فورين بوليسي| الولايات المتحدة لن تتعلم شيئًا من جائحة كورونا


٠٩ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

إذا كان هناك أي شيء تعلّمه الأمريكيون منذ الحادي عشر من سبتمبر، فيجب أن يكون شدة التشكك من القادة الذين يستهلون كلامهم بجملة: "إذا تعلمنا أي شيء من الهجمات التي وقعت في 11 سبتمبر". ونادرًا ما يأتي التأكيد التالي لهذه الجملة بأي دروس واقعية حول أسباب وعواقب تلك الهجمات الكارثية. وبدلًا من ذلك، يتم استخدام "11 سبتمبر" عادةً لتبرير أي سياسة يفضلها القائد في المقام الأول– غالبًا ما يرغب في زيادة الإنفاق العسكري، أو المراقبة الموسعة على المواطنين، أو تعذيب المشتبه في أنهم إرهابيون، أو غارات جوية مكثفة، أو نشر القوات إلى أجل غير مسمى.

إن عدم قدرة معظم القادة السياسيين والعسكريين على التعلم بإخلاص من الأزمة الوطنية التي حدثت منذ 19 عامًا أمر مهم لكيفية اختيار الولايات المتحدة للتعلم من جائحة كورونا التي تتفاقم ببطء. فمع ما يقدّر بنحو 2 مليون حالة مؤكدة، و110 ألف حالة وفاة، وانتشار اضطراب مجتمعي واقتصادي، يقدّم الفيروس حدثًا مركزًا يمكن من خلاله أن يكون لدى القادة السياسيين والمسئولين الحكوميين فهم مشترك لما حدث ولماذا حدث ومن الذي ينبغي أن يحاسب على ذلك، وكيف يمكن تجنبها.

يجب أن تكون الأهداف القادمة التقاط النتائج الرئيسية، والتأكد من تعلمها، وتذكرها، ثم استخدامها في تطوير السياسات في المستقبل. أما إذا فشلت الولايات المتحدة بشكل جماعي في القيام بذلك فيما يتعلق بأزمتها الأخيرة، فإن "فيروس كورونا" سيصبح بالتأكيد (11 سبتمبر) آخر، والذي يعدّ مبررًا أجوف لأي شيء وكل شيء، بغض النظر عن مدى عدم ارتباطه أو عدم أخلاقيته أو تكلفته. إن المعاناة التي يعاني منها الملايين من الضحايا، والتضحيات التي قدمها عشرات الملايين من المتخصصين في الرعاية الصحية ستذهب سدى وسوف تُنسى، ولن تقدّم سوى القليل من الإرشادات حول تفكير وسياسات أمريكا مستقبليًّا.

ومع ذلك، ستكون هناك تحديات هائلة للتعلم الجماعي للأمة بسبب الطبيعة الفريدة للوباء. ففي الوقت الحاضر، يعيش جميع الأمريكيين بدرجات متفاوتة تحت ضغط التأثيرات السياسية والاقتصادية والمجتمعية والشخصية لفيروس كورونا. ويستمعون إلى الإحاطات الحكومية لمعرفة المزيد عن فرص العمل، ويقرأون الأخبار عن أي تقارير عن التقدم المحرز في علاجات الكوكتيل أو اللقاحات المعجزة، ويرصدون الاتجاهات في معدلات الإصابة والوفيات في جميع أنحاء البلاد. إن ظاهرة فيروس كورونا تحيط بهم وآمالهم وتوقعاتهم للمستقبل.

من المرجح أن تتبدد هذه الأزمة الوطنية وتتراجع من الذاكرة الجماعية بشكل أسرع مما يتوقع المرء. وبالمقارنة، سرعان ما نُسِيَت معظم الحقائق الأساسية فيما يتعلق بأحداث 11 سبتمبر، ففي غضون ثلاث سنوات، لم يستطع 1 من كل 5 أمريكيين– ممن شملهم الاستطلاع– تذكر عدد الطائرات المدنية المشاركة (والتي كانت أربع طائرات)؛ وفي غضون ست سنوات، زعم 41% أن صدام حسين "كان متورطًا بشكل مباشر في تخطيط أو تمويل أو تنفيذ" الهجمات (وهو ما لم يكن في الحقيقة)؛ وفي عام 2019، اعتقد 23% بقوة أو إلى حد ما "في نظرية المؤامرة أن 11 سبتمبر كان عملًا داخليًّا" (وهو ما لم يكن كذلك). نسي عدد كبير من البالغين أو تذكروا بشكل خاطئ، أو تبنوا معتقدات جديدة كاذبة تمامًا حول الكارثة، وذلك بسبب ما شاهدوا من فيديوهات على اليوتيوب، أو عدم الثقة في الحكومة.

في حين كان 11 سبتمبر حادثةً امتدت ليوم واحد، كانت جائحة كورونا تجربة ناشئة تدريجيًا لمدة نصف عام أثرت على الأمريكيين بشكل مختلف تمامًا، وفي أوقات مختلفة، وفي مواقع جغرافية مختلفة. كان الأول حدثًا محمولًا أصبح محفورًا (إلى حد ما) في أذهان الناس، والأخير خطر غير مرئي يشتد ويضعف، جزئيًّا، استنادًا إلى عوامل يتحكم فيها الأشخاص بشكل محدود، مثل ما إذا كان مطلوبًا منهم العمل عن قرب مع الزملاء أو العملاء.

بالإضافة إلى ذلك، في حين أعلن العديد من المشاهير والشخصيات العامة عن إصابتهم، وتعافى معظمهم لحسن الحظ، كما هو الحال بالنسبة للغالبية العظمى من المصابين. ولكن لا يوجد "وجه" لضحايا فيروس كورونا، وقد حدثت 42% من جميع الوفيات في أماكن بعيدة عن دائرة الضوء، في دور رعاية المسنين ومرافق الرعاية الدائمة، وهذا أمر مهم؛ لأن القصص الفردية تطبع أعمق في ذكريات الناس، ولدينا القليل جدًا منها، وحتى عدد أقل من الأصوات أو الصور التي لا تنسى لحظاتهم الأخيرة. وفي حين أن 11 سبتمبر هو تاريخ يتعهد فيه قادة كلا الحزبين بعدم النسيان أبدًا، يمكن أن يصبح كورونا حجة حزبية للإحصاءات الانتقائية المقنعة.

لكل هذه الأسباب، من المحتمل أن تنسى البلاد أو تخطئ في تذكر جائحة كورونا بشكل أسرع وبدرجة أكبر بكثير من أحداث 11 سبتمبر. ولسوء الحظ، فإن هذا سيمكن السياسيين والمسئولين الحكوميين من حرية أوسع لنشر "فيروس كورونا" بلا تفكير دفاعًا عن السياسات والبرامج غير ذات الصلة تمامًا. لقد رأينا هذا بالفعل بقرار إدارة ترامب بحظر الهجرة القانونية من كندا أو المكسيك، وهما دولتان بهما معدلات الإصابة بفيروس كورونا أقل بكثير من الولايات المتحدة.

وقد دافع مسئولو البيت الأبيض عن هذا الإغلاق المتشدد للحدود قبل وقت طويل من تفشي الوباء. والآن استخدموا حجة الخوف للسماح بتنفيذه. ورغم ذلك، هناك طريقتان عمليتان يمكن للولايات المتحدة أن تتعلمهما من فيروس كورونا، والتأكد من تذكر دروسها بمرور الزمن.

الأولى: يجب هزيمة الرئيس "دونالد ترامب" في نوفمبر. كما كتبت في عمودي الأخير: "بمجرد أن يصدق ترامب أي شيء على الإطلاق– بغض النظر عن مدى سوء التفكير أو عدم الاطلاع أو عدم الدقة– فإنه لا يزال مرتبطًا تمامًا بهذا الانطباع أو الحكم الأولي". والأسوأ من ذلك أن انطباعاته الأولية يتم اعتمادها وإصدارها من قبل كل مستشار وعضو في مجلس الوزراء؛ لأن ترامب قرر أنه لا لوم تمامًا على فيروس كورونا، وفي فترة ولاية ثانية، سترفض إدارته – وبالتالي جميع الجمهوريين في الحكومة – التعاون بإخلاص مع أي تحقيق. وبما أن ترامب لا يستطيع أن يتعلم، فلن تتعلم أمريكا أيضًا إذا ما أعيد انتخابه رئيسًا.

الثانية: يجب على "جو بايدن"، إذا تم انتخابه وعند توليه منصبه، أن يؤيد علنًا لجنة ذات مصادقة من الحزبين يسمح لها بدراسة وتجميع وتقديم جميع الحقائق ذات الصلة المحيطة بجائحة كورونا. وهذا سيتطلب تقييمًا لا يرحم لسجلات الصحة العامة للإدارات السابقة، مثلما قامت لجنة 11 سبتمبر بتوزيع اللوم بشكل صحيح على الهجمات الإرهابية على كل رئيس رجوعًا إلى "رونالد ريجان". ومن ثَمَّ سيتعين على الرئيس بايدن المصادقة على النتائج الرئيسية، والاعتراف بأوجه القصور التي حدثت عندما كان نائبًا للرئيس، والعمل مع الكونجرس لتمرير التشريعات وتفويض التمويل بناءً على توصيات اللجنة، من أجل تقليل احتمالية تقاعس الحكومة عن مواجهة تفشي المرض في المستقبل.

في كلتا الحالتين، سواء نجحت أم فشلت، فستكون كيفية تذكر الولايات المتحدة لهذه الأزمة الوطنية ذات أثر كبير. إن الذكرى المشتركة التي ستصل إليها ستعرفنا بمن هم الأمريكيون وما يسمحون لقادتهم بفعله، سواء للأفضل أم للأسوأ.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق