فورين بوليسي| جائحة كورونا قد تُحكِم قبضة الصين على أوراسيا


٣٠ أبريل ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

وجّهت المرحلة الأولى من تفشي فيروس كورونا ضربة إلى رؤية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لشبه التحالف الصيني-الروسي. في أعقاب الانفصال في علاقات الكرملين مع الولايات المتحدة، صوّر بوتين العلاقات مع بكين على أنها ترياق للعقوبات الغربية. في أكتوبر 2019، اعترف الرئيس الروسي بأن موسكو كانت تساعد بكين في إنشاء منظومة إنذار مبكر من الهجمات الصاروخية ووصف العلاقات الصينية -الروسية بأنها "علاقة تحالف بالمعنى الكامل للشراكة الاستراتيجية متعددة الأوجه".

تسلط الجائحة الضوء على انعدام الثقة طويل الأمد على مستوى العامة وكبار المسئولين بين موسكو وبكين والذي تواجد لفترة طويلة جنبًا إلى جنب مع الصداقة الوطيدة التي تظهر على التلفاز بين بوتين والرئيس الصيني شي جين بينج. إن الإغلاق الأخير لمدينة هاربن في شمال الصين، في أعقاب تفشي صغير قادم من الحدود الروسية، سلّط الضوء على شكوك مماثلة بين القادة الصينيين. لكن آمال بعض المسئولين الأمريكيين والأوروبيين في تعجيل خلاف صيني - روسي جديد محكوم عليها بالفشل. سوف تتعمق العلاقات في أعقاب الجائحة. إن تغلغل بكين في روسيا وفي الأراضي الواسعة لأوراسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي قد يكون له انعكاسات عالمية في الوقت الذي تتسارع فيه المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين.

بعد ضم القرم والانهيار الكبير في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تحت حكم الرئيس دونالد ترامب، كانت سياسة الكرملين متأصلة في التوسع السريع للعلاقات الأمنية والاقتصادية وفي مجال الطاقة مع بكين. ومنذ 2014، تعزز موسكو وبكين تدريباتهما العسكرية المشتركة، واتفاقيات التنقيب عن الطاقة وخطوط الأنابيب رفيعة المستوى، وأسلوب الشرطي الطيب - الشرطي الشرير لكبح القوة الأمريكية في قضايا مثل الحرب الأهلية السورية، والأزمة النووية الكورية الشمالية، ومستقبل حوكمة الإنترنت.

ثم جاء فيروس كورونا المستجد، الذي كشف المستوى العميق للشك الذي لا يزال متواجدًا بين الجارين العملاقين. على الجانب الصيني، لا يُنظر لروسيا على أنها قوة عظمى يمكنها التنافس مع الصين أو الولايات المتحدة على القيادة العالمية. وعلى الرغم من أنها نادرًا ما تُذكر رسميًّا، غير أن المراقبين الصينيين لروسيا يصفون الدولة سرًا بأنها في حالة تراجع طويل الأمد وسط عدد السكان المتضائل، والفساد المتصاعد، والاعتماد من جانب واحد على صادرات النفط والغاز.

إن المظالم التاريخية المتعلقة بقضايا مثل ما يُسمى بالمعاهدات غير العادلة التي فرضتها روسيا الإمبريالية على الصين في القرن التاسع عشر وما قبله، وهي رواية لا زالت تحصل على دعم ضمني من الحكومة بالرغم من التسوية الرسمية للمشاكل الحدودية منذ أكثر من عقد، تضيف إلى العداوة التي يعبّر عنها مستخدمو الإنترنت الصينيون بشكل مستمر تجاه روسيا على الإنترنت. وعلى مدار العقد الماضي، تحسن سلوك العامة الروس تجاه الصين بصورة كبيرة منذ الأيام الأولى للتسعينيات، عندما كان الكثيرون قلقين من الاستعمار الصيني المحتمل للشرق الأقصى. بيد أن الشكوك القديمة تظهر فورًا بمجرد أن تكون هناك أخبار عن تدخل الصين المحتمل في الزراعة، أو الموارد المائية أو الغابات الروسية. وكما أظهرت الجائحة، يمكن إدراج قضايا الصحة العامة في قائمة القضايا الحساسة هذه التي تثير المشاعر المناهضة للصين في روسيا.

كانت روسيا من أوائل البلدان التي سارعت لمنع دخول المواطنين الصينيين في شهر فبراير. لقد أغلقت بسرعة الحدود التي يبلغ طولها 2600 ميل بين البلدين. وداخل روسيا، كان يجري ترحيل الطلاب الصينيين دون سابق إنذار. وكان المواطنون الصينيون يتعرضون للمضايقات في شوارع المدن الروسية؛ ما أثار احتجاجات رسمية من بكين. أظهرت روسيا تأييدًا قويًّا لـ"حرب الشعب" التي أعلنها شي على الفيروس على مستوى رسمي رفيع وأشادت بتعامل بكين مع الجائحة، مثلما ظهر في مكالمة هاتفية يوم 16 أبريل بين بوتين وشي. هذا يساعد في تفسير لماذا كان رد فعل بكين تجاه المعاملة غير العادلة للصينيين في روسيا صامتًا بالمقارنة مع دفاعها القوي عن أبناء وطنها في الأماكن الأخرى. مع هذا، كان مسئولو الكرملين الكبار، سرًا، محبطين من جودة وكمية المعلومات التي قدمها نظراؤهم الصينيون عن الجائحة. وكان رد فعل السلطات والعامة في آسيا الوسطى مماثلًا.

غير أنه بعد ذلك ببضعة أسابيع، تبدو الأمور مختلفة تمامًا؛ فبينما تصارع روسيا ودول آسيا الوسطى للتعامل مع التحديات التي فرضتها الجائحة، تصبح الصين أكثر محورية في حساباتهم، وربما تمتلك روسيا 600 مليار دولار تقريبًا من احتياطي العملة الصعبة، لكن في ظل ارتفاع عدد الإصابات والوفيات بفيروس كورونا بسرعة وتعرض المنظومة الصحية القومية الروسية التي تعاني من نقص التمويل لخطر الإغراق بالحالات، فإن الآن ليس بالوقت المناسب لاستعراض القوة أو تبادل الإتهامات. إن أوامر البقاء بالمنزل المفروضة في معظم المدن الروسية تخاطر بإشعال الاضطراب الاجتماعي لأن الحكومة مترددة عن استخدام كل ذخيرتها المالية على الفور وطرح حزم مساعدة سخية. لقد تضاعفت مشاكل الكرملين بصدمة أسعار النفط، وتواجه دول آسيا الوسطى، التي لا تمتلك احتياطيات روسيا الواسعة ولا قدرتها كدولة، تواجه مشاكل أسوأ. 

في ظل هذه الظروف الصعبة، تبقى الصين بلا شك أهم شريك خارجي لهذه الأنظمة المحاصرة. أولًا، احتمالية أن الصين ستبدأ التعافي الاقتصادي أسرع من أوروبا أو الولايات المتحدة ربما تكون النقطة المشرقة الوحيدة لمُصدري السلع في روسيا وآسيا الوسطى. ففي الوقت الذي تواصل شحنات النفط الروسية إلى أوروبا الانخفاض، ظلت الكميات التي تُضخ إلى الصين مستقرة حتى الآن، بفضل رغبة بكين في ملء احتياطيها الاستراتيجي بأسعار مناسبة.

فيما يعلّق الكرملين والنخب الروسية آمالهم على افتراض أن الصين ستطرح إجراءات ضخمة لدعم اقتصادها المتعثر ومنع البطالة المتزايدة من التسبب باضطراب اجتماعي وستواصل الإنفاق الحكومي على الإنشاءات والبنية التحتية، ويشمل ذلك تسريع طرح شبكات الجيل الخامس، ومراكز البيانات الضخمة، وغيرها. وعقب التخفيضات المنصوص عليها في اتفاقية أوبك، سيتعين على روسيا تخفيض شحنات النفط إلى أوروبا مع الاستمرار في إمداد النفط إلى الصين لكي تفي بالتزامات روسنفت، أكبر شركة نفط مملوكة للدولة في البلاد، بموجب عقودها طويلة الأجل المتعددة مع شركات الطاقة الصينية. ومع هذين التطورين في الأفق، سيتعزز موقف الصين الحالي كشريك تجاري رئيسي لروسيا وآسيا الوسطى، كما تدعم بيانات الربع السنوي الأول التي نشرتها الجمارك الصينية هذا الاتجاه. وبينما انخفض حجم تجارة الصين مع العالم الخارجي بنسبة 8.4%، نمت التجارة مع روسيا بنسبة 3.4% لتصل إلى 25.4 مليار دولار. وقفزت التجارة مع كازاخستان، مصدرها المهم الآخر للنفط، بنسبة 17.8%.

ثانيًا، هناك رغبة كبيرة لدى القادة غير الآمنين في أوراسيا في محاكاة نموذج الإشراف والمراقبة المجتمعية الصيني. كانت الشركات الصينية، مثل هيك فيجن وهواوي تروج بنشاط لمنتجاتها للقادة الاستبداديين في المنطقة قبل الجائحة بوقت طويل، في حين كانت حكومة مدينة موسكو من أوائل من تبنوا هذه التكنولوجيا، بالاعتماد على بائعين صينيين مثل هيك فيجن. وفي آسيا الوسطى، كانت هواوي وشركات صينية أخرى تبني أنظمة مشابهة على مدار العقد الماضي. بالنسبة إلى الكرملين، كانت الجائحة أفضل تبرير ممكن للتبني السريع لأنظمة المراقبة على الطريقة الصينية، مثل كاميرات المراقبة المزودة بتكنولوجيا التعرف على الوجه التي تبدأ في الظهور في شوارع المدينة. الآن من المرجح بشدة أن المدن الروسية الأخرى ستطرح أنظمة مماثلة، وسيتجه الكرملين دون شك إلى الصين من أجل المساعدة التقنية.

إن الأهمية المتزايدة للعمل عن بُعد بالنسبة للاقتصاد الروسي تعني أن الكرملين سيسرع أيضًا خططه لتحديث البنية التحتية الرقمية لروسيا، والتي تشمل طرح شبكات الجيل الخامس. ونظرًا لانعدام ثقة أجهزة الأمن الروسية في شركات التكنولوجيا الغربية، ستبقى هواوي وزد تي إي المرشحين الرئيسيين في سباق تزويد الأجهزة الرئيسية لسوق الجيل الخامس الروسية. لقد أصبح استعداد روسيا وقدرتها على التحوط ضد الخسائر المستقبلية عبر مشاريع تجريبية مع نوكيا وإريكسون موضع شك، وبفضل الضغط على ميزانية الدولة الروسية، سيحظى البائعون الصينيون، الذين يستطيعون تقديم تكنولوجيا متقدمة بأسعار أقل من الشركات الأوروبية، بأفضلية واضحة.  

قبل الجائحة، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحاول إقناع الكرملين بعدم وضع كل بيضه في سلة الصين، ودعا علنًا لتحسين علاقة أوروبا مع روسيا من أجل منع ظهور محور صيني - روسي تهيمن عليه بكين. ووفقًا لحوار ماكرون مع مجلة إيكونوميست، ينبغي أن يقدّم الغرب خيارات لبوتين لئلا يتحول إلى "تابع للصين".

سوف يصبح تقديم هذه الحُجج أكثر صعوبة الآن، لا سيما في الوقت الذي تجد أوروبا فيه نفسها غارقة في ركود مؤلم. ومن المتوقع أن تعزز بكين دورها في أنحاء أوراسيا كمحرك رئيس للنمو الاقتصادي، ومُقدم للتكنولوجيات الحيوية، وعنصر تمكين لإقامة أشكال جديدة من السيطرة السياسية للأنظمة التي تشعر بالتذبذب. ومن المفارقات، ربما يُقرِّب تفشي الفيروس الصين من إقامة "السلام الصيني"، وهو نظام إقليمي يتمركز حول بكين والذي يغطي قطاعات كبيرة من الأراضي الأوراسية.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق