطيق في الصين.

ورغم أن موارد إعادة بناء وهيكلة اقتصادات دول البلطيق الثلاث كانت متاحة أيضًا من الاتحاد الأوروبي، غير أن مقترحات الصين بدت أكثر جاذبية وأسهل في التعامل معها؛ لأن الاستثمارات الصينية ستأتي من شركات مدعومة بالدرجة الأولى – إن لم تكن مملوكة – من الدولة. ولم تتطلب الأخيرة عملية تقديم طلبات مرهقة للحصول على التمويل، كما أنها لم تراقب التنفيذ عن كثب.

ومع ذلك فقد أخفت جيوب بكين العميقة أجندة أعمق، حيث سعت الصين إلى زيادة دورها الاقتصادي في المنطقة كجزء من حملة أوسع لتوسيع النفوذ الدولي للبلاد. ففي عام 2012، وضعت الصين اثني عشر إجراءً لتعزيز التعاون الودي مع 16 دولة في وسط وشرق أوروبا، بما في ذلك دول البلطيق. وتوقعت هذه المبادرة جمع عشرات المليارات من الدولارات الأمريكية لتمويل مشاريع البنية التحتية والتكنولوجيا الفائقة في دول البلطيق الثلاث، وتشجيع الشركات الصينية على إنشاء مناطق اقتصادية وتكنولوجية في كل دولة لدعم التبادل الثقافي والأكاديمي، وتعزيز السياحة. وفي نفس العام، وُلِدَت منصة "17 + 1" التي تقودها الصين؛ ما أدى إلى زيادة حضور بكين في المنطقة، كما أدى إلى نمو الاتصالات السياسية رفيعة المستوى.

التهديدات

يثير الحضور المتنامي للصين في المنطقة مخاوف أمنية. بالنسبة لدول البلطيق، هناك قلق خاص من المحاولات الصينية للاستيلاء على عناصر البنية التحتية الاستراتيجية الكبيرة، والتي تهتم بها الصين خاصة من أجل تطوير مبادرة الحزام والطريق، وهي مبادرة السياسة الخارجية المميزة، والتي تشمل استثمارات تزيد عن 1 تريليون دولار أمريكي. وتهدف المبادرة الصينية إلى إحياء وتوسيع طرق التجارة مع أوروبا، وعلى وجه التحديد، فتح قناة نقل من المحيط الهادئ إلى بحر البلطيق.

ففي ليتوانيا، تقترح الصين بناء ميناء في المياه العميقة والتحكم فيه، وتأمين حصة مسيطرة في شركة كبرى لمناولة البضائع في ميناء كلايبيدا في بحر البلطيق، وقامت بكين بتحسين عرضها عبر صفقة تقترح زيادة تدفق البضائع القادمة من الحديقة الصناعية "جرايت ستون" في روسيا البيضاء، حيث تستثمر الصين حوالي 500 مليون دولار. ومن شأن السيطرة على المصالح الجوهرية في ميناء كلايبيدا أن تمتد مبادرة الحزام والطريق الصينية إلى بحر البلطيق. وأثار الاقتراح أيضًا شكوك الحكومة الليتوانية بأن بكين تسعى إلى التأثير السياسي الذي يمكن استخدامه لإعاقة العمليات العسكرية للناتو في أي أزمة تحدث؛ لأن الملكية الصينية ربما تسمح لبكين بخلق عقبات أمام وصول الشحنات والمعدات العسكرية للناتو. وفي مواجهة المقاومة الليتوانية لإبرام مثل هذه الصفقة، هددت بكين بأن ليتوانيا قد تفقد استثماراتها ما لم تتعاون.

الصين ليست بالشريك الذي يمكن التعاون معه

عند قبول الهدايا الصينية ومساعداتها الإنسانية، يجب على قادة البلطيق أن يتذكروا نوايا بكين الحقيقية. فالصين تبحث بنشاط عن شركاء يشاركونها وجهة نظرها العالمية، أو من يمكنها التلاعب بهم. "فالتعاون الودي"، الذي تؤكد الصين على أنه حجر الزاوية في استثماراتها، و "دبلوماسية قناع الوجه" في ظل تفشي الوباء الحالي، تسعى من خلالها لتصوير بكين كشريك كريم. ولكن في الواقع، فهي بمثابة غطاء للأهداف الاستراتيجية لـ "مبادرة الحزام والطريق"، والتي، كما اتفقت الديمقراطيات الغربية على جانبي الأطلنطي، تسعى إلى تجاوز التجارة والاستثمار وإعادة توجيه النظام الدولي العالمي لصالحها.

ردود الأفعال الأوروبية تجاه التوسع الصيني

أثار التقدم السريع الذي حققته الصين في قطاع الموانئ الأوروبية واستخدامها المحتمل لهذا القطاع للأغراض العسكرية الشكوك في دول البلطيق ودول أوروبية أخرى. لكنهم بدأوا في الآونة الأخيرة فقط في الرد بشكل ملموس على مثل هذا التهديد. ففي عام 2016، شددت لجنة الاتصالات المشتركة لمفوضية الاتحاد الأوروبي على أن الاتحاد الأوروبي "يجب أن يُظهر صوتًا قويًّا وواضحًا وموحدًا في تقاربه مع الصين". كما حثت اللجنة أعضاء الاتحاد الأوروبي على الضغط على الصين "لتحمل المسئوليات بما يتماشى مع الفوائد التي تجنيها من النظام الدولي القائم على القواعد." وفي عام 2019، دخلت لوائح الاستثمار الأجنبي للاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ، والتي وضعت قيودًا صارمة على المشاركة الصينية في القطاعات الاستراتيجية.

وفي الوقت نفسه، كثفت الولايات المتحدة تواصلها مع الدول الشريكة لمواجهة توسع نفوذ الصين العالمي من خلال إطلاق شبكة "بلو دوت" (Blue Dot)، التي تم الإعلان عنها رسميًّا في 4 نوفمبر 2019 في منتدى الأعمال الهند والمحيط الهادئ في بانكوك، عاصمة تايلاند، على هامش قمة الآسيان الخامسة والثلاثين، وستكون بلو دوت بمثابة رمز معترف به عالميًّا لمشاريع التنمية المستدامة.

ويعد تشجيع وتسهيل الترابط بين مشروعات الطاقة والبنية التحتية والرقمنة – التي تروِّج لها دول وسط وشرق أوروبا الرئيسية التي تشارك نفس الآراء حول قواعد السوق والمعايير الدولية عبر "مبادرة البحار الثلاثة" – طريقة إضافية واعدة للحد من التأثير الصيني. وستعزَّز هذه المبادرة من خلال الشراكة مع الولايات المتحدة؛ ما سيساعدها في تحديث بنيتها التحتية باستثمارات مالية كبيرة.

ينبغي أن يكون التعاون عبر الأطلنطي في تبادل الخبرات الفنية وإدارة المخاطر المرتبطة بزيادة المخاوف الأمنية حول الصين موضوعًا رئيسيًّا آخر للحكومات الغربية. ذلك لأن المعايير العالية الجديدة ضرورية في التجارة والاستثمار العالميين لتمكين الصادرات الأوروبية من أن تكون أكثر تنافسية مع الصين، كما أن تعزيز الشفافية والاستدامة في تنفيذ المشاريع الكبرى سيكون بداية جيدة أيضًا: فالالتزام بمبادئ مبادرة شبكة بلو دوت ينبغي ألا يصبح مجرد ممارسة جيدة، ولكن يجب أن تكون معيارًا دوليًّا.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق