مجلس العلاقات الخارجية | ما أسباب تجدُّد الاحتجاجات في لبنان وسط تفشي فيروس كورونا؟


٢٩ مايو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

منذ إنشاء دولة لبنان عام 1943، هيمنت نخب طائفية فاسدة ومتنفذة على السلطة السياسية وعلى حصة غير متناسبة من الكعكة الاقتصادية، مُستخدمة شبكة من المحسوبية للحفاظ على اتّباعها. يوزّع النظام السياسي في بيروت المناصب والسلطة بناءً على الولاء الطائفي، كما أن عجز زعماء الطوائف المختلفة عن الوصول لتوافق يضرّ بقدرة الحكومة على التصدّي للتحديات.

يعاني اللبنانيون اليوم من مصائب عدّة: غياب صوت المواطنين داخل الحكومة، وافتقار الحكومة للشفافية، وقلة الفرص الاقتصادية، والفساد، والمحسوبية، وتدنّي مستوى المعيشة. وتشهد البنية التحتية في لبنان حالة انهيار، ويعاني اللبنانيون من انقطاع يومي للكهرباء، ومن تراكم القمامة في الشوارع، وانقطاع إمدادات المياه، وتدهور البيئة. منذ أكتوبر 2019، نزل محتجون للشوارع لتحميل النظام السياسي الطائفي مسئولية معاناتهم الاقتصادية، مُطالبين بتغيير جذري للنظام والقيادة السياسية في لبنان.

توقفت الاحتجاجات بعد إغلاق البلاد بسبب تفشي جائحة فيروس كورونا، لكن الظروف المعيشية الصعبة التي تفاقمت بفضل تعامل الحكومة مع كوفيد 19، أشعلت الاحتجاجات من جديد في أواخر شهر أبريل. يعاني لبنان مما يُعتقد أنها أسوأ أزمة مالية في تاريخه. هناك نقص في الدولار، ما تسبب في خسارة الليرة اللبنانية ما يزيد على نصف قيمتها في الأسواق الموازية في الأشهر الستة الماضية. في ذلك الوقت، قيّدت المصارف –التي بات بعضها على حافة الانهيار- عمليات سحب الليرة، وأنهت تدريجيًّا بالكامل عمليات سحب العملات الصعبة التي يستخدمها اللبنانيون لدفع العديد من التزاماتهم المالية، مثل الرهن العقاري ومصاريف الدراسة.

وفاقمت القيود المرتبطة بفيروس كورونا من المشاكل الاقتصادية المنهجية؛ ما دفع معدل البطالة إلى ما فوق 30 بالمائة، وقلّل من الدخل والنشاط الاقتصادي. كما حذرت العديد من المنظمات الإنسانية من انعدام الأمن الغذائي.

كيف تعاملت الحكومة الجديدة مع هذه الشكاوى؟

بعد أشهر من المظاهرات، ولكن قبل حصول أسوأ الآثار المترتبة على تفشي فيروس كورونا، استقالت الحكومة وجرى تشكيل أخرى جديدة. اُختيرت حكومة جديدة برئاسة حسان دياب، دون حتى غطاء انتخابي من جانب زعماء السلطة الطائفيين أنفسهم الذين لطالما أشرفوا على تشكيل الحكومات المركزية اللبنانية. لقد فشل هذا المزيج المكوّن من خبراء سياسيين وشخصيات سياسية مُعيّنة في كسب ثقة الشعب أو منع زيادة الضرر الاقتصادي.

فشلت الحكومة الجديدة في التعامل مع أزمة العملة والديون قبل أن تنشغل بفيروس كورونا، كما تخلفت عن سداد سندات اليورو بوند في مارس، وأعلنت نيتها التخلف عن سداد المزيد من الديون والسعي لإعادة هيكلتها. علاوة على هذا، طلبت الحكومة مساعدة المجتمع الدولي، بما في ذلك صندوق النقد الدولي، للحصول على تمويل طارئ ومساعدة فنية. أعلن وزير المالية "غازي وزني" أن البلاد تحتاج لمساعدة مالية تتراوح بين 25 إلى 30 مليار دولار على مدار السنوات الخمس المقبلة. بدأ الزعماء اللبنانيون أيضًا مناقشة خطة لإعادة هيكلة الاقتصاد بأكمله بهدف تنويع مصادر الدخل.

مع عودة المتظاهرين للشوارع بالرغم من قيود فيروس كوفيد19، بات واضحًا أن الشعب ليس لديه ثقة في قدرة الحكومة على إدارة أزمات البلاد المالية أو على إجراء إصلاح. ولا يزال من غير الواضح حجم الضغط الذي سيمارسه الشعب اللبناني على الحكومة، وما حجم الضرر الذي يمكنه أن يتحمله مع محاولة الحكومة التوصل لتوافق فيما يتعلق بالخطوات المؤلمة اللازمة لوضع الاقتصاد على أرضية أكثر صلابة.

هل يستطيع لبنان حل مشاكله بمفرده؟

تقرّ مسودة خطة إنقاذ لبنان أنه "من الصعب تخيّل خروج لبنان من هذه الأزمة العميقة من دون دعم المجتمع الدولي". تفتقر بيروت لاحتياطيات أجنبية كافية لدعم ديونها الهائلة، كما تفتقر تاريخيًّا لقيادة قوية قادرة على فرض إجراءات تقشف وإصلاحات، مثل إجراء تعويم رسمي للعملة المحلية، ورفع الضرائب أو تقليل الدعم، وإعادة هيكلة القطاع العام المتضخّم. علاوة على هذا، ونظرًا لتخلف لبنان عن سداد ديونه وسجله فيما يخص الفساد، قد يكون من المفهوم أن تتردد دول غربية ودائنون من القطاع الخاص في الاستثمار بهذا البلد. أما بلدان الخليج التي دعمت لبنان تاريخيًّا، فقد سحبت دعمها بسبب معارضتها للسلوك الإقليمي لحزب الله اللبناني، وهو مجموعة شيعية مسلحة متحالفة مع إيران بالإضافة لكونه حزبًا سياسيًّا في الوقت ذاته، ومن غير المرجح أن تُعيد دول الخليج دعمها في المدى القريب.

إن سجل لبنان الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية مفيد ويمكن الاسترشاد به. حافظ لبنان على توازن غير مستقر بين الفصائل الطائفية التي خاضت الحرب الأهلية المريرة التي مرّ بها لبنان (1975-1991)، وتطلّب هذا التوازن إجراء ترقيعات مالية والاعتماد على تحويلات العاملين في الخارج والاستناد على شكل من أشكال النمو الاقتصادي من أجل البقاء. كما تدعم تحويلات العاملين في الخارج عملية ربط الليرة بالدولار، والتي بدأ تطبيقها عام 1997 لدعم استقرار العملة، فيما قامت الدولة بإصلاحات اقتصادية. لكن عوضًا عن الاستمرار في الإصلاحات، عملت حكومة بيروت على "تمويل مرتبات متضخمة وأسلوب حياة مترف بصورة مصطنعة لأكثر من عشرين عامًا".

إن الحل الوحيد أمام لبنان هو الالتزام بإعادة هيكلة الاقتصاد – بصرف النظر عن الألم الذي سيلحقه هذا بالجمهور وأصحاب المصالح، لا سيما السياسيين الغارقين في ملذاتهم - كشرط مسبق قبل تلقيه تمويلًا خارجيًّا يحتاجه بصورة ماسة لتحقيق استقرار اقتصادي. 
مع هذا، هناك ما يشبه حالة عدم يقين بشأن ما إذا كان الزعماء اللبنانيون قادرين على اتخاذ قرارات سياسية صعبة وضرورية. تفيد تقارير أن حزب الله يعارض برامج صندوق النقد الدولي، ومع وصول الأزمة لذروتها في شهر مارس، بدا وزير المالية "وزني" متشككًا فيما إذا كان لبنان سيقبل بشروط صندوق النقد الدولي المعيارية الضرورية للتوصل لصفقة، وما إذا كان من الممكن التوصل لتوافق سياسي لبناني بشأن هذا الأمر.      


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق