فورين أفيرز| إيجاد اللقاح هو مجرد الخطوة الأولى


٠٤ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

لقد بات من الواضح الآن أن العالم لا يستطيع الخروج بشكل كامل من حالة الإغلاق الحالية بسبب فيروس كورونا المستجد حتى يتم إيجاد لقاح. لم يحدث من قبل أن اعتمدت الكثير من الأرواح، وسبل العيش، والاقتصادات على تدخل صحي واحد. لكن بينما يتسابق العلماء لتطوير مرشحين للقاح المحتمل، يجب أن يتذكر المجتمع الدولي أن الهدف النهائي ليس فقط إنتاج لقاح آمن وفعّال؛ بل إنهاء الجائحة أيضًا. وهذا يمكن أن يحدث فقط بعد إنتاج مليارات الجرعات بتكلفة ميسورة وإتاحتها للجميع، لا سيما من هم في البلاد ذات الدخل المنخفض.

يتطلب مشروع بهذا الحجم منظورًا جديدًا: يجب الاعتراف باللقاحات كمنافع عامة عالمية. لا يمكن السماح للأجندات المحلية أو الربح بقيادة الجهد لأكبر عملية نشر لقاح في التاريخ. يجب أن تعمل الحكومات وشركات الأدوية والمنظمات متعددة الجنسيات معًا لتطوير اللقاح، وإنتاجه وتسليمه. إن إنتاج وتوزيع مليارات الجرعات من لقاح جديد سيكون صعبًا في أفضل الأوقات، وفعل هذا أثناء جائحة سيتطلب جهدًا عالميًّا غير مسبوق.

منع النقص

فقط فكر في النقص الأخير في معدات الوقاية الشخصية ومعدات الاختبار. هناك حاجة لجهد دولي منسق لتجنب حدوث نقص مماثل في اللقاح ولمنع عدم حصول أعداد كبيرة من الأشخاص على اللقاح. مع الأسف، كان التوزيع العادل للقاح مشكلة في الماضي. على سبيل المثال، الطلب المتزايد على لقاح HPV في البلدان المتقدمة أعاق إمكانية الحصول على اللقاح بالنسبة للفتيات المعرضات للخطر في البلدان النامية. وأثناء جائحة إتش1 إن1 في 2009، قدّمت عدة بلدان طلبات مسبقة كثيرة على اللقاح قبل أن يصبح متاحًا، وبذلك اشتروا معظم الإمداد العالمي وتركوا القليل لبقية العالم.

ينبغي أن يهدف العلماء بالطبع إلى تطوير أكثر من لقاح. لكن حتى وجود عدة لقاحات فعالة لن يضمن عدم حدوث الاكتناز، حيث إن الإمدادات ستكون محدودة في البداية. إن واجب كل حكومة أن تضع مواطنيها أولًا، لكن أثناء الجائحة يتطلب هذا الواجب التفكير والعمل بطريقة عالمية، وإذا كانت اتفاقيات التصنيع أو قيود التصدير تعيق نشر اللقاحات وتسمح للفيروس بالبقاء في أي مكان، فلن يكون هناك مكان بمأمن من عودة الإصابات.

إن إحدى الطرق لضمان الإمداد المناسب والتوزيع العادل للقاحات هي إزالة بعض الحواجز التي خلقتها قوانين الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا وتشجيع المُصنعين والمجموعات البحثية على العمل معًا تجاه هدف مشترك. بهذه الطريقة، عندما تظهر أول لقاحات آمنة وفعالة، يمكن لعدة مُصنعين البدء على الفور في إنتاجها في نفس الوقت. لقد أظهرت صناعة الأدوية بعض الاستعداد للسماح بهذا: أعلن المعهد الهندي للأمصال (Serum Institute) أنه لن يحتفظ بحقوق الملكية الفكرية للقاح كوفيد-19، وكوّن عملاقا الأدوية جلاكسو سميث كلاين وسانوفي شراكة غير مسبوقة لتجميع مواردهما، واتفق عدة مُصنعين على عدم التربح من لقاح كوفيد-19. وهذا يبشّر بالخير لمبادرة تسريع إتاحة أدوات مكافحة كوفيد-19‏ التي أطلقها القادة العالميون ومنظمة الصحة العالمية لتعجيل تطوير وإنتاج وتوزيع تشخيص كوفيد-19 وعلاجاته ولقاحاته.

أيضًا ضمان أن يُصنّع اللقاح بسرعة بمجرد تطويره يفرض تحديات كبيرة. إن الكثير من اللقاحات المرشحة الواعدة لكوفيد-19 تطورها منظمات تفتقر لقدرات التصنيع على نطاق واسع. وحيث إن بعض هذه المنظمات ستفشل حتمًا في اكتشاف لقاح صالح، لا بد من وضع آليات لتقليل مخاطر الاستثمار في قدرات التطوير والتصنيع. إن فعل هذا سيعني أنه يمكن إنتاج أفضل اللقاحات المرشحة على نطاق واسع وإتاحتها لكل من يحتاجها بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه. 

نهج جديد كليًّا

ربما تبدو هذه مهمة عسيرة، لكن هناك سابقة بالفعل: التحالف العالمي للقاحات والتحصين (GAVI)، وهو عبارة عن شراكة عالمية في مجال الصحة مكرسة لزيادة إمكانية الحصول على التحصين، أطلق مبادرة الالتزام المسبق للسوق التجريبية في 2009. لقد ساعدت آلية التمويل المبتكرة هذه في تسريع طرح اللقاحات. قبلها كان يمكن أن يستغرق الأمر أكثر من عقد لكي يصبح سعر اللقاحات الجديدة، مثل لقاح المكورات الرئوية المقترن (PCV)، في متناول الدول الأفقر. كان الالتزام المسبق للسوق مغيرًا لقواعد اللعبة، حيث جعل اللقاحات ميسورة التكلفة في هذه الدول عن طريق تقديم حوافز للمُصنعين. لقد عمل على مبدأ تخصيص الأموال لضمان سعر اللقاحات بمجرد إجازتها وبالتالي يساعد في إزالة بعض المخاطر المرتبطة بالاستثمار في زيادة قدرة التصنيع، وهو ما يضمن وجود سوق في حالة فعل هذا. استخدم GAVI نهجًا مشابهًا لتسريع إنتاج لقاح إيبولا في الوقت المحدد للمساعدة في منع الوباء الأخير في جمهورية الكونغو الديمقراطية من الخروج عن السيطرة. وعلى الرغم من أن كوفيد-19 مرض مختلف تمامًا، غير أن آليات التمويل المماثلة يمكن أن تساعد في ضمان إتاحة اللقاح على نحو سريع. ولأن هذه الآليات ستتضمنا

تفاقيات مُلزمة قانونيًّا مع المُصنعين، ستساعد أيضًا في منع الاكتناز وفي تعزيز المساواة في الحصول على اللقاح.

ثم هناك تحدي توصيل اللقاح، ولن يكون هذا تحديًا سهلًا. حتى في الظروف العادية، يمكن لمشاكل النقل وسلاسل الإمداد واللوائح التنظيمية والاضطراب المدني والصراع والكوارث الطبيعية أن يقوضوا توصيل اللقاح. لكن وسط جائحة عالمية، من المرجح أن تكون العقبات اللوجيستية أكثر صعوبة، لا سيما في الدول الأكثر فقرًا.

لقد كانت المنظومات الصحية في هذه الدول ضعيفة أصلًا قبل فيروس كورونا. والآن هي تتعرض لضغط شديد وليس فقط بسبب الجائحة. لقد رفع كوفيد-19 خطر تفشي أمراض مميتة أخرى، مثل الحصبة وشلل الأطفال والحمى الصفراء، وعلى الرغم من أن منظمة الصحة العالمية توصي باستمرار برامج التحصين الروتينية قدر الإمكان أثناء الجائحة، بيد أنها كان عليها أيضًا أن توصي بتعليق حملات التطعيم ضد بعض الأمراض، والتي تُستخدم لملء فجوات التحصين في كثير من البلاد لكي تحد من خطر انتشار كوفيد-19 وللحفاظ على موارد الصحة العامة الشحيحة.

هذا مثير للقلق بشدة. إن تعليق برامج التحصين الروتينية الأخرى لن يؤدي فقط إلى وفيات لا تُحصى كان يمكن تجنبها؛ بل إن فعل هذا قد يعيق قدرة العالم على إنهاء جائحة فيروس كورونا. إن حالات التفشي الكبيرة، سواء خلال الإغلاق أو بعده مباشرة، ستفرض المزيد من الضغط على منظومات الصحة القومية الضعيفة.

إن التعطيل في التحصين بسبب فيروس كورونا تسبب في ألا يحصل 13,5 مليون شخص على الأقل في الدول المدعومة من GAVI على التطعيمات. ومن الضروري أن تستأنف الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط حملات التطعيم في أقرب وقت ممكن وأن يحافظوا على استمرار برامج التحصين الروتينية أثناء الجائحة، كما أن سلاسل الإمداد ومعدات سلسلة التبريد والعاملين المدربين في مجال الرعاية الصحية وأنظمة البيانات وجهود مراقبة المرض التي تكوّن هذه البرامج الحالية ستشكل في النهاية الركيزة الأساسية لشبكة التوصيل التي تجلب لقاحات كوفيد-19 إلى الأشخاص الذين يحتاجونها.

ومن أجل هذه الغاية، يعمل GAVI مع الدول لتعزيز منظوماتها الصحية وإبقاء برامج التحصين الروتينية مستمرة. لقد أتاح الدُفعة الأولى بقيمة 200 مليون دولار لحماية العاملين في مجال الرعاية الصحية بمعدات الوقاية الشخصية، وأداء المراقبة والتدريب الضروريين، وتمويل اختبارات التشخيص. لكن هذا المبلغ يُعدّ هامشيًّا بالمقارنة مع مليارات الدولارات اللازمة لتطوير وتوصيل لقاح أو عدة لقاحات والتي يمكنها إنهاء الجائحة. إنها لقاحات للبشرية بأسرها. هذا يعني أنها تحتاج لأن تصبح متاحة للجميع وتحتاج أيضًا لأن يتم اختبارها وتصنيعها حول العالم.

ولا يزال من غير المرجح أن تتم إجازة اللقاح الصالح قبل 12 شهرًا آخرين على الأقل. لكن يجب تحويل بعض التركيز الآن من السباق لتطوير لقاح إلى الاستعداد لوصوله (ويشمل ذلك محاولة إيجاد علاجات إلى أن يصبح اللقاح جاهزًا). في السنوات الأخيرة، تعرضت تعددية الأطراف والعولمة لهجوم. وأزمة الجائحة فرصة لدفع المجتمعات للتكيف والتطور من رأسمالية حاملي الأسهم إلى رأسمالية أصحاب المصلحة، وحشد جميع المساهمين حول هدف مشترك: عالم واحد، مشمول بالحماية؛ لأن لا أحد سيشعر بالأمان حتى يصبح الكل آمنًا. 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق