أوراسيا ريفيو: كيف فشلت الحكومة الأمريكية في الاستعداد لمواجهة جائحة كورونا العالمية؟


٢٤ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

في العشرين من مارس، بعد إعلان منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا جائحة عالمية، أرسل مجلس الأمن القومي الأمريكي برقية إلى وزراة الخارجية الامريكية تتضمن تعليمات للمسئولين حول كيفية التحدث عن الصين وفيروس كورونا المستجد، وفقًا لما ذكرته صحيفة "ذا ديلي بيست" التي حصلت على البرقية. كان أحد أجزاء البرقية يحمل عنوان: "دعاية جمهورية الصين الشعبية وتضليلها الإعلامي بشأن جائحة فيروس ووهان".

وتقول البرقية: "إن مسئولي الحزب الشيوعي الصيني في ووهان وبكين كانت تقع عليهم مسئولية خاصة لإخبار الشعب الصيني والعالم بشأن هذا التهديد؛ نظرًا لكونهم أول من علموا به". أصدرت البرقية تعليمات للمسئولين الأمريكيين بأن يروّجوا لفكرة أن الحكومة الصينية "أخفت أخبار الفيروس عن شعبها لأسابيع، وقيّدت المعلومات وعاقبت الأطباء والصحفيين الذين دقّوا ناقوس الخطر. لقد اهتم الحزب الشيوعي بسمعته أكثر من اهتمامه بمعاناة شعبه". تقترح البرقية أن يصدر مجلس الأمن القومي الأمريكي تعليمات للمسئولين الأمريكيين بالترويج لهذه الرواية، والقول إن الولايات المتحدة يجب أن تُشكر على إنسانيتها غير العادية. وواصلت البرقية قائلة: "إن الولايات المتحدة والشعب الأمريكي يُظهران مجددًا أنهما أعظم مدافعين عن الإنسانية يَعْرِفهمَا العالم".

كان هناك سببان مباشران جعلا الولايات المتحدة تحمّل الصين مسئولية تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد. أولاً: كانت تلك طريقة مناسبة لصرف الأنظار عن حقيقة عجز الولايات المتحدة عن فعل شيء- بالرغم من علمها بالفيروس قبل أشهر- للاستعداد بشكل فعّال لوصول الفيروس. ثانيًا: كانت تلك طريقة ضرورية لتقويض الطريقة المذهلة التي اتبعتها الصين لمكافحة الجائحة، عبر مزجها بين استخدام الأفراد والمعدات وتقديم العون للمصابين في ووهان وهوبي. إن هجوم الرئيس الأمريكي على الصين لا يمكن تفسيره بوصفه حديثًا صاخبًا يقوم به شخص مختل عقليًّا، لكنه كان جزءًا من أجندة الحكومة الأمريكية لصرف الأنظار عن عدم كفاءتها عبر التركيز على الصين، وضمان ألا يُنسب الفضل للصين عالميًّا بسبب استجابة قطاع صحتها السريعة للفيروس.

صمت وزير الصحة الأمريكي لمدة أسبوعين

في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2019، تواصلت السلطات الصينية مع مكتب منظمة الصحة العالمية في بكين، وأخبرته بشأن تفشي التهاب رئوي لا يُعرف مصدره جرت ملاحظته في أواخر ديسمبر. وفي الثالث من يناير، تحدث الدكتور "جورج إف غاو" مدير مركز الصين للتحكم في الأمراض والوقاية منها، إلى الدكتور "روبيرت ريدفيلد" رئيس المركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها بشأن "خطورة الفيروس"، وأن الدكتور "غاو" انفجر بالبكاء.

كان ذلك بعد بضعة أيام من رصد الحالات الأولى للالتهاب الرئوي الغامض في إقليم "هوبي". وصل فريق رفيع المستوى إلى ووهان قادمًا من بكين في الحادي والثلاثين من ديسمبر للتحقيق في الفيروس الذي كان مجهولًا حينئذ، وكان ذلك في اليوم ذاته الذي أخبرت فيه السلطات الصينية منظمة الصحة العالمة بما يحدث.

لقد أُبلغت إدارة ترامب للمرة الأولى بشأن تفشي الفيروس في الصين في الثالث من يناير. بعبارة أخرى، أُبلغت الحكومة الأمريكية ذاتها بشأن خطر الفيروس بعد أيام من إبلاغ الحكومة الصينية منظمة الصحة العالمية. في الأول من يناير، أنشأت منظمة الصحة العالمية فريقًا من ثلاثة مستويات في المنظمة (مستوى المقرات الإقليمية، والمستوى القُطري، ومستوى المقرات) للتعامل مع تفشي الفيروس، وفي اليوم التالي، نبّهت المنظمة جميع مستوياتها إلى ظهور الفيروس، وفقًا لتقرير الحالة التابعة للمنظمة، كما أعلنت المنظمة رسميًّا على تويتر في الرابع من يناير أن السلطات الصينية أبلغتها "بإصابة مجموعة من الناس بالتهاب رئوي" - دون حدوث وفيات - في مدينة ووهان، ونشرت المنظمة رسميًّا أول تقييم مخاطر في الخامس من يناير.

في الثالث من يناير، أبلغ الدكتور "ردفيلد" رئيس المركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية التي يرأسها الوزير "أليكس عازار". لقد اختار ترامب الوزير "عازار" ليس لخبرته الحكومية ولكن لسببين آخرين: أولهما أن "عازار" معروف بولائه الشديد لترامب، وثانيهما أنه قادم من عالم صناعة الأدوية (في الفترة بين 2012 و2017، كان "عازار" يشغل منصب رئيس القسم الأمريكي لشركة "Eli Lilly"، وهي واحدة من أكبر شركات الدواء في العالم، كما كان عضوًا في مجلس "منظمة الابتكار في التكنولوجيا الحيوية"، وهي رابطة تجارية لصناعة الأدوية).

أبلغ "عازار" مجلس الأمن القومي الأمريكي، وهو أمر مُلزم بفعله. لكنه لم يقدّم إحاطة للرئيس ترامب بشأن الحقائق الفعلية. في الواقع، وكما أوردت صحيفة وول ستريت جرنال، فإن الوزير عازار "انتظر أسبوعين لإحاطة الرئيس بالمعلومات عن الخطورة المحتملة لفيروس كورونا، كما طمأنه بأن الوزارة جاهزة للتعامل مع أي حالات في الولايات المتحدة".

وذكر الدكتور "ريك برايت"، العالم الأمريكي والرئيس السابق لهيئة البحث والتطوير الطبي الحيوي، أنه حذر الحكومة في يناير من أن الولايات المتحدة يجب أن تستعد للفيروس. لكن عازار لم يفعل شيئًا. وفي الثامن عشر من مايو، أجرت محطة "سي بي إس" مقابلة مع الدكتور "برايت" سألته فيها عن سبب استخفاف الوزير "عازار" بخطر الفيروس، فردّ قائلًا: "إن الحكومة لم تكن فقط غير صريحة مع الجمهور، لكنها تجاهلت أيضًا تحذيرات الشركات الخاصة من أن سلاسل إمداد البضائع الطبية كانت تنضب".

في العشرين من يناير، أعلنت السلطات الطبية الصينية عن تأكدها من إمكانية انتقال الفيروس بين البشر، وهذا ما أكدته منظمة الصحة العالمية في الثاني والعشرين من يناير. وأدّى ذلك الإعلان لإغلاق مدينة ووهان وبعدها بوقت قصير إقليم هوبي. لم يفعل ترامب وعازار شيئًا، لكنها استخفا وتجاهلا خطر فيروس كورونا، بالرغم من تأكد ظهور أول حالة مصابة بالفيروس في سياتل في الحادي والعشرين من يناير. وفي الثامن والعشرين من يناير، طمأن عازار الأمريكيين بأن الفيروس "لن يؤثر على حياتهم اليومية".

وفي اليوم الذي أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية عمومية تثير قلقًا دوليًّا (في الثلاثين من يناير) قال ترامب دون دليل: "نحن نظن أننا نسيطر تمامًا على الفيروس"، وأيضًا دون أن يعلن حالة طوارئ وطنية (أعلن الوزير عازار حالة طوارئ صحية عامة في اليوم التالي، ما يعني أن تكتفي أجهزة الوزراة بإعادة توزيع الموارد والأفراد للتعامل مع الفيروس). أنشأ ترامب أول فريق مهام في التاسع والعشرين من يناير؛ حينها تأكدت إصابة خمس حالات بالفيروس في الولايات المتحدة. لكن فريق المهام الذي جرى إنشاؤه شدّد على أن "خطر إصابة الأمريكيين بالفيروس يظل متدنيًا".

إن فريق المهام والإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة ردًا على تفشي الفيروس كانت فارغة. على سبيل المثال، لم يعط الوزير عازار الإذن للمختبرات لإجراء اختبارات حتى التاسع والعشرين من فبراير، أي بعد شهر كامل من إعلان الولايات المتحدة حالة طوارئ صحية عامة. وقد كان لذلك أثر كارثي على قدرة الحكومات المحلية على إجراء اختبارات وإدارة انتشار الفيروس.

لقد قلّل ترامب من أهمية خطير الفيروس بداية من شهر يناير وفبراير وصولًا لشهر مارس، وتغريداته على تويتر تقدّم لنا أدلة كافية على ذلك. وفي التاسع من مارس، نشر ترامب تغريدة شبّه فيها الفيروس ب "الأنفلونزا العادية". وبعد يومين، أعلنت منظمة الصحة العالمية الفيروس جائحة عالمية. وفي الثالث عشر من مارس، أعلن ترامب حالة طوارئ وطنية. كان هذا بعد ستة أسابيع من إعلان منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية تثير قلقًا دوليًا. كان من الممكن استخدام تلك الأسابيع الستة للقيام بإجراءات وقاية مهمة، وتتبُّع مخالطي المصابين، وإجراء اختبارات، فضلًا عن القيام بإجراءات أخرى لمكافحة الفيروس، والتقليل من الإصابات والوفيات، لكن الولايات المتحدة فوّتت هذه الفرصة.

الهجوم على الصين

إن البرقية المرسلة بتاريخ العشرين من مارس والتي تتضمن تعليمات من مجلس الأمن القومي بمهاجمة استجابة الصين للفيروس، ربما كانت بقيادة مستويات عليا في الولايات المتحدة. وفي العاشر من مارس، أعاد ترامب تغريدة للمعلق اليميني "تشارليز كيرك" يقول فيها: "مع انتشار الفيروس الصيني حول العالم، هناك فرصة للولايات المتحدة لتجنب الفيروس في حال سيطرنا على حدودنا"، وفي ذلك اليوم، ظهر الدكتور "ريدفيلد" أمام الكونغرس الأمريكي للإدلاء بشهادته، وعندما سألت عضوة مجلس النواب "لويس فرانكيل" (ديمقراطية عن ولاية فلوريدا) الدكتور ريدفيلد ما إذا كان "من الخطأ وغير اللائق تمامًا تسمية هذا الفيروس بالفيروس الصيني"، ردّ الدكتور ريدفيلد قائلًا إنه يتفق معها. لقد توقعت منظمة الصحة العالمية ذلك. ففي الرابع عشر من فبراير، دعا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية (تيدروس أدهانوم غبريسوس) "للوحدة وليس الوصم بالعار".

وفي السادس عشر من مارس، كتب ترامب على تويتر: "ستدعم الولايات المتحدة بقوة هذه الصناعات، مثل شركات الطيران، وغيرها، والتي تضررت كثيرًا من الفيروس الصيني". كانت تلك التغريدة بداية لاستخدام مصطلح "الفيروس الصيني" على نطاق واسع. كان ذلك جزءًا من حملة لتحميل الصين مسئولية الوباء والإشارة إلى أنه لا يجب الإشادة بجهود الصين المذهلة لاحتواء الفيروس. استخدم وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" مصطلح "فيروس ووهان"، وبعدها بدأت الإدارة بأكملها والصحافة اليمينية - فضلًا عن الديمقراطيين "المعتدلين"، من بينهم "جو بايدن" المرشح المنافس لترامب في انتخابات 2020 الرئاسية - في تحميل الصين مسئولية تفشي الوباء.

النتائج

بحلول السادس عشر من مارس، عندما كان ترامب يروّج لمصطلح "الفيروس الصيني"، كانت هناك 88 حالة وفاة في الولايات المتحدة بسبب تفشي فيروس كورونا. بعد مرور نحو شهر، توفي ما يزيد على 50 ألف شخص بالفيروس القاتل في الولايات المتحدة، ما يتجاوز بكثير أعداد الوفيات في الصين. وعوضًا عن النظر بتمعن في السجلات لمعرفة كيف دمرت الولايات المتحدة نظامها الصحي بسبب إجراءات التقشف، وكيف استخفت الولايات المتحدة بالنهج القائم على العلم، وكيف تجاهلت تحذيرات الصين ومنظمة الصحة العالمية، تجد إدارة ترامب وجميع أركان الطبقة السياسية الأمريكية أنه من الأسهل إلقاء اللوم على الصين.    

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق