أوراسيا ريفيو | روسيا وأفغانستان والكذبة الكبرى


٠٤ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

لا توجد نهاية لفضيحة التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية. لقد دُحضت كل التُهم الرئيسية، لم يُدن أحدٌ بـ"التواطؤ" المخيف الذي انتشرت تقارير عنه طوال الأعوام الأربعة الماضية. لقد جرى رفع السرية الآن عن معلومات دامغة وهي تثير الشكوك حول صحة القصة بأكملها. اعترفت شركة "كراود سترايك"، المتخصصة في الأمن السيبراني، بأنها لا تمتلك إثباتًا على قيام روسيا أو أي شخص آخر بالاختراق. أنهى روبرت مولر تحقيقه الذي استمر لعامين واستهلك ملايين الدولارات، بإدانات على جرائم عرقلة العدالة. 

لماذا حينها نشرت صحيفة نيويورك تايمز خبرًا بمصدر استخباراتي لم تذكر اسمه يدعي أن الحكومة الروسية دفعت لطالبان لتقتل جنودًا أمريكيين في أفغانستان؟ إن الاتهام مثير للسخرية في ظاهره لكن الخبر مفيد للأشخاص الذين يريدون إخفاء إجرامهم بينما في نفس الوقت يُبقون ترامب عاجزًا في عام الانتخابات.

إن روسيا هي الدولة الأقل ترجيحًا للقيام بأعمال مع الجهاديين. في أواخر التسعينيات وأوائل العقد الأول من الألفية الثانية، مزّق الجهاديون روسيا تقريبًا. أرهب الانفصاليون من منطقة الشيشان الدولة كلها التي كانت ضعيفة ومنقسمة عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. وبسبب هذه التجربة ساعدت روسيا الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر. بعيدًا عن إعاقة التواجد الأمريكي، كانت روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة الأخرى مشاركين ثابتين في شبكة التوزيع الشمالية. كانت شبكة التوزيع الشمالية عبارة عن خط إمداد يحمل المواد من روسيا، عبر دول آسيا الوسطى وأخيرًا إلى أفغانستان، وسمحت روسيا باستخدام مجالها الجوي أمام رحلات نقل القوات، وبعيدًا عن كونها عدوًّا، ساعدت روسيا الولايات المتحدة وتحالفها في قتالهم ضد طالبان.

استمر تعاون روسيا مع شبكة التوزيع الشمالية حتى 2015، عندما سمم التدخل الأمريكي في أوكرانيا العلاقات بين البلدين، ويبقى العداء تجاه الجهاديين محط تركيز صناعة قرارات السياسة الخارجية الروسية. كان الخوف من أن داعش قد يتولى السيطرة على سوريا هو السبب الرئيس الذي جعل روسيا تساعد الرئيس الأسد في 2015.

إن هذا الادعاء الأخير لا يحمل الكثير من المنطق فحسب؛ بل لا يوجد مصدر لتلك المعلومة. لقد جرى إخبارنا أن مسئولًا استخباراتيًّا - لم يُذكر اسمه – كشف عن السخاء الروسي، وأن دونالد ترامب كان على علم به لكن لم يفعل شيئًا. إن المصادر الاستخباراتية مجهولة الهوية هي سبب معظم الضرر. إنها تخبر العامة أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل أو أن معمر القذافي يخطط لمذبحة، وفي كلتا الحالتين كان السبب المنطقي للكذب هو الحصول على موافقة الرأي العام على العدوان الأمريكي. وفي هذه الحالة، إبقاء رواية التدخل الروسي الفاشلة حية هو محفّز لمزيد من المعلومات المضللة. 

إن توقيت هذه التقارير المشبوهة مهم. حكمت محكمة استئناف مؤخرًا أن القاضي الفيدرالي يجب أن يُسقط إدانة مايكل فلين بالكذب على عملاء إف بي آي. وجرى الإيقاع بفلين بواسطة جيمس كومي وباراك أوباما ببعض التدخل من جو بايدن أو بعلمه، ولم يكن من الممكن أن يكون توقيت هذا التطور أسوأ. عند إسقاط اتهامات فلين، ستبدأ القصة في التكشف بحق وسيخسر إعلام المؤسسات احتكاره للمعلومات.   

من المهم أيضًا ذكر أن إدارة ترامب كانت تجري محادثات سلام مع طالبان، وسيساعد خفض عدد القوات بالتأكيد آفاقه الانتخابية، وهو سبب إضافي لإحداث الارتباك. 

إن الدولة العميقة ثنائية الحزب أيضًا. لا أحد يعلم من حمل القصة الكاذبة إلى صحيفة نيويورك تايمز، لكنه بالتأكيد لم يكن شخصًا يحمل الود للرئيس. يمتلك ترامب أعداءً في وكالات الاستخبارات، والذين كثيرًا ما يحملون أجنداتهم الخاصة. 

انضمت صحيفة واشنطن بوست، التي يمتلكها جيف بيزوس المدير التنفيذي لشركة أمازون وأغنى رجل في العالم، إلى نيويورك تايمز في هذه الخدعة الجديدة. تتضمن أنشطة أمازون عقد حوسبة سحابية بقيمة 600 مليون دولار مع السي آي إيه. إن الصحف الإمبريالية مهتمة بهذه المسألة. إنها تلعب دورًا مهمًا في خلق مجازات دعائية للاستهلاك العام.

هذا العام الانتخابي يكشف السياسة الأمريكية المارقة. يواجه ترامب البغيض أشخاصًا لم يستطيعوا هزيمته في صناديق الاقتراع، بيد أنهم يستطيعون خلق فضيحة مزيفة تُضلل ملايين الأشخاص عن عمد لأسباب دنيئة وتدعو للسخرية. 

انتهى التحقيق في التدخل الروسي بعد شهادة مولر الكارثية أمام اللجنة القضائية في 2019. وأحياه غباء ترامب في مكالمة هاتفية مع رئيس أوكرانيا. لكن الديمقراطيين اختاروا مرشحًا غير ملهم له قضايا أخلاقية مرتبطة بأوكرانيا. إنهم يحتاجون لكل المساعدة التي يمكنهم الحصول عليها لسحبه عبر خط النهاية، ولا شك أن نفس الأشخاص الذين اجتمعوا لتشويه المرشح ترامب لن يشعروا بتأنيب الضمير حول فعل نفس الشيء بعد أربع سنوات.

يتولى ترامب الرئاسة في فترة جائحة كوفيد-19 المتفاقمة وينشر تغريدات تحمل مقاطع فيديو لأنصاره من الغوغاء الذين يحملون السلاح ويصيحون بشعارات حول سلطة البيض. إنه في وضع حرج سياسيًّا وفضيحة أخرى في التوقيت المناسب قد تضره. هذا بالتأكيد هو أمل الجناح الديمقراطي للاحتكار الثنائي. إنهم يمتلكون أخلاقًا أفضل لكنهم لا يقدمون بديلًا محترمًا، كما أنهم يريدون استمرار حرب أفغانستان الأبدية ويريدون أن تبقى جريمتهم المحلية مخفية.

إن الديمقراطية للسذج، الأشخاص البسطاء الذين يريدون تصديق أن بلدهم يعمل لمصلحتهم. إنهم يمكن خداعهم بسهولة لأن وجود ترامب في البيت الأبيض يصنع كذبة تتوافق مع نظام معتقداتهم، غير أن ما يمكنهم تصديقه هو أي شيء سلبي عنه، مهما كان غريبًا. بالطبع، عندما تُخفى المعلومات الحقيقية عن العامة تصبح الحقيقة شاذة بينما تكتسب الكذبة المصداقية.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية أفغانستان روسيا

اضف تعليق