ذا ناشيونال| الاحتجاجات الشعبية والانهيار المالي يُضعفان موقف حزب الله في لبنان


٠٨ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

قد يقول البعض إنه نظرًا للأزمة التي يعيشها لبنان اليوم، فإن مشروع حزب الله في البلاد أصبح ميتًا، ولكن هذه التصريحات مبالغ فيها.
لا يزال حزب الله قوة فعّالة في المجتمع اللبناني، وذلك نظرًا لوجود آلاف من رجاله المسلحين ومخزونه الصاروخي والدعم الإيراني ومساندة جزء كبير من المجتمع الشيعي المتدين له. لكن الصحيح أيضًا اليوم أن قدرة الحزب على التصرّف بوصفه ذراع إيران الرادعة ضعفت كثيرًا بسبب الوضع الداخلي اللبناني، وهذا ربما لن ينتهي قريبًا.

ما خطة حزب الله؟ من حيث المبدأ، تتمثل خطته في تحويل البلاد إلى ما يسمى "بلد مقاوم" يكون مركزًا للنفوذ الإيراني، وثقلًا موازنًا لإسرائيل والولايات المتحدة. الافتراض الشائع هو أن هذا الحزب المسلح نجح في تحقيق هذا الهدف.

لكن هل حقًّا نجح؟

يمتلك حزب الله نفوذًا على الدولة اللبنانية، لكن نفوذه ساعد أيضًا على إفلاس لبنان وتقويضه؛ ما أثّر سلبًا على قدرات الحزب.

لكن ثمة أسباب عديدة لذلك؛ فبحمايته لطبقة سياسية فاسدة والسماح لها بنهب البلاد، صار حزب الله مسئولاً جزئيًّا عن انهيار النظام المالي اللبناني في أكتوبر الماضي. في ذلك الوقت، أدرك الأمين العام للحزب "حسن نصر الله" مخاطر الاحتجاجات الشعبية ضد الطبقة الحاكمة وحاول تحييد الغضب الشعبي. لكنه فشل.

سعى حزب لله لأسابيع للاحتفاظ ببعض السيطرة على النظام الذي خسر شرعيته بشكل كامل، وفي يناير ظن الحزب أنه نجح عندما شكّل حكومة ووصل حلفاؤه للسلطة. لكن الوضع كان بالتأكيد مختلًا، فقد أصبح لبنان مفلسًا وتعطّل مئات آلاف الناس عن العمل واضطرت الأحزاب السياسية لإعادة حساباتها.

هذا أفقد حزب الله شرطين أساسيين مطلوبين لكي يشنّ الحزب حربًا على إسرائيل، في حال طلبت منه إيران فعل هذا. الشرط الأول هو قدرة لبنان على امتصاص الانتقام الإسرائيلي وإعادة بناء نفسه، كما حدث في عام 2006. والشرط الثاني هو وجود حدّ أدنى من التوافق الداخلي المطلوب لدعم برنامج "المقاومة" الذي يتبناه الحزب.

إن إفلاس لبنان يعني أنه في حال اندلاع حرب مع إسرائيل، سيعجز البلد عن التعافي من الدمار الذي سيسببه الإسرائيليون. الأسوأ من هذا، أنه وبسبب حزب الله، عزل لبنان نفسه عن معظم الدول العربية التي ربما كانت يومًا ما مستعدة لتمويل إعادة إعماره، لهذا، فإن الضرر هذه المرة سيكون دائمًا.

كما لا تستطيع بيروت مطالبة إيران، التي ترعى الحزب اقتصاديًّا، لمساعدتها لأن إيران ببساطة لا تمتلك الوسائل لفعل هذا.
إن الانقسام في الطبقة السياسية الذي أفرزته الحركة الاحتجاجية الشعبية، يعني أن ما من توافق واضح في البلاد لدعم فكرة ذهاب الحزب لحرب ضد إسرائيل.

اليوم، أصبح أشدّ منتقدي الحزب هم حلفاء الحزب المقرّبون داخل التيار العوني، وهو فصيل مسيحي يتزعمه وزير الخارجية السابق "جبران باسيل". إن انتقادات العونيين ربما تكون مرتبطة باختلافات محلية، لكن عندما يُعلن "زياد أسود"، وهو شخصية عونية بارزة، أن لبنان "لا يمكنه حمل بندقية والشعب جائع"، فهو بذلك يعبّر عن وجهة نظر واسعة الانتشار في لبنان.

ومن دون دعم محلي، ستتعطل قدرة حزب الله على شن حرب بشكل كبير. سيُلام الحزب بأنه ضحّى بلبنان من أجل إيران. سيضطر مئات آلاف الشيعة المشرّدين للبحث عن ملجأ في مناطق معادية للحزب، ما سيزيد من حدّة الانقسامات وربما حدوث صراع أهلي. هذا يعد كابوسًا لحزب الله، لأنه قد يُدخله في أتون صراع أهلي قد لا ينتصر فيه، ما سيلغي فائدة الحزب لإيران.

غير أن هذه الفائدة التي يمثلها حزب الله لإيران مشكوك فيها حتى في يومنا هذا. لقد افترض الحزب بغطرسة أن لبنان بات موجودًا بشكل راسخ في المعسكر الإيراني. قد تكون سيطرة الحزب على الدولة مضمونة، لكن سيطرته على المجتمع ليست كذلك. وبالرغم من سيطرته على الدولة، غير أن مؤسسات مهمة في الدولة، مثل الجيش، تُجاري الحزب فقط لكنها تظل مستقلة وقد تبتعد عن الحزب في حال تغيرت موازين القوى في البلاد.

هناك عامل أساسي آخر في تقييد قدرة الحزب على الانخراط في حرب مع إسرائيل، وهو الوضع في سوريا. حتى بداية الحرب الأهلية السورية عام 2011، زوّدت دمشق الحزب بعمق استراتيجي في حال اندلاع حرب. كان من الممكن نقل الرجال والسلاح عبر الأراضي السورية لتعزيز قوة الحزب في لبنان. لكن اليوم، صار أغلب المجال الجوي السوري خاضعًا لسيطرة روسيا وإسرائيل، اللتين تعارضان، سواء بالفعل أو الامتناع عن الفعل، تحوّل سوريا لقاعدة إيرانية أمامية.

تتمحور استراتيجية إيران الإقليمية حول استغلال ضعف المؤسسات في العديد من الدول العربية لخدمة مصالحها. لقد دفع لبنان والعراق وسوريا واليمن ثمن هذا. في كل بلد من هذه البلدان، أنشأت إيران جماعات مسلحة مستقلة موازية للمؤسسات الحكومية، ما قوّض هذه البلدان. في الواقع، تكسب إيران النفوذ عبر تدمير الدول المستهدفة.

اليوم، لم يعد حزب الله قادرًا على توجيه الدولة والمجتمع اللبنانيين وفقًا لأهوائه الإقليمية، وعلى إجبار طوائف لبنان على الموافقة على أفعاله، وعلى ضمان الشرعية من زعماء البلد. لا يزال الحزب قويًا، لكن الأسس التي بنى عليها نظامه في لبنان انهارت، وربما تكون هذه هي المشكلة في نهج إيران: هي تترك البلدان مُنهكة تمامًا؛ ما يسمح لوكلائها في النهاية بالسيطرة على قلاع رملية هشّة ومضطربة.

عندما تنظر إيران إلى لبنان، ماذا ترى؟ ترى حليفا محليًّا يترأس دولة محطمة، شعبها غاضب ويرفض أن يعاني من أجل إيران. كما لا يستطيع حزب الله الذهاب لحرب مع إسرائيل دون احتمال تدمير وضعه الداخلي. كل هذا لن يجعل الإيرانيين يغيرون استراتيجيتهم، لكنه يثير تساؤلات حقيقية بشأن قيمة هذه الاستراتيجية اليوم.  

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق