أوراسيا ريفيو | هل يدفع مقتل جورج فلويد أمريكا لمعالجة مشكلة التمييز العنصري بشكل جذري؟


٠٢ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

يُظهر مقتل "جورج فلويد" مجددًا مشكلة العنصرية الأمريكية المزمنة. إن عنف الشرطة هو سبب رئيسي في وفاة الشباب الأمريكيين، ومن المتوقع أن يُقتل شخص من أصل ألف رجل أمريكي أسود على أيدي الشرطة، وهو عدد مرتفع وبشع. إن مقتل "فلويد" الأسبوع الماضي يُبرز للعديد من الناس في الشارع، نفاق الحياة الأمريكية و"الحلم الأمريكي".

أطلقت الشرطة الأمريكية النار على آلاف الرجال والنساء السود على مدار السنوات الماضية. في أغسطس 2014، أدّى إطلاق ضابط شرطة أبيض في مدينة فيرغسون النار على "مايكل براون" إلى إشعال مظاهرات وفي نهاية المطاف ظهور حركة "حياة السود مهمة"، التي تكافح لتحقيق العدالة العِرقية.

كما أن عامل الخوف الذي تعيش معه العائلات الأمريكية السوداء فيما يخص طريقة تعامل أبنائها مع ضباط الشرطة البيض، خلق ضررًا نفسيًّا دائمًا لدى هذه الشريحة. اندلعت الاحتجاجات التي أعقبت مقتل "مايكل براون" وسط توترات عرقية تغلي منذ أمد بعيد. في الأيام التالية، تصاعدت الاحتجاجات بسرعة، إذ استخدمت الشرطة الغاز المسيّل للدموع والرصاص المطاطي لتفريق المحتجين. وظهرت شائعات تفيد بإطلاق عيارات نارية من وسط حشود المحتجين، لهذا جرى استقدام مركبات مدرعة وإعلان حالة الطوارئ. 

جذبت تلك الاضطرابات اهتمامًا محليًّا ودوليًّا وساعدت في بناء حركة "حياة السود مهمة". لسوء الحظ، فإن العنصرية متجذرة في أمريكا لدرجة أن مقتل "فلويد" ربما لن يخلق حالة "ثورية" حقيقية تعمل على معالجة تلك المأساة الإنسانية.

ولا يزال العرق يؤثر على طريقة تعامل جهات تنفيذ القانون مع ذوي الأصول الأفريقية في الولايات المتحدة، ولا تزال العنصرية ملمحًا منهجيًّا للمجتمع الأمريكي والعديد من المؤسسات على مدار تاريخ البلاد. إن الدور الذي لعبته التحيّزات الضمنية والعلنية تاريخيًّا في خلق ممارسات متباينة لإنفاذ القانون وما نتج عنها من توترات بين الأمريكيين الأفارقة والشرطة، هو حقيقة على الأرض يجب معالجتها فورًا. 

إن وحشية الشرطة ضد السود هي ممارسة ثابتة في أمريكا الحديثة. ولحسن الحظ، تسمح كاميرات الهواتف النقالة الآن بالتقاط المواجهات بين الشرطة والمواطنين، ونشرها بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي. دفع هذا المجهود الشعبي وسائل الإعلام البارزة لبث ممارسات وسلوكيات الشرطة المثيرة للتساؤلات، ولولاه لمرّت هذه الممارسات دون تغطية إعلامية. لكن، في الوقت ذاته، هناك عناصر هامشية في هذا الانقسام العرقي، مثل ما يسمى بجماعة "العزوبية اللا طوعية" تسعى لكسب ميزة عبر حرب المعلومات والعمليات الكاذبة. إن هذا الانقسام واسع داخل المجتمع الأمريكي المتفكك، وأصبح يتسع أكثر فأكثر في المدن وبين الجيران ووسط الأصدقاء من أصول جغرافية مختلفة.

ولا شك أن الأمريكان الأفارقة في عموم البلاد واعون وقلقون بشأن استخدام الشرطة للتنميط العرقي ضد هذه الشريحة السكانية. إن التعاون مع الشرطة داخل مجتمعات الأقليات مبني إلى حد كبير على نظرة هذه الأقليات لمستوى العدل في تعامل الشرطة معهم، وفقًا للتفكير الحالي لنقابات الشرطة. بالطبع، فإن المعاملة المتباينة للأقليات تترتب عليها نتائج عكسية فيما يتعلق بتقديم خدمات سلامة عامة فعالة وذات كفاءة. 

كما أن تحيّزات ضباط الشرطة الشخصية التي تتدخل في حُكمهم المهني تتناقض مع سياسة الشرطة وتدريبها، وليس لها أساس قانوني في مجال إنفاذ القانون. لكن ضباط الشرطة هم نتاج البيئة التي نشأوا فيها والأشخاص الذين يصادقونهم، وهكذا. إن أكاديميات تدريبهم هي حاضنات مهمة، حيث تمتلك إدارات الشرطة في عموم البلاد شبكات أبوية من الصعب كسرها. 

وتأتي عودة الاضطرابات الشعبية الكبيرة بسبب مقتل أمريكيين - أفارقة محتجزين لدى الشرطة، قبل انتخابات نوفمبر الرئاسية المثيرة للجدل، وسط جائحة فيروس كورونا (كوفيد19)، التي قتلت أكثر من 100 ألف إنسان في الولايات المتحدة، الكثير منهم داخل المدن الداخلية، ويشعر الناس بالذهول والصدمة والحزن والغضب، ما يؤدي لنشوء حالة تفكك أكبر في وقت يسود فيه انقسام أمريكي عظيم. تحدث تلك الاضطرابات المدنية في وقت من المتوقع أن تبلغ فيه البطالة والكساد الاقتصادي ذروتهما في الأشهر المقبلة. ويجري الآن رفع حالة العزل الإجبارية؛ ما قد يزيد من حالة عدم اليقين. إن انتشار فيروس كورونا وسط المحتجين هو مصدر قلق خطير، ونظرًا إلى المواجهات العنيفة، فإن انتشار المرض هو أمر مؤكد. بينما يكافح المقهورون دفاعًا عن حقوق المظلومين، ينقل هؤلاء المقهورون المرض لإخوتهم. ومن المرجح أن يترك هذا أثرًا ضارًا على النفسية الجماعية للبلاد.

بالتالي، ينبغي أن يُجري المسئولون والعلماء والباحثون المختصون في الولايات المتحدة تقييمًا متأنيًا لما يحدث، في حال أرادت هذه الأمة أن تتجنب احتمال اندلاع اضطرابات مدنية واسعة النطاق في المستقبل. يكون لدى المجتمع أحيانًا فرصة للاختيار بين خيارين اثنين: الخيار الصحيح أخلاقيًّا والخيار السيء والشرير. إن هذه الفترة التي يسودها الانقسام والعنف في الولايات المتحدة، تدور في المقام الأول حول الروح والوعي بحالات عدم المساواة المحيطة بنا يوميًّا. يجب أن تكون هناك موازنة بين المنطق والعاطفة في الأيام والأسابيع المقبلة؛ لأن المجتمعات ذاتها التي تحتجّ اليوم من المرجح أن يضربها فيروس كوفيد19. يجب أن تكون حكومات الولايات جاهزة لو أرادت التركيز على مثل تلك القضايا.  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق