إندبندنت | الجدل حول مستقبل آيا صوفيا يخبرك بكل ما تود معرفته عن تركيا الحديثة


٠٥ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - بسام عباس

"انحنى على الأرض، ووضع حفنة من التراب على عمامته تواضعًا لله... ثم دخل الكنيسة المحطمة ... وبينما كان يسير عبر الهيكل الكبير ويحدق في القبة، رأى جنديًّا يحطم الرصيف المصنوع من الرخام. سأل الرجل: لماذا تهدم الأرضية؟ فأجاب: "من أجل العقيدة". غضب محمد لهذا العصيان الواضح لأوامره بالحفاظ على المباني، فضرب محمد الرجل بسيفه،وقام الحاضرون بجر الرجل بين الحياة والموت".

هكذا يصف "روجر كراولي" في كتابه "القسطنطينية: الحصار الأخير 1453"، دخول لمحمد الفاتح إلى"آيا صوفيا".لقد مر أكثر من 500 عام على دخول السلطان منتصرًاإلى القسطنطينية،التي أصبح اسمها اليوم إسطنبول، ومع ذلك فإن نفس فكرة "العقيدة" لا تزال تُقدَّم كذريعة لتدمير المتحف ذلك الإرث البيزنطي منذ القرن السادس.

صباح الخميس، عقد مجلس الدولة، وهو أعلى محكمة إدارية في تركيا، جلسة لبحث دعوى قضائية تطالب بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد، وقالت إنها ستصدر حكمها في غضون 15 يومًا. وقدمت الالتماس جمعية يمينية متطرفة محافظة، دعمها مكتب الرئيس "رجب طيب أردوغان" في المحكمة.

ولم تكن هذه المحاولة هي الأولى من نوعها، ولكنها تأتي بدعم سياسي أقوى.

وعلى مر السنين، كان الجدل حول وضع موقع التراث العالمي بمثابة وقود للحملات الانتخابية للقوميين المتدينين المتطرفين ولحكومة حزب العدالة والتنمية، التي حكمت تركيا لمدة 18 عامًا ولكنها تحتاج الآن إلى زيادة شعبيتها المتعثرة. إن الوعود بإعادة تحويل المتحف إلى مسجد تحظى بشعبية لدى الناخبين المحافظين، بينما تعمل أيضًا على الابتعاد عن قضايا مثل الاقتصاد الذي تضرر بشدة بسبب تفشي فيروس كورونا.

ولمتحف آيا صوفيا، الذي كان مركزًاللمسيحية لمدة 900 عام، ومسجدًا لمدة 500 عام، أهمية رمزية قوية خلف جدرانه الطينية.اختبرت الحكومة الأجواء حول تغيير حالة المتحف في مايو، وذلك عندما قامت رئاسة الشئون الدينية التركية بالاحتفال بالذكرى السنوية لفتحإسطنبول بقراءة القرآن في آيا صوفيا.

وعلق "روزن كاكير"، الخبير في شئون الإسلام السياسي، في تصريح لتلفزيون ميدياسكوب، قائلاً:"أعتقد أن الحكومةلم تعد قادرة على إنتاج سياسات جديدة، أو مشاريع لتحفيز الجمهور أو تحريكه، لذلك يعودون إلى آيا صوفيا كملاذ أخير سهل".
وسواء حكمت المحكمة في خلال 15 يومًا،بتحويل المتحف إلى مسجد أم لا، فإن تأثير التخدير المثير للجدل سيستمر لفترة قصيرة فقط قبل أن يستيقظ الجمهور على الحقيقة الصادمة التي فرضها الانكماش الاقتصادي في العامين الماضيين، بأنه أصبح أفقر من ذي قبل.
وجهة نظر كاكيرتدعمها استطلاعات الرأي الأخيرة،إذ وصف أكثر من 40% من 1537 مشاركًا في تقرير تركيا أعده مركز أبحاث الاقتصاد في إسطنبول، الاقتصاد بأنه قضيتهم الأساسية، ثم 19% كانوا قلقين بشأن البطالة.

كان الاقتصاد التركي هشًّا بالفعل قبل الوباء. حذر تقرير حديث صادر عناتحاد النقابات العمالية التقدمية (DISK)، وهو أحد المراكز الأربعة الرئيسية لنقابات العمال الوطنية في تركيا، بعد تفشي كورونا، أن الليرة التركية وصلت إلى مستوى منخفض بلغ 7 ليرات للدولار، بينما من المتوقع أن ترتفع البطالة بين السكان البالغ عددهم 81 مليون نسمة إلى أكثر من 16 مليونًا.وفي استطلاع آخرأجرته شركة متروبول في أنقرة، وافق 44% من 1300 مشارك على أن النقاش الدائر حول آيا صوفيا كان في المقام الأول حول تشتيت انتباه الجمهور بعيدًا عن الأزمة الاقتصادية، في حين رأى 29.5% فقط أن هذه الخطوة ذات دوافع دينية.

في خطوة سياسية ذكية، لم يشارك حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي، الذي يمثل الاتجاه العلماني لتركيا، في الأمر. وذكر المحللون أن هذا فاجأ الكثيرين، بما في ذلك الدوائر الحكومية. فرغم كل هذا،كان مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة وحزب الشعب الجمهوري، هو الذي وقّع على مرسوم مجلس الوزراء في عام 1934 ليصبح آيا صوفيا متحفًا.

رفض الانخراط في الجدل مع أردوغان–بالقول إن الجماهير الأتقياء كانوا ضحية النخبة العلمانية– لم يعزز قضية الزعيم. وقال "سونركاجابتاي"، مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: "إن حجة أردوغان بشأن تأذي المتدينين لم تعد تجدي نفعًا؛ لأنحتى قاعدته الأساسية تعرف أنها، بعد 18 عامًا في السلطة، تدير تركيا الآن... إنهم في الواقع من غير المحافظين والليبراليين، والذين يريدون إبقاء الدين خارج السياسة، إنهم أصبحوا ضحاياالآن".

ومع أن "آيا صوفيا" يبدو أنها فقدت جاذبيتها السياسية في الداخل، إلا أن ردود الفعل الدوليةتصاعدت، مع التركيز على الأهمية الثقافية للموقع. ففي بيان يوم الأربعاء، وصف "مايك بومبيو"، وزير الخارجية الأمريكي، الموقعبأنه "شهادة على الالتزام باحترام التقاليد الدينية والعبقرية الفنية والتقنية، والتي انعكست في تاريخه الغني والمعقد الذي يعود إلى 1500 عام"، داعيًا إلى أن يظل موقع تراث اليونسكو متحفًامفتوحًا للجميع.

فيما أصدر أكثر من 200 عالم دولي في التاريخ والفن البيزنطي والعثماني رسالة مفتوحة في نفس اليوم؛ما أثار مخاوف بشأن إمكانية "تلف الأدلة التاريخية والأثرية، وإخفاء الأعمال الفنية" إذا تم تحويل المتحف إلى مسجد. وقالت زينب أهونباي، أحدأكبر علماء الآثار في تركيا: "كيف يمكنك تمديد ستارة من تمثال إلى آخر لتغطية وجوه الملائكة؟"في إشارة إلى الأصوات المؤيدة للحكومة التي تقدم حلولًا لإخفاء تصاميم الجدران التصويرية المحظورة في الأضرحة الإسلامية. وأضافت: "إن النهج البصري في الثلاثينيات فتح الهيكل أمام أعين الجميع... إن محاولة إعادة فتحه كمسجد في عام 2020 ستكون انتكاسة".

حتى أردوغان نفسه شكّك في الحاجة إلى مسجد آخر في الحي التاريخي في إسطنبول، والذي تنتشر فيه بالفعل الأضرحة من جميع الأحجام. إذ قال الرئيس التركي العام الماضي، منتقدًا مطالب إعادة المسجد في آيا صوفيا: "هناك منظور سياسي يترافق مع هذا الأمر... إنك لا تستطيع ملء المسجد الأزرق بجانبه،ومع ذلك تقترح ملء آيا صوفيا. دعونا لا ننخدع بهذه الحيل".

وبغض النظر عن القضايا التقنية والسياسية، فإن الجدل حول سحب الطبقات التاريخية لأعظم نصب تذكاري في تركيا هو تذكير مرير لما فقدته البلاد بالفعل، ألا وهو: صورتها كمجتمع مسلم منفتح ومتعدد الثقافات والتي تلاشت في السنوات الأخيرة في ظل حكومة انتكست فيها الحقوق الديمقراطية.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية تركيا متحف آيا صوفيا آيا صوفيا

اضف تعليق