ناشيونال إنترست| هل ستكون روسيا الخاسر الحقيقي في الحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة والصين؟


٠٤ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

وجدت الصين نفسها محل انتقاد عالمي بعد قمعها للاحتجاجات الطلابية في ساحة تيانانمن عام 1989، وأثار قمعها العنيف لهذه الاحتجاجات إدانة واسعة من الغرب، وبعد ذلك بوقت قصير فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حظرًا على توريد الأسلحة للصين لا يزال قائمًا حتى يومنا هذا.

وفي السنوات اللاحقة، وجدت بكين في روسيا ما بعد الشيوعية شريكًا غير متوقع، حيث أدى انهيار الاتحاد السوفييتي إلى تدمير صناعة الأسلحة الروسية من الناحية المالية؛ ما جعلها شديدة الحرص على التعاون التجاري مع الصين الصاعدة اقتصاديًّا، وعلى مدى السنوات العشر التالية، اشترت الصين طائرات مقاتلة ومنظومات صواريخ روسية في سعيها إلى التحديث العسكري، وظهرت كأكبر عميل للأسلحة الروسية في هذه العملية.

وبعد أكثر من ثلاثين عامًا يمكن لأزمة جديدة أن تُقرِّب بين الصين وروسيا مجددًا، إذْ تحوَّل تفشي سلالة جديدة من فيروس كورونا في مقاطعة ووهان التي تعدّ مركزًا صناعيًّا في الصين، خلال الأشهر القليلة الماضية، إلى جائحة عالمية تسببت في كساد اقتصادي؛ ما أثار ردود فعل دولية غاضبة على الصين.

ووسط الاضطرابات الأخيرة، كانت روسيا من بين الدول القليلة التي انحازت إلى جانب الصين ضد منتقديها. ومع تحول الأزمة الصحية العالمية الحالية إلى منعطف جيوسياسي متزايد، تتطلع موسكو وبكين لدعم بعضهما البعض.

لقد تسببت جائحة فيروس كورونا في تدمير صورة الصين العالمية في الأشهر الأخيرة، فضلًا عن مصالحها التجارية في الخارج. وقادت الولايات المتحدة الاتهام ضد بكين، حيث ألقت إدارة ترامب باللوم على الصين في تفشي المرض، وهدد عدد متزايد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين باعتماد تشريع عقابي ضد الجمهورية الشعبية. فيما اتهمت العديد من الحكومات الأوروبية الصين بالسعي إلى استغلال الأزمة لتحقيق مكاسب سياسية وإرسال معدات اختبار خاطئة لها. حتى أن العديد من شركاء الصين الأفارقة المقربين انتقدوا بكين بسبب تقارير تفيد بالتمييز ضد مواطنيهم كجزء من قيود الصحة العامة.

ومن ناحية أخرى، تحركت العديد من الدول ذات الوزن الثقيل في آسيا، لتقليل اعتمادها على الصين؛ إذ أعلنت اليابان أنها ستقدّم حوافز مالية للشركات المحلية لنقل إنتاجها من الصين إلى الوطن، فيما أدخلت الهند قيودًا جديدة على الاستثمار الأجنبي لمنع "الاستيلاء الانتهازي" من المشترين الصينيين على شركاتها.

وفي خضم هذا الأزمة، برزت روسيا لتكون واحدة من المدافعين القلائل عن الصين، والأعلى صوتًا على الساحة العالمية. وقد استنكر وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" المطالبات الموجهة للصين بدفع تعويضات عن الأضرار الناجمة عن جائحة فيروس كورونا ووصفها بأنه "غير مقبولة" وصادمة، كما صرح كبير الدبلوماسيين الروس قائلًا: "أشعر بصدمة كبيرة عندما أسمع مثل تلك الأشياء".

كذلك فقد انتقد الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" الانتقادات بأن الصين لم تتحرك بسرعة كافية لاحتواء الوباء، على أنه "يؤدي إلى نتائج عكسية" وذلك خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الصيني "شي جين بينج" في 16 أبريل الماضي. غير أن الرئيس الروسي ذهب إلى أبعد من ذلك، فقد أشاد بـالإجراءات الفعّالة التي اتخذتها السلطات الصينية في مكافحة الفيروس، معلنًا أن الأزمة تُعدّ دليلًا آخر على الطبيعة الخاصة للشراكة الاستراتيجية الروسية – الصينية الشاملة.

وفي حين قطعت دول أخرى العلاقات الاقتصادية مع بكين مؤخرًا، تحركت موسكو لتعزيزها، فقد أعلن الكرملين يوم الأربعاء [29 أبريل الماضي] أنه منح الإذن لصندوق الرفاه القومي الروسي لبدء الاستثمار في اليوان الصيني وسندات الدولة الصينية، فيما تتطلع الحكومة الروسية أيضًا إلى تنفيذ مشاريع كبيرة جديدة مع الصين بمجرد أن يهدأ الوباء، بما في ذلك خط أنابيب غاز جديد إلى الصين وخط سكة حديد جديد طموح يربط موانئ القطب الشمالي والمحيط الهندي.

من جانبها، أقدمت بكين على شراء المزيد من النفط الروسي مع انخفاض الأسعار العالمية. وأفادت وكالة رويترز أن واردات الصين من النفط الخام الروسي زادت في مارس بنسبة 31% عن العام السابق. وهكذا ساعدت مشتريات الصين المتزايدة من النفط شركات النفط الروسية على البقاء على الاستمرار وسط انخفاض الطلب في أوروبا بسبب فيروس كورونا.

إن اهتمام روسيا بعلاقات أوثق مع الصين ليس بالأمر الجديد. فمنذ عام 2014، عملت موسكو بنشاط على اجتذاب بكين للمساعدة في تعويض الضغط من الدول الغربية. وقال "أليكسي ماسلوف"، مدير معهد دراسات الشرق الأقصى في الأكاديمية الروسية للعلوم: إن ما أحدثه هذا الوباء هو إقناع روسيا كذلك بأن الصين هي المستقبل.

وقال: "يُنظر إلى الصين على أنها دولة لم تهزم فيروس كورونا فقط، ولكنها نجحت أيضًا في التغلب على الصعوبات الاقتصادية.. وعلاوة على ذلك، يتوقع الكثيرون أن تبدأ الصين بنشاط في توسيع نفوذها والترويج لنموذج جيوسياسي جديد بمجرد أن تنتهي من مواجهة التحديات الداخلية".

وأكد ماسلوف أن الصين ستحتاج إلى شريك قوة عظمى مثل روسيا لمساعدتها في تحقيق طموحاتها العالمية بعد انحسار جائحة فيروس كورونا، لا سيما وسط تزايد ضغوط الولايات المتحدة. وفي تصريحات لمجلة ناشيونال إنترست، قال إن موسكو بدورها يمكنها استخدام هذه النفوذ لكسب دعم بكين لمبادراتها الجيوسياسية.

ومن ناحية أخرى، تستطلع الصين تعاونًا أكبر مع روسيا. وتنبأ "شين زانج"، خبير العلاقات الصينية الروسية بجامعة شرق الصين نورمال في شنغهاي، أنه إذا استمرت العلاقات مع واشنطن في التدهور، فإن بكين ستركز بشكل أكبر على تطوير العلاقات الاقتصادية مع موسكو.

وقال: "إذا أصبح الانفصال بين الولايات المتحدة والصين حقيقة بدلًا من مجرد كلمات على طاولة المفاوضات، فسوف تتجه الصين إلى روسيا وأوراسيا كوجهات محتملة لإعادة هيكلة سلاسل إنتاجها الصناعي". وأشار شين إلى أن أحد المجالات المعينة التي من المرجح أن تسرع فيها روسيا والصين تعاونهما بعد فيروس كورونا هو عدم الدولار. واتخذ البلدان على مدى السنوات القليلة الماضية بعض الخطوات الأولية لتقليل اعتمادهما على الدولار الأمريكي، لكن اهتمام بكين المنخفض بالعملية أدى إلى تباطؤ التقدم بشكل كبير. وقال شين إن التوترات المتزايدة مع الولايات المتحدة ستغير ذلك.

وأشار شين إلى أن فك الارتباط بالدولار سيكون أحد الجوانب الذي ستسرع فيها روسيا والصين تعاونهما بعد انتهاء فيروس كورونا، إذ اتخذ البَلَدَان على مدى السنوات القليلة الماضية بعض الخطوات الأولية لتقليل اعتمادهما على الدولار الأمريكي، لكن اهتمام بكين المحدود بهذا الأمر أدى إلى تباطؤ التقدم فيه بشكل كبير. وأضاف شين أن التوترات المتزايدة مع الولايات المتحدة ستغير من ذلك.

ومع ذلك، يشعر البعض في موسكو بالقلق من أن تنتهي روسيا إلى حرب خاسرة جديدة بين الولايات المتحدة والصين، فقد حذر دميتري سوسلوف، أستاذ العلاقات الدولية في المدرسة الوطنية العليا للاقتصاد بجامعة البحوث الوطنية في موسكو، من أن روسيا استفادت في السابق من زيادة التوترات بين واشنطن وبكين، بيد أن التطورات الأخيرة تهدد بالذهاب بعيدًا. وقال: "إن استمرار تكثيف المواجهة بين الولايات المتحدة والصين يطرح على روسيا تحديات خطيرة؛ لأنه كلما ازدادت خطورة هذه المواجهة، كلما زاد الضغط على روسيا لاختيار جانب، وهو أمر لا تريد القيام به".

وأضاف سوسلوف أن سياسة الصين الخارجية الحازمة بشكل متزايد كانت مصدر قلق آخر لموسكو. في خضم جائحة فيروس كورونا، تبنّت بكين نوعًا جديدًا من "دبلوماسية محارب الذئب"، وهو نهج أدى إلى انخراط العديد من السفراء الصينيين في خلافات رفيعة المستوى مع الدول المضيفة لهم. وقال سوسلوف: "بالنسبة لكثير من المراقبين الروس، يبدو أن فيروس كورونا قد دمّر قيدًا نفسيًّا وسياسيًّا آخر على السياسة الخارجية للصين - وهو الأمر الذي منع الصين من الترويج لنفسها كنموذج للآخرين وتأكيد نفسها كزعيم عالمي".

وعلى مدى العقد الماضي، طالبت روسيا والصين بـ "مبدأ عدم التدخل" في الشئون الداخلية للآخرين. وفي الواقع، كان كرههم المشترك لجهود الولايات المتحدة لتعزيز الديمقراطية العالمية بمثابة نقطة تجمع رئيسية للبلدين، ومع ذلك، حذر سوسلوف من أن الصين المشجعة يمكن أن تطالب روسيا في نهاية المطاف أن تحذو حذوها.

لقد راقبت روسيا حتى الآن معركة الصين ضد فيروس كورونا بعين الإعجاب.. فهل يمكن أن يهدد تحقيق بكين للكثير من الانتصارات بتحويل هذه المشاعر الدافئة إلى استياء؟


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق