بلومبرج | مقارنة عام 2020 بعام 1968..الأول قد يكون أسوأ


١٣ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

ترتفع حصيلة القتلى الأمريكيين وتزداد، فيما يخشى رئيس غير شعبي من تراجع فرص إعادة انتخابه. وبينما ترسل الولايات المتحدة رجالها إلى الفضاء؛ يواجه الاقتصاد الأمريكي الكثير من المتاعب على الأرض،وتتصاعد التوترات العرقية إلى مسيرات وعمليات نهب ومواجهات عنيفة مع الشرطة في المدن بجميع أرجاء البلاد، ويتكثف الاستقطاب السياسي وتتسع الفجوة بين الأجيال.

وحيال هذه المشاكل، يفكر الرئيس في اللجوء إلى قانون الانتفاضة لعام 1807، الذي يمنح الرئيس سلطة نشر القوات المسلحة والحرس الوطني في أية ولاية.

نعم، كما أشار عدد كبير من الكتّاب من جميع ألوان الطيف السياسي، مثل ديفيد فروم وجيمس فالوز وماكس بوت وجوليان سيليزر وزخاري كارابيل، فإن عام 2020 يبدو مثل عام 1968. وبالنسبة لفيتنام، استبدلهابفيروس كورونا،وبالنسبة لـ"ليندون جونسون"، استبدله بـ"دونالد ترامب". وبالنسبة للهبوط الناجح على القمر لمركبة الفضاء أبولو 8،استبدله بـ "إرساء سبيس دراجون من طاقم دراجون مع محطة الفضاء". وبالنسبة لواشنطن وشيكاغو والعديد من المدن الأخرى في عام 1968، استبدلها بمدن مثل مينيابوليس وأتلانتا والعديد من المدن الأخرى في الأسابيع القليلة الماضية.

ورغم اعتراض "مايكل كوهين"، كاتب عمود بصحيفة "بوسطن جلوب"، بأننا نتعامل اليوم مع جائحة،لكن في الواقع، حدثت واحدة في عام 1968 أيضًا، وهي: "أنفلونزا هونجكونج"، الناجمة عن فيروس الإنفلونزا "A/H3N2"، والذي تسبب في نهاية المطاف في وفاة أكثر من 100 ألف شخص في الولايات المتحدة، ومليون شخص في جميع أنحاء العالم. من السهل أن ننسى أن وودستوك، في العام التالي، كان حدثًا واسع الانتشار.

صحيح، منذ أن قتل "ديريك شوفين"،"جورج فلويد" في أحد شوارعمينيابوليس ليلة الاثنين 25 مايو، كانت هناك احتجاجات وأعمال شغب في عشرات المدن الأمريكية،وفُرض حظر تجول أكثر من أي عام منذ (نعم توقعك صحيح تمامًا) عام 1968. لكن هل هذا هو التشبيه الصحيح؟ أم أن هوس جيل "بيبي بومر" [طفرة المواليد] لسنوات مراهقتهم المثيرة يقودنا، ليس للمرة الأولى، إلى التفكير كثيرًا في أواخر القرن العشرين وليس في فترات أخرى أكثر صلة؟

لآلاف السنين، لاحظ المؤرخون أن الأوبئة يمكن أن تزعزع استقرار المجتمعات التي تضربها. فحول الوباء الأثيني عام 430 قبل الميلاد، كتب ثوسيديديس: "كانت الكارثة ساحقة للغاية لدرجة أن الرجال، الذين لم يعرفوا ما سيحدث بعدهم، أصبحوا غير عابئين بالقواعدالدينية أو القوانين". وأعقب الهزيمة على يد سبرطةفي حرب البيلوبونيز فترة من عدم الاستقرار السياسي، وبلغت ذروتها بانهيار مؤقت للديمقراطية الأثينية عام 411 قبل الميلاد.

كذلك فقد أضعف الطاعونان العظيمان اللذان ضربا الإمبراطورية الرومانية– الطاعون الأنطوني (165-180 م)، والذي ربما كان وباء الجدري، وطاعون جستنيان (542 م)، الذي ربما كان الطاعون الدبلي– هياكل الحكم الروماني؛ما سمح للغزاة البربريين بتحقيق تقدم كبير.

وتظهر دراسة حديثة حول إنجلترا بعد الموت الأسود في أربعينيات القرن الرابع عشر أن جهود طبقة مُلاك الأراضي لتعويض آثار النقص المزمن في العمالة أدت إلى تصاعد التوترات،والتي نجمت عنها في نهاية المطاف ثورة الفلاحين عام 1381م.
وفي جميع أرجاء أوروبا، دفع الموت الأسود إلى موجة من الحركات الألفية، ولا سيما جماعة "إخوة الجلادين"، وهي جماعات من الرجال تجولوا من مدينة إلى أخرى يجلدون أنفسهم اعتقادًا منهم بأن أعمال التكفير قد تحميهميوم القيامة،وغالبًا ما كان لهذه الطوائف الدينية تعهد ثوري وتعارضت مع أنظمة الحكم والسلطة الروحية المحلية.

وقد أدى الدمار الناجم عن موجات الطاعون الدبلي والالتهاب الرئوي– التي قتلت أكثر من ثلث السكان في أجزاء كثيرة من أوروبا– إلى انتشار العنف، لا سيما معاداة السامية. ففي عام 1349، على سبيل المثال، جرى القضاء على المجتمعات اليهودية في كولونيا وفرانكفورت وماينز. وانتشرت نظريات المؤامرة على نطاق واسع أن اليهود هم من تسببوا في الموت الأسود بتسميم إمدادات المياه.

وخُيِّرَ يهود ستراسبورج بين التحول عن ديانتهم أوالموت،وأُحْرِقَمن رفضوا التحول أحياءً في المقبرة اليهودية.

أدى تكرار الطاعون الدبلي في تسعينيات القرن التاسع عشر إلى صراعات بين الحكام البريطانيين ورعاياهم من جنوب إفريقيا إلى الهند. وفي هونولولو وسان فرانسيسكو، أدى إلى اتخاذ العديد من الإجراءات للتمييز ضد السكان الآسيويين المحليين. وغالبًا ما يحدث مثل هذه التمييز العِرقي واتخاذ الجماعات العرقية الضعيفة كبش فداء في المواقف التي يؤثر فيها المرض بشدة على مجتمع معين.

فعندما ضربت أوبئة شلل الأطفال في عامي 1907 و1916 نيويورك البيضاء الغنية بشكل خاص (أما السكان الأكثر فقراً، فقد كان الرضع يتعرضون بشكل روتيني بسبب سوء الصرف الصحي، وبالتالي كانوا أكثر عرضة للإصابة بأجسام مضادة) تم إلقاء اللوم على المهاجرين من جنوب أوروبا، وخاصة الإيطاليين، لتسببهم فيتفشي المرض.

باختصار، يظهر التاريخ أن الأوبئة كثيرًا ما تؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية القائمة بين الطبقات والجماعات العرقية، كما تقدم أمثلة عديدة على الحجر الصحي والقيود الاجتماعية العامة التي تزيد من عدم ثقة المواطنين بالدولة. ففي أوروبا في القرن التاسع عشر، كانت أعمال الشغب بسبب الكوليرا متكررة، من سان بطرسبرج في عام 1831، إلى دونيتسك في عام 1892. وفي أمريكا الشمالية، أدى الحجر الصحي ضد الجدري إلى قيام العامة بحرق المستشفيات ومراكز الشرطة، أما سكان ماربلهيد، بالقرب من بوسطن، فقاموا بأعمال شغب مرتين ضد التطعيم ضد الجدري في 1730 و1773.

جاء انتشار فيروس كورونا من الصين إلى بقية العالم، مع استجابة السلطات الأمريكية غير الملائمة للوباء، لخلق ظروف مثالية لاندلاع الاضطرابات في المدن. لقد أضر المرض بشكل كبير بمجتمعات الأقليات، وخاصة الأمريكيين من أصل أفريقي. ففي الولايات المتحدة– كما هو الحال في المملكة المتحدة– من المرجح أن يعمل الأشخاص الملونون أكثر من البيض في المهن التي تتطلب مهارة أقل و"المعرضة" للعدوى؛ وذلك بسبب المعيشة في ظروف مزدحمة. بالإضافة إلى وجود أمراض مصاحبة مثل السمنة والسكري، وقد أثرت التداعيات الاقتصادية لعمليات الإغلاق على الأمريكيين الأفارقة أكثر من الأمريكيين البيض. وبهذا لا تحتاج حقًا إلى الرجوع لعام 1968 لتفسير ما يحدث عام 2020.

وبصفتي مهاجرًا أبيض ومتوسط العمر من الطبقة المتوسطة العليا، فلست بذلك الشخص الذي يتحدث حول سياسات العرق في الولايات المتحدة؛ لذا لجأت إلى صديق أمريكي من أصل أفريقي، وهو الاقتصادي "رولاند فراير"، الذي عرفته منذ أن كنا زملاء في جامعة هارفارد.

كيف يفسر فراير الاحتجاجات الحالية؟

أخبرني قائلاً: "لقد سئم الناس.. إنهم محبطون من أوجه التفاوت التي يرونها في النتائج التعليمية، ومن عدم المساواة في المحاكم،ومن التمييز العرقي في متوسط العمرالمتوقع". وعندما تضيف إلى ذلك حقيقة أن فيروس كوروناأثّر بشكل كبير على مجتمع السود، يقول: "لقد سئم الناس.. أصبحوا على حافة الهاوية".

مثل هذه المحادثات، مثل أي مقال أو كتاب، تغير طريقة نظرتي إلى قضية ما. فعلى مدار سنوات، كنت أقول بثقة إن عام 1968 كان أسوأ بكثير من الحاضر. ولكن هل يمكن أن يكون الأمر عكس ذلك، ليس من حيث مستويات المعيشة أو معدلات العنف، ولكن من حيث السياسة والتصورات التي تشكلها؟ كان هذا سؤالًا طرحه عليَّ"كولمانهيوز"، صديق أمريكي آخر من أصل أفريقي، كانت مقالاته الأخيرة عن العرق في أمريكا مفيدة جدًا.

عندما وصف ترامب (أو على الأرجح كاتب خطابه) نفسه بأنه "رئيس القانون والنظام" في حديثة بالبيت الأبيض، يوم الاثنين الماضي، كان يردد شعار حملة "ريتشارد نيكسون" الناجحة لعام 1968. غير أن ترامب هو من يشغل المنصب حاليًّا، على عكس نيكسون في عام 1968. لقد ضرب الوباء والركود الأمريكيين في ظل إدارته، تمامًا مثلما تصاعدت حرب فيتنام في عهد "ليندون جونسون". ويختلف الوباء الذي ضرب الوطن اختلافًا كبيرًا عن الحرب البعيدة التي كان أكثر من ثلث الأمريكيين ما زالوا يدعمونها في منتصف عام 1968.
إن التداعيات الاقتصادية المدمرة لعمليات الإغلاق تجعل المؤشرات المبكرة للتضخم في عام 1968 تبدو تافهة؛إذ يختلف الناخبون جذريًّا عن ناخبي عام 1968،فهم أكبرسنًّا، ولكنهم أيضًا أكثر تنوعًا عِرقيًا بسبب الهجرة والتغيرات في معدلات المواليد. كما أن وسائل الإعلام الإخبارية التقليدية لم تغطِّالاحتجاج العنيف بتعاطف في عام 1968. وفي جميع هذه الأوجه، تبدو فرص إعادة انتخاب ترامب أسوأ من فرص جونسون.

ومع ذلك، ففي 31 مارس 1968، أعلن جونسون أنه لا يرغب في ولاية ثانية؛ لأن– كما قال على شاشة التلفزيون– "هناك انقسام في البيت الأمريكي الآن"،ومع ذلك لا تتوقع استسلام دونالد ترامب؛ لأن انقسام البيت الأمريكي هو بالضبط ما يمنحه فرصة لأربع سنوات أخرى.

وبخلافعام 1968– بعبارة أخرى– فإن الاضطرابات ذات البعد العنصري قد تنقذ بالفعل شاغل المنصب،فالموجة الحالية من الاحتجاجات هي من نواحٍ عديدة تكرار للأحداث الأخيرة، وقد تكون أهميتها الرئيسية هي تحويل المحادثة السياسية الأمريكية بعيدًا عن الاستجابة الفاشلة لإدارة ترامب تجاه جائحة كورونا، إلى تضاريس الحرب الثقافية، حيث يعدّ ترامب مقاتلًا متمرسًا.

أخيرًا، وربما بشكل حاسم، على عكس ما كان عليه الحال قبل 52 عامًا، يبدو من المرجح جدًا أن تكون انتخابات شهر نوفمبر سباقًا على حصانين. لا يوجد "جورج والاس"، مرشح الفصل العنصري الذي حصل على ملايين الأصوات الديمقراطية السابقة عام 1968، لضمان فوز نيكسون. كما أنه من غير المرجح أن يحظى أي مرشح من حزب ثالث في اللحظة الأخيرة– أخضر أو تحرري أو غير ذلك– بأي شيء مثل نسبة 13.5٪ من الأصوات الشعبية التي يتمتع بها والاس.

ستبدو نتيجة انتخابات 2020 مختلفة تمامًا عن 1968. ولكن الكابوس هو حدوث نتيجة مثل تلك التي حدثت عام 2000: نسبة متقاربة جدًا ومن ثم يكون قرار البت في المحاكم.

يشير التاريخ بقوة إلى أن الأوبئة تميل إلى توسيع الانقسامات الطبقية والعرقية،وكورونا ليس استثناءً. ولا عجب أن حادثة بشعة من وحشية الشرطة أشعلت موجة من الغضب لدى المجتمعات الأمريكية الأفريقية الأكثر تضررًا بالمرض، والأشد تضررًا بسبب الإغلاق والركود، والتي كانت مستعدة للانفجار. مشاهد الفوضى في كل المدنالرئيسية تقريبًا في الولايات المتحدة لا يجب أن تبشّر بالخير لشاغل منصب الرئيس الذي ارتفع معدل الوفيات الزائدة في عهده بالفعل بنسبة 26٪، والذي ارتفع معدل بطالة في عهده بنسبة أعلى ثلاث مرات ونصف عما كان عليه في عام 1968.

ومع ذلك، قد تثبت عودة الحرب الثقافية أنها الآلة التي ستخلص ترامب من مستنقع كورونا. وإذا كان الأمر كذلك، فإن العديد من منتقدي ترامب– الذين كانوا يأملون منذ فترة طويلة في أن يصبح مثل"ريتشارد نيكسون" دون الولاية الثانية– قد يندمون في اليوم الذي تصوروا فيه القياس التاريخي الخاطئ.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الولايات المتحدة

اضف تعليق