ناشيونال إنترست| روسيا تحوّل منطقة القطب الشمالي إلى كارثة اقتصادية


١١ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

كان تسرّب عشرين ألف طن من وقود الديزل الأسبوع الماضي من مدينة "نوريلسك" الروسية في القطب الشمالي، آخر حلقة في سلسلة كوارث بيئية وإنسانية واقتصادية ستعجز روسيا عن التعامل معها بمفردها، حيث إن هذه الكارثة مزدوجة نظرًا لأن ذوبان الأرضية الجليدية - وهو مشكلة منفصلة - هو الذي تسبب في انهيار أحد أعمدة مخزن الوقود. تسرّب وقود الديزل لمسافة سبعة أميال من الموقع، محولًا أحد الأنهار المحلية للون الأحمر. بالرغم من أن هذا التسرّب لا يصل لمستوى كارثة ناقلة "ExXon Valdez" التي تسرّب منها نحو 37 مليون طن من النفط عام 1989، بيد أن السبب الخفي الكامن وراء الكارثة الحالية أكثر إزعاجًا. ولأن هذه الكارثة تمسّ مشاكل بيئية بعيدة الأثر في منطقة القطب الشمالي، فإنها تُصبح مشكلة سياسية عابرة للحدود الوطنية أيضًا.

أعلن الرئيس الروسي حالة طوارئ، واعتقل مدير محطة الكهرباء، وعبّر عن غضبه عما حدث. إن الكوارث البيئية في القطب الشمالي الروسي هي مشكلة قديمة العهد، حيث تسبب تسرّب عام 2016 ناتج عن فيضان سدّ ترشيح في محطة الكهرباء ذاتها في تلويث نهر آخر. إن مدينة "نوريلسك" هي الأسوأ بيئيًّا مقارنة مع مدن أخرى، وتُعدّ رسميًّا أكثر مدن روسيا تلوثًا. تُطلق منشآتها الصناعية التي تعود للعهد السوفيتي مليوني طن من الغاز في الجو كل عام، وتقول وكالة "ناسا" إن هذه المدينة التي يقطنها عدد صغير نسبيًّا من السكان يبلغ 180 ألف نسمة، مسئولة عن 1 بالمائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت في العالم. أما تضاريس المدينة الشبيهة بسطح القمر، التي تبلغ ضعفي حجم جزيرة "رود آيلاند"، فهي خالية من الأشجار بسبب الضباب الدخاني والأمطار الحمضية المتواصلة. إن متوسط أعمار سكان المدينة أقل بعشر سنوات من سكان مدينة موسكو، ويبلغ معدل الإصابة بالسرطان ضعفي المعدل في بقية مناطق روسيا. لقد كانت مدينة "نوريلسك" منطقة كوارث بيئية قبل ذوبان أرضيتها الجليدية بزمن طويل.

إن "نوريلسك" هي فقط واحدة من المدن الروسية القطبية التي تقع على خطوط المواجهة الأمامية مع التغير المناخي. لقد عانت مدن أخرى مثل فوركوتا وتيكسي وماغدان ومورمانسك من تضرر بنيتها التحتية، وانخفاض تعداد سكانها، ومن التلوث، وغياب الاستثمارات في البنية التحتية، بالإضافة إلى عُزلة هذه المدن عما يسميه سكانها "الوطن الأم" روسيا، فضلًا عن فقدان السكان الأمل من تغيّر طريقة التفكير السوفيتية الخاصة بإقامة "مدن أحادية" (أي المدن التي تهيمن عليها شركة صناعية واحدة).

مدينة نوريلسك هي نموذج جيد على كل ما هو خطأ في القطب الشمالي الروسي. هي تقع في منطقة غنية تحتوي على أكبر مخزونات العالم من النحاس والكوبالت والبلاتين والفحم. لكنها مثقلة بإرث معسكرات "الغولاغ" التي بُنيت في ثلاثينيات القرن الماضي والتي كان يعمل فيها المساجين. تُعد نوريلسك أيضًا مدينة "مغلقة"، وهذا يعود للزمن السوفيتي عندما صُنفت المدن على أنها استراتيجية بسبب قواعدها العسكرية أو أصولها الصناعية. من الصعب تبرير هذا الانغلاق في عصرنا الحديث نظرًا لأن الشركة الوحيدة في المدينة "نرويلسك نيكل" جرى خصخصتها عام 1997. 

بُنيت مدينة "نوريلسك"، مثل العديد من مدن القطب الشمالي الأخرى، على أرضية جليدية دائمة. تعاني 60 بالمائة من مباني المدينة من انهيارات بسبب ترقق الطبقة الجليدية، كما أُعلنت 10 بالمائة من المباني بأنها غير صالحة للسكن. مدينة نرويلسك ليست لوحدها. ففي عموم مناطق القطب الشمالي الروسي، تُقدّر الخسائر الاقتصادية لانهيار المباني نتيجة لذوبان الأرضية الجليدية بما يزيد على 2 مليار دولار كل عام. لكن بعد أن ينقضي أمد طويل على احتواء حادثة تسرّب وقود الديزل، سيتواصل الخطر الأكبر المتمثل في ذوبان الأرضية الجليدية، والذي يعد مشكلة أكثر صعوبة في حلها.   

اعتاد الأوربيون على التأقلم مع مشاكل روسيا البيئية. عملت النرويج بهدوء منذ التسعينيات على مساعدة روسيا على التخلص بأمان من المخلفات النووية للغواصات السوفيتية، مُستعينة بتكنولوجيتها لوضع خطة لتأمين 22 ألف من عناصر الوقود النووي المستهلك وآلاف أمتار المخلفات المشعة والصلبة، إذ جرى تخزين بعضها في مناطق خالية في حاويات صدئة. كما دفعت إيطاليا مقابل سفن مصممة لهذا الغرض. في هذا العام، عندما زعمت روسيا عجزها عن تحمل التكاليف المالية، بدأت النرويج في دفع الفاتورة، متحججة بأن هذا سيعطيها فكرة أفضل عن الوجهة النهائية للتخلص من النفايات، التي تُنقل عبر السكك الحديدية إلى إحدى محطات إعادة المعالجة شرق منطقة الأورال. 

ربما تشعر روسيا بالبهجة بسبب احتمال جنيها فوائد اقتصادية من ذوبان المحيط القطبي، في وقت تطوّر فيه "طريق بحر الشمال" ومنصّات غاز طبيعي مسال، تمولها بالدرجة الأولى الصين. بالمثل، تصوّر روسيا حشدها العسكري في القطب الشمالي بأنه مسألة فخر وطني. لماذا تعالج مشاكل بيئية عصيّة على الحل في وقت يمكنك فيه الترويج لرواية "روسيا عادت"؟ ولماذا تساعد دولة تبدو مشاكسة وعدوانية؟

الإجابة تكمن في أن المشاكل البيئية عادة ما تتجاوز الحدود، والحل يكمن في مجتمع دول المحيط القطبي الشمالي، وهو مجموعة تضمّ الولايات المتحدة. هناك سابقة للتعاون. دفعت كارثة تشيرنوبيل عام 1986 المجتمع الدولي لإنشاء منتدى للتعاون في مواجهة أزمات القطب الشمالي البيئية. تولت فنلندا دور الزعامة وذلك عقب شعورها بالقلق من الضرر الذي أصاب غاباتها الشمالية بسبب مصاهر المعادن السوفيتية. تطوّر هذا المنتدى تدريجيًّا ليصبح "مجلس القطب الشمالي" وهو كيان فريد يضم جميع دول القطب الشمالي الثمانية، من بينها روسيا، التي من المقرر أن تتولى الرئاسة الدورية الممتدة لعامين في سنة 2021.

إن مجلس القطب الشمالي هو واحد من الكيانات القليلة التي لم تشملها العقوبات التي فُرضت عقب غزو روسيا للقرم وشرق أوكرانيا عام 2014. هناك أيضًا مجموعات قطبية شمالية أصغر وأكثر تخصصًا، وتثبت هذه الكارثة ضرورة الإبقاء على خطوط الاتصال مفتوحة حتى في أصعب الأوقات. ربما تصل حادثة التسرّب المقبلة شواطئ دول أخرى؛ لذا من المفضل وضع آليات قبل وقوع الأزمة المقبلة.

الدرس الأهم بالطبع هو لروسيا؛ لأنه سيكون من الصعب عليها التعامل مع تسرّب وقود مدينة نوريلسك. فالنهر المتضرر ضحل وليست هناك طرق لمساعدة العمال على الدخول والخروج من المنطقة، ويُعزى هذا جزئيًا لندرة السكان ووضع مدينة نوريلسك باعتبارها مدينة مغلقة. علِم بوتين والعالم بشأن التسرّب عبر مشاركات وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن حاول مُشغلو محطة الكهرباء التعامل مع التسرّب بمفردهم. إن تبنّي روسيا لمبدأ الشفافية والمحاسبة والاهتمام بالنظام البيئي الهشّ في القطب الشمالي، هو أمر تأخر تنفيذه كثيرًا.

إن ذوبان الجليد في المحيط القطبي الشمالي وذوبان الأرضية الجليدية في أراضي القطب الشمالي، خلقا مشاكل مشتركة لجميع دول القطب الشمالي. مع هذا، تمتلك روسيا أكبر تجمّع سكاني في منطقة القطب الشمالي، وأسوأ بنية تحتية هناك، وهي أكبر الخاسرين من ارتفاع درجات الحرارة. تقع نصف حقول النفط والغاز الروسية تقريبًا في مناطق سيؤدي تواصل ذوبان الأراضي الجليدية فيها لإلحاق ضرر شديد بالمباني والطرق والصناعة. هناك شيء واضح: هذا التسرّب لن يكون آخر حادثة تسرّب تشهدها منطقة القطب الشمالي الروسية.  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق