الإندبندنت | ترامب يشعل حربًا باردة مع الصين للفوز بالانتخابات الرئاسية


٠٣ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

"اذهبوا إلى الصين".. هكذا صرخت سيّدة في "دينفر" في وجه عمّال مستشفى يقفون أمام سيارتها لمنعها من المشاركة في مظاهرة ضد الإغلاق الذي تسبب فيه فيروس كورونا. إن صرختها هي إشارة على أن الرئيس نجح نوعًا ما في شيطنة الصين: هو يقول إن لديه "درجة عالية من الثقة" أن الفيروس نشأ من مختبر في ووهان، غير أنه لا يستطيع الكشف عن مصدر معلوماته.

إن مستوى كذب ترامب أسوأ بكثير من الأكاذيب التي استُخدمت لتبرير الحرب على العراق عبر الزعم بأن صدام حسين كان يمتلك أسلحة دمار شامل. حينها أيضًا انتشرت قصص عن وجود مختبرات سرية تطور أسلحة بيولوجية. وبالرغم من إقالة ترامب رؤساء أجهزة الاستخبارات واستبدالهم بآخرين موالين له، إلا أن هؤلاء لا يمكنهم حتى تقبُّل نظريته الأخيرة للمؤامرة. وقد ذكر بيان صادر من مكتب مدير الاستخبارات الوطنية "ريتشارد غرينيل": "تتفق الاستخبارات أيضًا مع الإجماع العلمي الذي يقول إن فيروس كوفيد19 لم يكن صنيعة الإنسان أو جرى تعديله وراثيًّا".

إن الهدف من أكاذيب ترامب ليس الإقناع بحجة عقلانية ولكن بالهيمنة على عناوين الأخبار بنشر مزاعم مستفزة. لقد نجح ترامب سابقًا في استخدام هذه الخدعة الإعلامية، لكن استخدام الصين ككبش فداء ربما لن يكون كافيًا لصرف الأنظار عن الثمن الذي دفعه الأمريكيون لسوء تعامله الكارثي مع الوباء. تحكي أرقام الضحايا قصة كئيبة عما حدث: في الصين، جرى تسجيل 84.373 ألف إصابة بالمرض و4.643 ألف حالة وفاة، بينما سجلت الولايات المتحدة ما يزيد على 1.1 مليون إصابة و64.460 ألف حالة وفاة. سيزعم مؤيدو ترامب أن الصينيين يكذبون، لكن سيتعيّن عليهم حينها تفسير عدد الوفيات القليل في كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان.

أرسلت لجنة مجلس الشيوخ الوطنية للحزب الجمهوري مذكرة للمرشحين الجمهوريين تنصحهم فيها حول كيفية دحض الانتقادات الموجّهة لأفعال الرئيس ترامب. وتقول المذكرة إن الاستراتيجية المتبعة ستكون بسيطة، وتعتمد على شيطنة الصين بوصفها "الخط الأصفر". وتنصحهم المذكرة بما يلي "لا تدافعوا عن ترامب. اكتفوا بالدفاع عن الحظر الذي فرضه الرئيس على السفر للصين، وركزوا على مهاجمة الصين". اتهم الجمهوريون بالفعل "جو بايدن" المرشح الديمقراطي للرئاسة واصفين إياه بـ "بايدن بكين". عند انتشار وباء، يشعر الناس بالذعر ويبحثون عن كبش فداء، ويكون الأجانب في الداخل والخارج هدفًا واضحًا. وربما يكون الترويج لنظرية مؤامرة مدفوعة بالكراهية هو السبيل الوحيد لبقاء ترامب في البيت الأبيض في وقت بات فيه 30 مليون أمريكي عاطلين عن العمل.

إن العديد من الأشخاص الذين استخدموا حجة أسلحة الدمار الشامل للتحريض على شنّ حرب على العراق عام 2003 هم أنفسهم الذين يروّجون لحرب باردة مع الصين اليوم. يتطلب هذا النهج درجة استثنائية من اللا مسئولية: يُطلق ترامب حربه الباردة ضد الصين في وقت نحتاج فيه لاستجابة طبية واقتصادية عالمية لمواجهة فيروس انتشر من طاجيكستان إلى الأمازون، ولا يمكن القضاء عليه أو احتواؤه إلا عبر عمل دولي.

إنه بالتأكيد سوء حظ تاريخي وكارثي أن هذا التهديد العالمي غير المسبوق يحدث في وقت تعاود فيه الدول الوطنية المستقلة الظهور بوصفها أطرافًا أساسية في الساحة العالمية على حساب المؤسسات الدولية: الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي يفقدان نفوذهما الذي تمتعا به قبل تفشي الوباء وجرى تهميشهما منذ ستة أشهر. إن الدول الوطنية لم تعد بقوة للمشهد فحسب، لكنها باتت تخضع بصورة متزايدة لقادة قوميين ويمينيين متطرفين، ويعدّ ترامب مثالًا لهؤلاء القادة المجانين. أثبت الكثير من هؤلاء القادة فشلهم في التعامل مع الوباء، ولا يفضل واحد منهم فكرة التعاون الدولي.

إن المشكلة الحقيقية هنا هي الولايات المتحدة: المنظمات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية لا تقدر على ممارسة نفوذ حقيقي إلا بدعم من واشنطن، وغالبًا ما جرى اتهام هذه المنظمات بأنها دُمى أمريكية، بيد أنها تمتعت بدرجة من الاستقلالية والفاعلية لأن الولايات المتحدة أرادت الاستعانة بها للحفاظ على هيمنتها العالمية. لكن ترامب يتخلى عن هذا الأمر.

إن الحرب الباردة الجديدة كانت تكتسب بالفعل زخمًا قبل تفشي الوباء. ولطالما كانت المؤسسات السياسية الغربية مترددة بين مناهضة الصين واعتبارها قوى عظمى منافسة وبين الاستفادة منها بوصفها قوة اقتصادية ساعد نموها الاقتصادي المدفوع بكمّ هائل من الديون في انتشال العالم من مرحلة ما بعد كساد عام 2008.


لقد خاضت الولايات المتحدة وحلفاؤها الحرب الباردة بعد عام 1945 ضد الاتحاد السوفيتي حتى انهياره في عام 1991، وتصادف هذا مع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، حيث خاضت الولايات المتحدة أيضًا حربًا باردة مع إيران والعراق اللتين جرى تصويرهما بأنهما مصدر جميع الشرور. ومن غير المرجح أن يخفّض ترامب من رتبة إيران الشيطانية الحالية، لكنه ينوي بوضوح تصوير الصين بأنها لا تقل شرًا عن إيران. ولدعم هذا الموقف، سيتم الترويج لأسباب مقبولة سياسيًّا في الأشهر المقبلة، لكن التهمة الحقيقية ضد الصين هي سياستها الفعالة في مواجهة الأزمات. فلقد أثبتت الصين أنها أكثر كفاءة من دولة قوية أخرى في التعامل مع أزمتين عالميتين: الأزمة المالية عام 2008 وأزمة وباء عام 2019-2020.

إن تراجع الولايات المتحدة كقوة عظمى ليس شاملاً: هي تلعب دورًا مهيمنًا في النظام المالي العالمي. لكن حروبها في مرحلة ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر في العراق وأفغانستان أظهرت أنها بالرغم من إنفاقها الهائل، إلا أن قواتها المسلحة لا يمكنها تحقيق النصر، كما أظهر الوباء أن نظامها الصحي عالي التكلفة غير متوازن وغير ملائم.  

إن ترامب عَرَض وسبب في الوقت ذاته لحالة الاستقطاب التي تسود النظام السياسي الأمريكي، الذي بات اليوم أكثر انقسامًا من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1865. لكن تراجع الولايات المتحدة أكبر من صعود الصين، ومن السذاجة تخيل أن بكين ستحل ببساطة محل واشنطن على رأس العالم.

في الواقع، لن يحل أحد محل الولايات المتحدة، لكن دولاً أخرى ستسارع لملء الفراغ الذي تركه غياب الولايات المتحدة. إن جزءًا كبيرًا من هذا كان سيحدث على أي حال، بفضل تآكل الهيمنة الاقتصادية والسياسية الأمريكية. لكن العملية التي يحدث بها هذا تسارعت بفضل سبَبْين مفاجِئَيْن لم يتخيل أحد حصولهما: انتخاب ترامب رئيسًا عام 2016 وتفشي وباء كوفيد19. لقد بات العالم اليوم مليئًا بدول وطنية - ليس الصين فقط - ترى أخطارًا وفرصًا حولها؛ والنتيجة ستكون تزايد حالة الاضطراب.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق