بوليتيكو| حان الوقت لجعل إدارة الغذاء والدواء هيئة مستقلة


٢٣ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

في مطلع هذا الأسبوع، سحبت "إدارة الغذاء والدواء" ترخيصين للاستخدام الطارئ لعقاري "هيدروكسي كلوركين" و"كلوركين" لعلاج فيروس كوفيد 19، ولإصدار هذا الإلغاء، كان يتعيّن على إدارة الغذاء والدواء أن تتجاوز مديح الرئيس ترامب المتكرر لهذين العقارين. وبالرغم من الأدلة الهشّة التي تزعم كفاءتهما، غير أن آثارهما الجانبية سامة، ونتائجهما ضعيفة في التجارب السريرية. ومع اقتراب وفيات كوفيد 19 من 120 ألف أمريكي، يلوح خطر أن تصبح الأعمدة الأساسية التي ترتكز عليها الاستجابة الفعّالة لهذا الفيروس، وهي الاختبار والعلاج الطبي والتطعيم، ضحية للخلاف المتزايد بين إدارة الغذاء والدواء والبيت الأبيض.

ومن أجل الحفاظ على نزاهة العملية العلمية وسلامة المريض، حان الوقت لإعادة هيكلة إدارة الغذاء والدواء وجعلها هيئة مستقلة محصّنة من التدخل السياسي. إن السوابق التاريخية وهيكل المؤسسات الفيدرالية الأخرى، من بينها وكالة الحماية البيئية ولجنة التجارة الفيدرالية، تقدمان للكونغرس خارطة طريق للقيام بذلك.

لقد زاد البيت الأبيض، الذي يربط آمال إعادة انتخابه بحدوث تعافٍ اقتصادي، من ضغوطه السياسية على إدارة الغذاء والدواء لتوفير علاج لفيروس كوفيد 19، وهو مرض لم تُكشف الكثير من جوابه بعد؛ حيث إنه في مارس الماضي، حاول البيت الأبيض الضغط على إدارة الغذاء والدواء للترخيص باستخدام دواء "أفيجان"، بناءً فقط على بيانات منقولة رواها مرضى كوفيد 19 في الصين. ومن المعلوم أن هذا الدواء مخصص لعلاج الأنفلونزا منذ عقود وينطوي على خطر التسبب في عيوب خلقية. في إبريل، استخدمت إدارة الغذاء والدواء ترخيص الاستخدام الطارئ ذاته للسماح بدخول ما يزيد على 150 اختبارًا للأجسام المضادة للسوق من دون مراجعة الإدارة أو تحققها من هذه الاختبارات. وبمجرد ظهور سوء دقة تلك المنتجات، أصدرت الإدارة قرارًا باستدعائها، مُصدرة قرارًا بوجوب إخضاع هذه الاختبارات إما للمراجعة أو سحبها من السوق بالكامل. مؤخرًا، حدث صدام بين مبادرة "عملية السرعة الفائقة" (Operation Warp Speed)، التي تهدف لتسريع إنتاج لقاح لكوفيد 19 وطرحه في السوق بنهاية العام، وبين العملية العلمية الدؤوبة والدقيقة التي لا تزال أساسًا لأسلوب تقييم الأدوية الذي تتبعه إدارة الغذاء والدواء. من ال

مرجّح جدًّا أن تؤثر الضغوط السياسية على نوع الدواء الذي سيُطرح في نهاية المطاف في السوق ويستخدمه المرضى والجمهور، ومثلما حدث مع عقار "هيدروكسي كلوركين"، هناك خطر أن تؤدي هذه الضغوط لإعطاء الأولوية لتحقيق مكاسب سياسية سريعة على حساب التوصل لعلاجات واعدة وسلامة المرضى.

في السنوات الخمسين الأولى بعد تأسيسها عام 1906، عملت إدارة الغذاء والدواء بوصفها هيئة مستقلة تدافع عن حماية المستهلك. لكن منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، تآكلت سلطة هذه الهيئة تدريجيًّا بسبب ارتفاع مستوى التسييس. بدأ هذا مع التعيين الحزبي لمفوّض إدارة الغذاء والدواء عام 1969 بدلًا من اتباع الممارسة التاريخية المتمثلة في ترقية مسئولين مهنيين في الإدارة. ثم في عام 1981، جرّدت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية "إدارة الغذاء والدواء" من سلطتها المستقلة لوضع القواعد. وعوضًا عن ذلك، صُرّح لمكتب الإدارة والموازنة في البيت الأبيض وفقًا لأمر تنفيذي بمراجعة القوانين التنظيمية لإدارة الغذاء والدواء. وأخيرًا في عام 1988، نُقل منصب مفوّض إدارة الغذاء والدواء من وزارة الصحة والخدمات الإنسانية ليصبح المنصب خاضعًا لتعيين الرئيس وتصديق مجلس الشيوخ.

حوّل مشرّعو الكونغرس والبيت الأبيض عملية صنع القرار العادية في إدارة الغذاء والدواء إلى مباراة كرة قدم سياسية. في تسعينيات القرن الماضي، أقرّت جلسات استماع علنية للكونغرس، قوانين وتعديلات تقيّد صلاحيات إدارة الغذاء والدواء، حتى أنها علّقت ترشيح مفوّض إدارة الغذاء من أجل إيقاف تصديق إدارة الغذاء والدواء على دواء "ميفيبريستون" (Mifepristone)، وهو عقار يُستخدم للإنهاء المبكّر للحمل. بالمثل، عرقل الكونغرس قدرة الإدارة على وضع قوانين تنظيمية لإضافات الطعام والمكمّلات المتاحة بدون وصفات طبية.   

في الآونة الأخيرة، في عام 2011، تجلّى بوضوح تراجع استقلالية إدارة الغذاء والدواء وتجسّد ذلك في الصدام داخل السلطة التنفيذية. مع اقتراب الانتخابات الرئاسية ووسط حالة الاستقطاب بشأن مسألة الإجهاض التي عاودت الظهور أثناء حملات ذلك العام، ألغت وزيرة الصحة "كاثلين سيبليس" التوصية العلمية لمفوضة إدارة الغذاء والدواء "مارغريت هامبرغ" لجعل دواء الإجهاض المعروف باسم الخطة "ب" خطوة واحدة (Plan B One Step) يُباع دون وصفة طبية. إن هذا القرار، وبالرغم من إلغائه من جانب قاض فيدرالي بعد مرور سنتين، هو امتداد للنفوذ الحزبي على إدارة الغذاء والدواء، وهو قرار لا يرتكز على العلم وإنما على حسابات سياسية.

في عام 1994، استقلت إدارة الأمن الاجتماعي عن وزارة الصحة والخدمات الإنسانية لتفادي الضغوط السياسية. اليوم، وسط أزمة صحية وطنية تعتمد على الصبر والقواعد العلمية الصارمة لمكافحة الفيروس، ينبغي منح إدارة الغذاء والدواء نفس القدر من الاستقلالية. إن هذه الفكرة ليست جديدة، ففي عام 1975، دعت لجنة مجلس الشيوخ الخاصة بالعمل والرفاه العام، لمنح الاستقلالية لإدارة الغذاء والدواء. وفي عام 1991، أوصت لجنة استشارية رفيعة المستوى خاصة بإدارة الغذاء والدواء بإعادة تفويض الاستقلالية التنظيمية وتحويل إدارة الغذاء والدواء لتصبح هيئة قائمة بذاتها. ومؤخرًا، في يناير 2019، دعا سبعة مفوضين سابقين في إدارة الغذاء والدواء، في تقرير لمعهد Aspen، لجعل الغذاء والدواء هيئة فيدرالية مستقلة، تكون مسئولة مباشرة أمام الرئيس.

كما أوصى المفوضون بأن تمتلك إدارة الغذاء والدواء سلطة مستقلة لوضع القواعد وتكون خاضعة لرقابة مكتب المعلومات والشئون التنظيمية ومكتب الإدارة والميزانية، وأن تكون لديها أيضًا سلطة التقاضي بالتنسيق مع وزارة العدل. إن لجنة الاتصالات الفيدرالية وإدارة الأمن الاجتماعي تقدمان مسارين للمساعدة في زيادة استقلالية ميزانية إدارة الغذاء والدواء. وبالرغم من أن إدارة الغذاء والدواء تتلقى في الوقت الراهن رسوم مستخدمي الوصفات الطبية من شركات تصنيع الدواء لتمويل عملية الموافقة على الأدوية، إلا أن الاعتماد على هذه الرسوم وحدها ربما يكون غير كافٍ ويتناقض مع مهمة الإدارة لحماية المستهلك. من المفضل، مثلما هو الحال مع أدارة الامن الاجتماعي، أن يتم إرسال طلبات تخصيص الاعتمادات المالية لإدارة الغذاء والدواء مباشرة إلى الكونغرس بدلاً من وزارة الصحة والخدمات الإنسانية أو مكتب المعلومات والشئون التنظيمية ومكتب الإدارة والميزانية. أخيرًا، ومثلما هو الحال مع مدير مؤسسة العلوم الوطنية ومفوّض إدارة الأمن الاجتماعي، من الممكن تعيين مفوّضي إدارة الغذاء والدواء لمدة ست سنوات عابرة للإدارات، وهي فترة زمنية أوصى بها "معهد الطب".

ونظرًا لتعرّض الاقتصاد الوطني والمستشفيات والصحة الشخصية للأمريكيين لضغط شديد، باتت إدارة الغذاء والدواء هي الأخرى تتعرض لضغط من أجل الموافقة على علاج فعّال لكوفيد19. لقد أصبح المجتمع الطبي يكتشف معلومات جديدة مهمة من فيروس كورونا المستجد بوتيرة سريعة للغاية، ما يفتح الباب أمام عدد كبير من العلاجات والابتكارات المحتملة. لكن في نهاية المطاف، يجب أن تكون المنتجات العلاجية آمنة وفعّالة.

ورغم أنه من غير المرجح أن تصبح إدارة الغذاء والدواء محصّنة تمامًا من الضغط السياسي، غير أن جعلها هيئة مستقلة سيساعد في التغلب على تلك الجائحة والجوائح المقبلة؛ ما يساهم في أن تسلّط هذه الإدارة تركيزها على الجانب الذي يجب التركيز عليه وهو حماية وتعزيز الصحة العامة.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق