المستقبل الجيو سياسي | من الصين إلى الهند


١١ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

تشهد العلاقات الأمريكية-الصينية تراجعًا منذ فترة طويلة، وفرت الولايات المتحدة للصين دخول حر نسبيًّا إلى السوق الأمريكية لسنوات، وأرادت الولايات المتحدة دخول مكافئ إلى السوق الصينية، لكن الصين كانت غير قادرة على منحها هذا. لقد أنتجت قاعدتها الصناعية منتجات أكثر مما قد يستهلكه الشعب الصيني، من ناحية الكمية والسعر وأنواع المنتجات. كانت الصين مُصدِّرًا بالإكراه لأن الصادرات وحدها هي ما يمكنها تعزيز قاعدتها الصناعية وبالتالي اقتصادها ونظامها المالي. إن منح الولايات المتحدة دخولًا موسعًا إلى السوق الصينية،وفق النظام المالي للصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، كان سيقوض الأسس المالية للنظام الصيني – وهو نظام موّل إلى حد كبير إقامة النظام الصناعي الصيني، واعتمد على الاستهلاك المحلي والمبيعات الأجنبية لموازنته.

تحت الضغط

تعرّض النظام المالي الصيني لضغوط من قبل 2008. ولذلك لم يستطع الصينيون السماح للولايات المتحدة بامتلاك حقوق تجارية متساوية؛ ما أدى إلى فرض الرسوم الجمركية الأمريكية. لم يكن الصينيون في موقف يسمح لهم بالموافقة على مطالب أمريكا بسبب العواقب المالية التي ستنتج عن ذلك، ولم تكن الولايات المتحدة في موقف يسمح لها بإسقاط الرسوم الجمركية بسبب الواقع الاجتماعي داخل الولايات المتحدة. لقد انتفعت عدة صناعات بدرجة كبيرة من تكاليف الإنتاج المخفضة وإمكانية الدخول الممنوحة انتقائيًا للسوق الصينية،على الرغم من أن الواردات الصينية دمرت بعض الصناعات الأمريكية. لقد مثّل كل منهم مجموعات اجتماعية مختلفة، ويحددوا جزئيًّا التوترات داخل الاقتصاد الأمريكي.


لم تكن هذه قصة جديدة في تاريخ الرأسمالية. من 1890 حتى أواخر عشرينيات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة تشغل مكان الصين. في أواخر القرن التاسع عشر، أطلقت الولايات المتحدة ثورة صناعية والتي اعتمدت على الدخول إلى الأسواق الأجنبية حيث كان الاستهلاك المحلي غير قادر على دعم الوحدات الصناعية. أغرقت البضائع الأمريكية الرخيصة أوروبا حتى بعد الحرب العالمية الأولى، التي مزقت السوق أمام الولايات المتحدة. استمرت الولايات المتحدة في محاولة زيادة الصادرات وأيضًا الحد من واردات المنسوجات اليابانية، على سبيل المثال. في النهاية، أدى انهيار الطلب العالمي على البضائع الأمريكية إلى واردات أجنبية ضرورية لكن ذات نتيجة عكسية، وكان عاملًا مهمًا في دفع الولايات المتحدة إلى الكساد.

إن قصة الصين قصة قديمة حافلة بالتوتر الاجتماعي على كل الجوانب وفرصة اندلاع الحرب. إن الرأسمالية العالمية، المبنية على سلسلة إمداد عالمية، لا تحتاج وإنما تتمتع بمنتِج مميز ومنخفض التكلفة للمنتجات. إن اسمها الآن هو سلسلة الإمداد، وسلسلة الإمداد الأمريكية ضرورية لتشغيل جزء كبير من سلسلة الإمداد العالمية. نفس الشيء صحيح مع الصين؛ فقد قلّصت الحرب العالمية الأولى الواردات وضربت المرحلة الأمريكية من سلسلة الإمداد. نفس الشيء حدث مع الصين نتيجة لأزمة كوفيد-19؛حيث تسبب الضرر الواقع على الاقتصادات المتأثرة في خفض الطلب في معظم البلدان،تاركًا الصين في موقف صعب.

لكن كان هناك بُعد آخر، فقد تعذرت تلبية الطلب المرتفع على بعض المنتجات، مثل المستحضرات الدوائية،وضرب الفيروس أيضًا الصين، وتعطلت سلسلة إمدادها الداخلية أو أُعيد توجيهها إلى الاحتياجات الصينية. لذلك بينما ضربت خسارة أسواق التصدير الاقتصاد الصيني،تلقى أيضًا ضربة من إدراك المستوردين أن الاعتماد على بلد واحد في سلسلة إمدادهم كان ينطوي على مخاطرة كبيرة. كانت الصين تُعدّ مُصدِّرًا موثوقًا، وهو أحد مزاياها الرئيسية. لكن حتى لو كان باستطاعتها تقديم منتجات بتكلفة أقل، فإن هذا بلا فائدة للمستوردين إذا كانت المنتجات التي يحتاجونها غير متوفرة. إن هذا لا يعني أن الثقة في الصين قد اهتزت؛ بل يعني أن نقص الوفرة في سلسلة الإمداد كشف عن خطورة الأمر.

أفضل بديل

يظهر سؤالان: أولاً، بلغت الصين الحدود السياسية لاقتصاد قائم على التصدير بمجموعة متنوعة من التوترات مع الولايات المتحدة وانعدام ثقة كبير في قوة سلسلة إمدادها. يتعين عليها فعل ما فعلته الولايات المتحدة، بعد عقدين من الكساد والحرب، وخلق طلب محلي ضخم لتحريك اقتصادها. وحيث إن الرأسمالية العالمية تفضل المنتِج منخفض التكلفة – أو عدة منتجِين منخفضي التكلفة – فالسؤال الآن هو: من سيأخذ مكان الصين؟ أول خيار واضح هو الهند، البلد الذي يمتلك عدد سكان ضخم ومتنوع وفقير بشكل عام، لكنه يمتلك درجة من الانضباط وريادة الأعمال، مثل الصين في 1980.

غير أن الهند ليست في موقف يسمح لها بالانطلاق. إنها خامس أكبر اقتصاد في العالم  ومُصدِّر رئيسي بالفعل. تُصدّر الصين ما يساوي 2 تريليون دولار في العام، وتُصدّر الهند ما يساوي 345 مليار دولار فقط،وتمثل الصادرات 19% من الناتج المحلي الإجمالي للصين، و14% من الناتج المحلي الإجمالي للهند. تمتلك الصين عدد سكان يبلغ تقريبًا 1.4 مليار نسمة، أي تقريبًا مثل الهند. عندما تنظر إلى هذه الأرقام، يمكنك رؤية قوة عاملة ضخمة ومتوفرة. والأهم من ذلك، الهند دولة أقل اعتمادًا على الصادرات لتحريك اقتصادها، بيد أنها لا تزال فقيرة.

إن السمة الأساسية لنموذج التنمية الأمريكي-الصيني هي قوة عاملة تحصل على أجور منخفضة نسبيًّا ونظام سياسي قائم بنظام اقتصادي واضح.

ببساطة، نمت الهند على الطلب المحلي، ومرحلة النمو التالية ينبغي أن تكون طفرة في الصادرات. وهكذا في اللحظة التي تنخرط فيها الصين في صراع عميق ومتعدد الأبعاد مع أكبر عملائها، تمتلك الهند فرصة فريدة من نوعها لشحن اقتصادها من هذه المشاكل. وحيث إن الهند والصين يعتبران أحدهما الآخر أعداء – كانت هناك مناوشة صغيرة في الهيمالايا الأسبوع الماضي – تمتلك الهند مصلحة استراتيجية واقتصادية في هذه الخطوة.

تمنح المواجهة الهندية-الصينية، التي ترجع لأكثر من نصف قرن،الولايات المتحدة ثغرة من شأنها أن تجعل التحالف الاقتصادي بين الاثنين أكثر جاذبية. إن الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند يطورون أيضًا تحالفًا بحريًّا يُسمى الحوار الأمني الرباعي.الهند على وجه التحديد قلقة من أي تحالف رسمي يتطلب التزامًا. وبدافع عجزها عن رؤية القوى التي ربما تغير مستقبلها، نفذت البحرية الهندية مناورات في غرب المحيط الهادئ مع حلفاء الحوار الرباعي، لاحظ الصينيون هذا، بالطبع، لكنهم افترضوا أن الهند لن تكون متحمسة لفعل أي شيء رسمي، وإنه لن توضع خطة حرب في المحيط الهادئ لا تمتلك التزامًا رسميًّا.

الفرصة تنتظر

ترى الولايات المتحدة كدولة، والكثير من الشركات الفردية الآن أن الاعتماد على دولة واحدة كأساس لسلسلة الإمداد يُعد خطأ. لا يمكن التنبؤ بالوضع في أي دولة، ويشمل هذا كيف يمكن أن تؤثر الجائحة على اقتصادها وطلبها لمنتج حيوي. ومهما كانت العمالة الصينية منخفضة التكلفة جذابة للشركات الأمريكية التي تشتري من الصين أو تنتج فيها، ومهما كانت الوفرة باهظة التكلفة، فإن سلاسل الإمداد الفائضة ضرورية. إن الهند هي الإضافة أو البديل المنطقي للصين، وهي تخدم هذا الدور بالفعل، على الرغم من أنها تفعل هذا بمستوى غير كافي كما تُظهر أرقام صادراتها. لكن تلك الأرقام تُظهر أيضًا أين يمكننا أن نتوقع من الهند أن تُظهر النمو الأكبر.


كانت الهند قوة اقتصادية كبيرة لفترة طويلة. لكن هدفها التاريخي هو الانتقال إلى مستويات الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا، واليابان والصين. إن الفرصة التي تقدمها الجائحة وعلاقات الصين المسمومة الحالية مع الولايات المتحدة تعني أن الشركات الأمريكية تختار الرحيل، والهند متحمسة بوضوح لاستضافتها،بيد أن هذه الخطوة الاقتصادية تصبح حتمًا متشابكة مع الخطوات السياسية والعسكرية.
إن الصين والهند عدائيتان تجاه إحداهما للأخرى بالفعل، والولايات المتحدة والصين تزدادان عداوة،والتحول في سلاسل الإمداد يتعلق جزئيًّا بتلك العداوة. كانت الصين ستمتلك خيارات اقتصادية أكثر إذا لم تكن تواجه الولايات المتحدة. لكن حقيقة أنها تواجهها تخلق إمكانيات اقتصادية للهند.

والهند تعلم بالتأكيد بوجود بلدان أخرى كثيرة يمكنها أن تملأ وتريد أن تملأ تلك الفجوة. إن تغيير سلسلة الإمداد يستغرق وقتًا في بعض الحالات، لكن تحديد إلى أين تتغير لا يفعل.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الهند الصين

اضف تعليق