ناشيونال إنترست | لماذا ينبغي أن يفكر ترامب مليًّا قبل أن ينقل القوات الأمريكية من ألمانيا إلى بولندا؟


٠٥ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

في الوقت الذي يخطّط الرئيس دونالد ترامب لنقل الكثير من القوات الأمريكية من ألمانيا، تتهافت بولندا لاستقبالها. تمتلك بولندا سببًا للخوف من نهوض روسيا على جانبها الشرقي، لكن قبل الالتزام أكثر تجاه بولندا؛ ينبغي أولًا على صُناع السياسة الأمريكيين التفكير فيما إذا كان نقل القوات إلى بولندا سيجعلهم يكسبون معركة لكن يخسرون الحرب. إن الدفاع ضد روسيا ليس استراتيجيًّا فقط بل أيديولوجيًّا أيضًا: الدفاع عن الليبرالية الغربية مقابل معاداة الليبرالية أو الاستبدادية. ربما تكون قواعد بولندا خيارًا بديهيًّا للبنتاجون لكن ربما ليس للمصالح الأمريكية الأوسع، لكن في كثير من الأحيان، الدول التي تقدّم القواعد تستخدم اعتماد أمريكا عليها كوسيلة لتجنب الإصلاح أو للارتداد عن الديمقراطية. إن بولندا في خضم ارتداد عن الديمقراطية،ولا ينبغي أن تفعل واشنطن شيئًا يثبط نظام بولندا الديكتاتوري عن العودة إلى الديمقراطية، حتى لو كان هذا يعني خسارة قاعدة.

فكروا في حالات قطر وتركيا وكردستان العراق: في عام 1996، أنفقت قطر أكثر من مليار دولار لإنشاء قاعدة العديد الجوية على الرغم من أنها في تلك الفترة لم تكن تمتلك قوة جوية. بدأت القوات الأمريكية في استخدام القاعدة في 2001، وفي غضون بضعة سنوات، أصبحت مضيفًا لمركز العمليات الجوية القتالية الأمريكية والمقر الإقليمي للقيادة المركزية. في 2012،قال مسئولون قطريون إنهم كانوا مستعدين لدفع التكاليف الكاملة للوجود الأمريكي. وفي حين أن ترامب انتقد بشدة الشركاء الأوروبيين على تقصيرهم في الوفاء بإنفاقهم العسكري المتعهد به واقترح أيضًا أن كوريا الجنوبية ينبغي أن تزيد من الدعم المالي للتواجد الأمريكي، فإن التواجد الأمريكي في قطر يستمر في التوسع، على ما يبدو بسبب الاستثمار القطري الضخم ومشتريات الأسلحة التي تساوي مليارات الدولارات. اليوم، يَعتبر مخططو البنتاجون قاعدة العديد أساسية.

وفي الوقت الذي أصبحت الولايات المتحدة أكثر اعتمادًا على قطر، بات سلوك الأخيرة أكثر زعزعة للاستقرار. وبينما سعت الولايات المتحدة لتشجيع الحوكمة الفلسطينية الجيدة، على سبيل المثال، دعمت قطر حماس. قال إد رويس، رئيس لجنة الشئون الخارجية في المجلس حينذاك: "تستضيف قطر أسوأ قادة حماس"، وهدد بفرض عقوبات. وأضاف قائلًا: "إذا لم يتغير سلوكها، سوف نبحث في الكونجرس في الخيارات الأخرى والتي من ضمنها مغادرة قاعدة العديد". لكن البنتاجون تجاهله، ورفع تنازل حمد بن خليفة آل ثاني عن العرش لابنه تميم الآمال في أن السلوك القطري قد يتغير،لكن هذا لم يحدث. لم تتحق وعود تميم بكبح تمويل الإرهاب. يُقال إن الأموال القطرية تشجع الإرهاب وتقوض جهود إرساء الديمقراطية في القرن الأفريقي،وتبقى الدوحة أيضًا منفذًا رئيسيًّا لإيران في وقت تزعزع فيه السياسة الإيرانية استقرار لبنان، والعراق واليمن.

إن قطر ليست "الصديق اللدود" الوحيد الذي يستضيف قوات أمريكية. تركيا، التي كانت شريكًامخلصًا بالناتو، تعمل اليوم كخصم أكثر من كونها حليفًا. لقد أدارت ظهرها للديمقراطية وحرية الصحافة، ومثلها مثل قطر، تدعم حماس. يستمر دعم تركيا السلبي، إن لم يكن النشط، لتنظيم الدولة الإسلامية في إزعاج صُناع السياسة الأمريكيين. إن حملة القصف التركية الأخيرة في العراق واحتلالها المتواصل لشمال قبرص، وتدخلها في ليبيا، ومؤخرًا مطالبها البحرية في البحر المتوسط، يسلطون الضوء على سلوكها المزعزع للاستقرار. وعلى مر الإدارات، يتبنى المسئولون الأمريكيون نهجًا ناعمًا تجاه تركيا ليحافظوا على إمكانية الوصول إلى قاعدة أنجرليك الجوية.

سعت كردستان العراق أيضًا منذ فترة طويلة لجذب القوات الأمريكية. لقد نجحت، لكن بينما أصبح البنتاجون أكثر اعتمادًا على كردستان، أصبحت السلطات الأمريكية مترددة أكثر في انتقاد ارتداد المنطقة إلى الاستبدادية التي تحكمها عائلة.

إنه أمر طبيعي للبيروقراطيات أن تبني إمبراطوريات لكنها تفشل في رؤية الصورة الكبيرة. إن الدفاع عنصر واحد من استراتيجية أوسع، وكما يعلمنا نموذج DIME، ينبغي أن تتضمن الاستراتيجية عناصر دبلوماسية ومعلوماتية واقتصادية. غير أنه في كثير من الأحيان يبدو أن الخبراء الاستراتيجيين العسكريين يعطون الأولوية للحفاظ على التواجد الأمريكي أو توسيعه على حساب المصالح الأوسع. عندما يُمكّن هذا الولايات المتحدة من استعراض القوة لإبقاء الخصوم تحت السيطرة أو للحفاظ على حرية الملاحة، يصبح ذا قيمة. لكن، عندما يُمكّن التواجد العسكري الأنظمة المزعزعة للاستقرار من تحصين نفسها من عواقب أفعالها، فمن الضروري التقييم قبل الاستثمار الكبير ما إذا كانت فوائد القاعدة تفوق القيود التي قد تفرضها على الدبلوماسية الأمريكية وقدرة واشنطن على تدليل وإرغام الشركاء على احترام النظام الليبرالي عندما تكون الحكومات التي تستضيف القاعدة هي المشكلة.

بالتأكيد، الاستثمار المطلوب في قاعدة يعني أن البنتاجون لا يستطيع ببساطة سحب قواته وقتما يتحول المضيف إلى معادٍ لليبرالية، أو عندما تصبح دولة غير ليبرالية محرضًا إقليميًّا. لهذا السبب التقييمات المبكرة مهمة جدًا قبل أن يصبح الوضع في غاية السوء،ولا ينبغي أن تصبح أي قاعدة أمريكية ورقة للأنظمة الرجعية لكي تتصرف دون عقاب.

لهذا لا يتعين على الكونجرس والبنتاجون فقط، بل أيضًا وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي أن يفكروا في تأثير إعادة مركزة القوات الأمريكية التي تغادر ألمانيا في بولندا،لا سيما في ظل وجود بدائل أخرى في البلطيق أو رومانيا أو جمهورية التشيك. يصبح السؤال إذًا: هل سيرى قادة بولندا المناهضون للديمقراطية التواجد الأمريكي وسيلة لتحصين أنفسهم من العودة إلى النظام الديمقراطي أكثر من كونه دفاعًا ضد روسيا. ينبغي أن تكون القوات الأمريكية موجودة في أوروبا لكي تحمي النظام الليبرالي، وليس لكي تسرّع نهايته.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترامب المانيا بولندا

اضف تعليق