جلوبال ريسك إنسايتس| كورونا يصنع التاريخ بتأثيره سلبيًّا على أسعار النفط


٠٨ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس


كان 20 أبريل 2020 هو أول يوم في التاريخ يسجل فيه النفط أسعارًا سلبية، إذ انخفض مؤشر النفط الأمريكي غرب تكساس الوسيط (WTI) من 17.85 دولار في بداية يوم التداول إلى سالب 37.63 دولار عند الإغلاق. يأتي ذلك في الوقت الذي اتفقت فيه أوبك بلس على خفض الإنتاج بمقدار 10 ملايين برميل يوميًّا في محاولة لاستقرار أسعار النفط.. وهذا يثبت أنه في مواجهة جهود دول العرض لدعم الأسعار، يستمر الطلب في الهبوط عند مستوى وتيرة لا هوادة فيها، ولا تظهر أي إشارات على التذبذب على المدى القصير. هذا، إلى جانب القيود في مرافق التخزين في المركز الأمريكي كوشينج، أوكلاهوما، إذ يشير فقط إلى اتجاه هبوط عميق في أسواق النفط من جانب المستثمرين.

تأثير كورونا: تقلب النفط الأولي يزداد سوءًا

منذ بداية جائحة فيروس كورونا، كان هناك خسارة وصلت إلى ثلث الطلب العالمي، أكثر من 30 مليون برميل يوميًّا. لقد غرس الفيروس درجة من البلبلة لدى تجار النفط، ولكن حافز الانخفاض الأولي في الأسعار يمكن أن يعزى إلى تصاعد حرب الأسعار بين روسيا والسعودية للاستحواذ على أكبر حصة في السوق؛ ما أدى في النهاية إلى إغراق السوق بالنفط. وقد أدى هذا العرض الزائد إلى سحب أسعار خام غرب تكساس الوسيط إلى ما دون 20 دولارًا للبرميل في نهاية مارس. وهكذا، خلق الاختلاف المتزايد في سياسات القوة من المنتجين الرئيسيين جنونًا أوليًّا في سوق النفط، ونذيرًا مزعجًا بشكل كبير لدى المستثمرين.


دول العرض تتوصل إلى إجماع متفق عليه


تراجعت التوترات بعد اجتماع أوبك بلس في 9 أبريل، حيث توصلت روسيا والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة إلى اتفاق لخفض الإنتاج بمقدار 10 مليون برميل يوميًّا. من الناحية النظرية، قد يبدو هذا مهمًا، ولكن نظرًا لأن الاستهلاك العالمي يبلغ حوالي 100 مليون برميل يوميًّا، فإن هذا الانخفاض لم يعد ملموسًا. وقد انعكس هذا في الأسواق حيث استمرت أسعار النفط في الهبوط، حتى بعد هذا الإجماع؛ ما يدل على تشكك الجمهور العام فيما إذا كانت هذه التخفيضات كافية بما يكفي لتثبيط الطلب على النفط والتشكيك في قدرة أوبك بلس على التوصل إلى اتفاق مستقبلي.

أسعار خام غرب تكساس الوسيط تواصل الهبوط سلبًا

شهد 20 أبريل انخفاض أسعار خام غرب تكساس الوسيط من 17.85 دولارًا إلى سالب 37.63 دولارًا أمريكيًّا، أي انخفاض بنسبة أكثر من 300٪، وهو أكبر انخفاض ليوم واحد للخام الأمريكي في التاريخ. وقد بدا الذعر واضحًا في سوق العقود الآجلة مع اقتراب انتهاء عقد مايو، وتداول التجار حول كيفية استلامهم براميل النفط الحقيقية عندما تصل مواقع التخزين إلى أقصى حد. في المقابل، تم تداول عقد يونيو بأحجام أعلى 70 مرة وارتفع إلى 21 دولارًا، ودخل سوق العقود الآجلة (سوبر كونتانجو).

وأدى هذا الانتشار الكبير في الشهر الآجل إلى عدم رغبة التجار في التسجيل، كما أنهم لم يرغبوا في الاحتفاظ والاستلام، وبالتالي غادروا بدلًا من ذلك. وتسبب ضغط انتهاء الصلاحية هذا في بيع عقود مايو بشكل أكبر مما دفع السعر إلى الهبوط بشدة، ما زاد من الشعور بهبوط السوق. وقد حدث كل هذا مع اقتراب موسم زيادة الطلب الصيفي، حيث يستعد المنتجون لزيادة الإنتاج في فصل الصيف، ما يجعل من الصعب للغاية ومن غير المحتمل أن يتم إيقاف تشغيل منصات النفط بسرعة كافية وحماية المنتجين من فائض إضافي.

خام غرب تكساس الوسيط مقابل برنت

يحدث هذا في الوقت الذي ظل فيه خام برنت أكثر استقرارًا، منخفضًا بنسبة 3.4٪ في 20 أبريل. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن خام برنت يمكن نقله عبر البحر ويمكن نقله بسهولة عبر خطوط الأنابيب المختلفة وتخزينه من خلال التخزين العائم. ويسعى التجار بشكل متزايد إلى تخزين النفط بهذه الطريقة حيث أصبحت مرافق التخزين البرية مجدودة بشكل متزايد، وهذا هو الفرق الرئيسي بين خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط الذي يتم تسليط الضوء عليه حاليًا.

ولذلك فإن الولايات المتحدة تكافح لأنها تتجه بسرعة شديدة إلى طاقتها الكاملة في مركز التخزين الرئيس في كوشينج بأوكلاهوما. إذ ارتفعت مساحة التخزين بنسبة 48٪ لتصل إلى 55 مليون برميل في اليوم تقريبًا منذ نهاية فبراير، ووفقًا لإدارة معلومات الطاقة، فإن سعة التخزين في موقع التخزين تبلغ 76 مليون فقط.

آفاق المستقبل

كان التسعير السلبي اتجاهًا شائعًا في أسواق السلع، فبينما تتراجع أسواق الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة بسبب قلة مساحة خط الأنابيب، فغالبًا ما تنخفض أسواق الكهرباء، خاصة في كاليفورنيا، إلى ما دون الصفر بسبب الطاقة الشمسية الزائدة. ولذلك يمكننا أن نفترض أن هناك احتمالًا كبيرًا بأن يستغرق خام غرب تكساس الوسيط بضعة أسابيع ليبدأ في التعافي.

مؤشرات مدى سرعة هذا الارتداد، تكمن جزئيًّا في عقد يونيو، الذي يتوقع المحللون في مؤشر جولدمان ساتشس أنه من المرجح أن يشهد ضغطًا هبوطيًّا في الأسبوعين المقبلين، وأن يشهد أيضًا "إعادة توازن عنيفة" في الإنتاج الأمريكي مع اقتراب التخزين من طاقته الكاملة.

وتبعًا لأزمة النفط هذه، سيتم إغلاق الإنتاج القسري حيث لا يترك فائض العرض هذا خيارًا آخر سوى ترك النفط في الأرض.

وما لم تتمكن الولايات المتحدة من حل مشكلة التخزين، بغض النظر عن أي ارتفاع غير واقعي في الطلب، فمن المحتمل أن ترى العقود المستقبلية تراجعًا للأسفل إلى أرقام فردية. خاصة عقود 20 يونيو و20 يوليو، حيث من غير المحتمل أن يتغير وضع التخزين هذا في أي وقت قريب؛ نظرًا لأن التخزين العائم أعلى بكثير من متوسط ​​5 سنوات، فإن الوصول إلى السعة القصوى في كوشينج لن يؤدي إلا إلى زيادة أسعار الخزان.

من حيث الاقتصاد الكلي، قضت جائحة كورونا على ما يقرب من 25 مليون وظيفة في الولايات المتحدة، وأخرج جميع الوظائف التي تم إنشاؤها منذ فترات الركود في عامي 2003 و2008. فيما خفضت البنوك المركزية على مستوى العالم أسعار الفائدة، وأعادت بدء التسهيل الكمي، وقدمت محفزات مالية أخرى لمحاولة إبقاء الاقتصاد في حالة تعويم. وعلى الرغم من تعافي ستاندرد آند بورز 500 من حوالي نصف خسارته البالغة 35٪ تقريبًا منذ أعلى مستوياته في فبراير، إلا أنه من المرجح أن يحدث انخفاض آخر خلال العام المقبل لكل من الأسهم العالمية ومعدلات التوظيف. ولا تزال العواقب طويلة الأمد لجائحة كورونا غير معروفة. وفي غضون ذلك، يمكن رؤية تأثير الانكماش الاقتصادي عبر الاقتصاد العالمي، حيث تحاول البنوك المركزية الحفاظ على بقاء الاقتصادات مع استمرار جائحة كورونا في إضعاف الأعمال التجارية، وشل عمليات النقل في جميع أنحاء العالم.

من المستفيد من هذه الأزمة؟

بينما تحل الكارثة بأسواق النفط، نرى تفاعلًا مضادًا قطبيًّا في أسواق الطاقة المتجددة، حيث تعتمد الولايات المتحدة بشكل متزايد على مصادر الطاقة المتجددة، بينما ترتفع حصة مصادر الطاقة المتجددة في جميع أنحاء العالم إلى 43٪ في المملكة المتحدة وأوروبا. تتمتع مثل هذه الأحداث بإمكانيات عالية لدفع حوافز الاقتصادات العالمية إلى زيادة استخدام مصادر الطاقة المتجددة وتخفيف الاعتماد على الوقود الأحفوري. بالإضافة إلى شركات الطاقة المتجددة، فإن الدول المستوردة الرئيسية مثل الصين والهند لديها أيضًا فرصة للربح، إذ يسمح استمرار المخاطر والتقلبات في أسواق النفط بوجود أسعار أرخص للمستوردين.

الخاتمة

من المرجح أن يكون فيروس كورونا هو المحفز الذي يضع حدًّا لأطول دورة في الأسواق أمريكية في التاريخ. ومع نفاد الأدوات ببطء من بنك الاحتياطي الفيدرالي، من المرجح أن يشهد استمرار الاقتصاد في الانكماش مع ارتفاع معدلات البطالة ومطالبات الوظائف.
ومع انخفاض الطلب على النفط وإثبات أن السيطرة عليه أصعب مما كان متوقعًا، فإن مواقع التخزين الأمريكية ستصل إلى السعة القصوى. أما على المدى القصير، فلن يؤدي أي تغيير في الطلب إلى انخفاض أسعار النفط. لذا سيتعين على المرء الانتظار ومعرفة ما تخبئه أوبك لمعرفة ما إذا كان وقف العرض كافيًّا لتعويض مذبحة الطلب أم لا.
 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق