مودرن دبلوماسي| مقارنة بين تعامل الدول الرأسمالية والاشتراكية مع جائحة كورونا


٠٧ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

ظهرت جائحة كوفيد 19لأول مرة في مدينة "ووهان" الصينية في ديسمبر 2019، وانخفضت حالات كوفيد19 بشكل كبير في الصين نتيجة لإجراءات صارمة، مع هذا، انتشر المرض بسرعة حول العالم، في حين كشفت نتائج الدراسة أنه بالرغم من أن الصين أصدرت تحذيرات مبكرة بشأن الوباء، غير أن العديد من دول العالم تفاجأت بالمرض. هذه الدول هي المملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة وغالبية الدول الأفريقية. أجّلت معظم الدول عملية تتبّع الفيروس كما تراخت في ردّها بكفاءة وفاعلية عليه. مع هذا، فإن بعض الدروس التي تعلمناها من جائحة كوفيد19 ربما تساهم في تحسين جاهزيتنا في المستقبل، حيث توصي الدراسة بأنه ينبغي للولايات المتحدة أن تعطي الأولوية للحياة قبل الربح. هذا المقال سيقدّم تحليلاً مقارنًا للنهجين الاشتراكي والرأسمالي تجاه كوفيد19.

نجد أن منظمة الصحة العالمية أعلنت كوفيد19 جائحة عالمية في مارس 2020، وفي الوقت الراهن، بلغت إصابات (كوفيد19) نحو 6.056.021 مليون إصابة، وبلغ عدد الوفيات 367.305 ألف وفاة، في حين بلغ عدد المتعافين نحو 2.681.569 مليون متعافيًا. وسجلت الولايات المتحدة نحو 104.548 ألف حالة وفاة، في حين سجلت الصين 4.634 ألف وفاة (وفقًا لموقع worldmeter). سيطرت الصين على جائحة كوفيد19 في مطلع شهر مارس. مع هذا، أصبحت أوروبا والولايات المتحدة بؤرتي الوباء الجديدتين. كشف كوفيد19 عن وجود ثغرة في التزام الدول الرأسمالية تجاه مكافحة الأمراض المعدية واسعة الانتشار، وهذا يتضمن غياب الاستراتيجيات الفعالة، والاستهانة بالفيروس، وغياب التنسيق في النظام الصحي. جرى تسجيل تفشٍ واسع للفيروس في الولايات المتحدة وإيطاليا وإسبانيا والدنمارك وألمانيا. وبهذا، تبنّت معظم الدول قرارات إغلاق وحظر تجول وتباعد اجتماعي وقيود على السفر وإلغاء التجمّعات الشعبية. مع هذا، لم تكن إجراءات التدخل كافية في ضوء غياب نظام صحي يسوده التنسيق ونظام دعم قوي. كانت العديد من الدول الاشتراكية قادرة على تسطيح منحنى كوفيد19 في بلدانها بفضل الأيديولوجيا والالتزام. نذكر على سبيل

المثال الصين وفيتنام وكوبا. تتمسك الاشتراكية بمبدأ حق الحياة قبل تحقيق الربح. علاوة على هذا، تتضمن فكرة الاشتراكية أيضًا تقديم أفضل أنواع الرعاية الصحية والملاجئ للمشردين والمياه الصالحة للشرب والتعليم والحياة للجميع. لكن الدول الرأسمالية تضع الربح قبل حق الحياة.

يعلمنا التاريخ أن العديد من البلدان طبّقت التباعد الاجتماعي أثناء تفشي الأنفلونزا الإسبانية عام 1918. توفي نحو 675 ألف شخص حينها في الولايات المتحدة وملايين آخرين حول العالم. كما أدّت جائحة (HINI) في عام 2009 لإلغاء التجمعات الشعبية مثل الجامعات والمدارس. نتيجة لهذا، انخفض معدل الانتقال بنسبة 30 بالمائة. مع هذا، تزايد معدل الإصابة عندما استؤنفت الحياة العادية. علاوة على هذا، فشل الأمريكيون في احترام إجراءات السيطرة التي أوصى بها الخبراء، مثل التباعد الاجتماعي، ما أدّى لزيادة معدلات الإصابة ووفاة آلاف الأشخاص.

حمّل الرئيس ترامب الصين مسئولية النشر المتعمّد للمرض، وهو ما تسبب في حصول معانة كبيرة. مع هذا، وبالرغم من جهود الصين، فإن التوجّهات الغربية المعادية للشيوعية تجعل من الصعب على هذه الدول الاعتراف بجهود الصين المكثفة والناجحة. قاد الرئيس ترامب حملة معاداة للصين وأطلق على كوفيد19 الفيروس الصيني، بدلًا من استخلاص الدروس من احتواء الصين الناجح للوباء. مع هذا، اتهم باحثون الرئيس ترامب بنشر بعض الأكاذيب السياسية. وحتى الآن، هذا الفيروس مجهول، وربما يكون نشأ بصورة طبيعية وربما تكون الخفافيش هي حاملة لهذا الفيروس.

الجدير بالذكر أن الصين قدمت للعالم إشعارًا مسبقًا لأزمة كوفيد19 الوشيكة قبل أسابيع من انتشاره في بلدان أخرى. كان مركز الصين للسيطرة على الأمراض ملتزمًا بإجراء تعاون دولي، كما نشر فورًا الجينوم الكامل لفيروس كوفيد19 بعد التعرف عليه. مع هذا، تأخرت استجابة العديد من الدول على هذا الفيروس. بالرغم من امتلاكها موارد هائلة، فشلت الدول المتقدمة في تطوير نظام الرعاية الصحية لديها، ويشمل هذا زيادة الموارد البشرية والمادية، مثل الملابس الواقية وأجهزة التنفس ومعدات الاختبار. وتكثفت استجابات الصحة العامة بنهاية فبراير ونهاية مارس 2020. وكان ذلك عبر إجراءات من بينها التتبّع وحجر الأشخاص العائدين من مناطق عالية الإصابة، والتباعد الاجتماعي، والعمل بنظام الورديات. مع هذا، كانت الحالات في ذلك الوقت قد تضاعفت بالفعل، وعجزت الولايات المتحدة عن اتخاذ إجراءات الوقاية الضرورية في الوقت المناسب.

علاوة على هذا، ساهمت الحالات غير المكتشفة في تسارع انتشار جائحة كوفيد19 في العديد من البلدان الرأسمالية. على سبيل المثال، كان من الصعب في الولايات المتحدة اكتشاف حالات كوفيد19 لأن الجائحة بدأت أثناء موسم الأنفلونزا. كما أن التجمّعات الكبيرة وعمليات الاستيراد المرتبطة بالسفر وتفشي الفيروس قبل ظهور الأعراض وتكدّس السكان في مناطق مثل نيويورك وتكساس، كل هذا أدّى لانتشار الفيروس بسرعة، كما أن أماكن العمل عالية الخطورة مثل أسواق اللحوم زادت من تعرّض العمال للفيروس.

كانت استجابة الصين حازمة في ظل غياب لقاح، كما اتخذت إجراءات صارمة فيما يخص الاختبار والتباعد الاجتماعي وتتبّع مخالطي المصابين وعزل المصابين وإغلاق إقليم هوبي، كان ذلك واحدًا من أعظم الجهود التي يتخذها بلد في التاريخ، كما جعلت الصين من سدّ احتياجات الناس أولوية مهمة لا تهاون فيها، حيث نشرت ما يزيد على 30 ألف عامل رعاية صحية في مدينة ووهان، قادمين من كافة أرجاء الصين، كما خصّصت 45 مشفى لعلاج مرضى كوفيد19. والأكثر من هذا، حوّلت الصين مبانٍي ومراكز معارض أخرى لـ12 مشفى مؤقتًا، كما شيّدت مشفيَين جديدين بسعة 1.300 سرير. مع هذا، استخفت الولايات المتحدة بالفيروس وفشلت في وضع خطط طوارئ بعد ظهور بضع حالات إصابة، مثل إقامة منشآت اختبار، وعزل الأشخاص الذين لديهم جهاز مناعة ضعيف مثل كبار السن ومصابي الإيدز. لاحقًا، أنشأت الولايات المتحدة فريق مهام لمكافحة انتشار المرض برئاسة نائب الرئيس "مايك بنس".

أعلنت الحكومة الصينية إجراء اختبارات وعلاج مجاني، عبر استخدام أساليب متطورة ومكلّفة مثل أكسدة الأغشية من خارج الجسم (ECMO)، كما استعانت بكين بآخر التطورات في الذكاء الاصطناعي، مثل استخدام التصوير الطبي والروبوتات، وبُذلت جهود للتخفيف من أثر الأزمة على حياة الناس اليومية. عمل الحزب الشيوعي الصيني على ضمان تلقى كافة الأشخاص الذين يتعاطون أدوية وصفاتهم الدوائية، كما مُنحت كل عائلة مساعدات غذائية. بالإضافة إلى هذا، تواصل دفع الرواتب وتقديم الإعانات والدفع بواسطة البطاقات الائتمانية، كما شجعت الصين مواطنيها على شراء الطعام والتعلم عبر الإنترنت. في حين أصدرت الولايات المتحدة أوامر الالتزام بالمنزل بداية من شهر أبريل، مع هذا، سُمح للناس بالخروج وشراء الدواء والطعام؛ بالتالي، زاد تعرّض الأمريكيين للفيروس، كما كان من المقرر أن تنتهي تلك القيود ويُعاد فتح المدن الأمريكية للأعمال بنهاية أبريل، ونتيجة لهذا، أعلنت غالبية المدن الأمريكية إعادة فتح الأعمال التجارية، مدفوعةً بتوجهاتها الرأسمالية، بينما خففت الصين قيود الإغلاق تدريجيًّا في مدينة تلو الأخرى، ما ساهم في تسطيح منحنى حالات كوفيد19.

استخدمت الصين الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، مثل نماذج التنبؤ بالمرض في "شينزين" و"شونغ كينغ"، وجرى التنبؤ بالفيروس قبل انتشاره وبلغت معدلات الدقة نحو 90 بالمائة، وزوّدت شركة "Alibaba Cloud" قدرات الذكاء الاصطناعي الحوسبية بالمجان لمعاهد الأبحاث، بهدف دعم فحص البروتينات والتتابع الجيني للفيروس، هذا وأنشأت الصين مراكز لقياس درجة الحرار في عموم البلاد، وطُلب من كل شخص الحصول على تطبيق كود صحي على هاتفه الذكي، بحيث يمكن للمستخدم الإبلاغ في حال ظهور أعراض الفيروس؛ بالتالي، كان لدى مسئولي الصحة القدرة على فحص وتتبع انتشار الفيروس بسرعة. أما في الولايات المتحدة، فقد جرى التوقيع على مرسوم "مكافحة فيروس كورونا والأمن الاقتصادي" ليصبح قانونًا في السابع والعشرين من مارس 2020. ووفقًا لهذا القانون، تلقى المواطنون الأمريكيون مساعدات مالية. علاوة على هذا، شجّعت الحكومة الأمريكية الخدمات الصحية عن بُعد، والخطط الصحية التي يقدمها أرباب العمل لتغطية جزء من اختبارات كوفيد19، وإلغاء المشاركة في التسديد (co-payment). مع هذا، افتقدت جميع هذه السياسات التنسيق الملائم من جانب الحكومة؛ ما ساهم في تسارع انتشار الفيروس.

إن نقطة الاختلاف الرئيسية بين الدول الرأسمالية والاشتراكية هو سيطرة رأس المال. تخضع البلدان الرأسمالية لسيطرة رأس المال، بينما تسيطر الدول الاشتراكية على رأس المال، إذ توجّه الدولة الاقتصاد، مثل التمويل والطاقة والصناعات الثقيلة والنقل والاتصالات والتجارة الخارجية. لقد ساعد النظام المركزي، الصين على حشد مواردها بسهولة.

هذا فضلاً عن أن بكين تبنّت برنامجًا لمساعدة الدول الأخرى المتضررة، فأرسلت مثلًا فرقًا طبية وعشرات آلاف معدات الاختبار وأجهزة التنفس وملايين الأقنعة الجراحية لعدد من بلدان العالم، ومن بين الدول المستفيدة إيطاليا وكمبوديا وبولندا وإسبانيا وفرنسا والفلبين. كما استفادت أيضًا بلدان أفريقية مثل زيمبابوي وجيبوتي وبوركينا فاسو والجزائر والكونغو بالإضافة لبلدان أخرى. وبالمثل، ساعدت الولايات المتحدة أيضًا الدول الأكثر تعرضًا لخطر الفيروس، وتضمن هذا تقديم مساعدات إنسانية لعشر دول في رابطة بلدان جنوب شرق آسيا (آسيان). علاوة على هذا، قدمت الولايات المتحدة تمويلًا لمنظمات متعددة الأطراف مثل منظمة الصحة العالمية.

وأخيرًا، إن جائحة كوفيد19 لا تراعي الوضع الاقتصادي للدول؛ فقد تفوّقت الاشتراكية فيما يبدو على الرأسمالية عندما يتعلق الأمر بحق البشر الأساسي في الحياة، وتكافح الدول الثرية لاحتواء كوفيد19 بسبب غياب التنسيق في قطاعها الصحي وتأخر تطبيق إجراءات تخفيف آثار الفيروس.

لقد كشفت جائحة كوفيد19 عن الطبيعة القاسية للرأسمالية الغربية. 
 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق