المنتدى الاقتصادي العالمي | فيروس كورونا يوسّع من فجوة التمويل التجاري العالمية


٠٩ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

تمثل جائحة كوفيد19 أزمة صحية مأساوية تسببت في إلحاق ضرر لا يمكن إصلاحه في النظام المالي والاقتصادي العالمي. كما فاقمت الجائحة من القيود التجارية وقللت من حجم النشاط التجاري عالميًّا. وبالإضافة إلى شحّ التمويل عمومًا، لا سيما التمويل لأغراض التجارة، يُلحق فيروس كورونا ضررًا خطيرًا بالاقتصاديات النامية.

إن الدول الأقل نموًا هي من بين الدول الأكثر تضررًا من الفيروس. تواجه اقتصاديات تلك الدول الهشّة أصلا مزيدًا من التحديات، مع هبوط قيمة صادراتها وإغلاق حدودها أمام التجارة والسياحة، مثلها مثل معظم الدول حول العالم، كما أن الاستثمارات المحلية والأجنبية تجف منابعها، وشهدت إيرادات الأعمال التجارية الصغيرة انخفاضًا كبيرًا.

تزداد تكلفة المعاملات المالية، بعد أن أصبح التعامل مع الدول الأقل نموًا يُنظر إليه على أنه أخطر من ذي قبل. وأصبح إصدار خطابات الاعتماد المالي وأدوات التمويل التجارية الأخرى صعبًا، إن كان متاحًا أصلاً، وباتت شهية نظام المراسلة المصرفية تتراجع كل يوم مع تفاقم الأزمة.

وبسبب هذا، تشهد الدول الأقل نموًا استنزافًا سريعًا في احتياطاتها من النقد الأجنبي، وتواجه مؤسساتها المالية نقصًا في السيولة. إن استمرار هذا الوضع يمكن أن يدفع الدول الأقل نموًا للابتعاد أكثر عن سلاسل القيمة العالمية، وحرمانها من نظام التجارة الدولي.

كان الوصول للتمويل التجاري بالفعل مشكلة قبل انتشار الجائحة. تُقدر فجوة التمويل التجاري العالمية بـ1.5 تريليون دولار، وهي تؤثر في الأغلب على الشركات الصغيرة والمتوسطة في الدول النامية. يتم رفض ما يزيد على 50 بالمائة من طلبات الدعم المالي للتجارة.

إن الإجراءات التي تُتخذ لتقليل فجوة التمويل التجاري العالمية - من بينها تعزيز السياسات والمساعدة الفنية وبناء القدرات والإصلاحات التنظيمية وزيادة التمويل - باتت اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، وذلك لضمان عدم تفاقم حالة اللامساواة الاقتصادية التي تعيشها الدول الأكثر ضعفًا في العالم بسبب الجائحة.

ما الإجراءات المُتخذة؟

أطلقت مصارف تنمية متعددة الأطراف استجابات ودعمًا ماليًا فوريًّا بقيمة تتجاوز 200 مليار دولار للدول ذات الاقتصاديات الناشئة ومنخفضة الدخل. على سبيل المثال، أطلقت مجموعة البنك الإسلامي للتنمية نهجًا ثلاثي الأركان (R-s 3) يركز كل عنصر من عناصر على الاستجابة (Respond) والاستعادة (Restore) وإعادة البدء (Restart)، بقيمة إجمالية تبلغ 2.3 مليار دولار لدعم دول منظمة المؤتمر الإسلامي في مراحل التعافي المختلفة.

إن التمويل لأغراض التجارة، بوجه خاص، هو عنصر محوري للدعم المقدم للقطاع الخاص، كما أقرّ وزراء المالية وحكّام البنوك المركزية لمجموعة الدول العشرين في اجتماعهم في أبريل 2020. بالإضافة إلى هذا، تتعهّد منظمة التجارة العالمية ومصارف التنمية متعددة الأطراف بدعم تمويل التجارة. كما تعهّدت المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة بحزمة تدابير استجابة أوّلية بقيمة 300 مليون دولار لدعم قطاعات استراتيجية مثل الصحة والغذاء والطاقة، وتوفير عناصر دعم إضافية لبناء قدرات العاملين في القطع الطبي والمعامل في دول منظمة المؤتمر الإسلامي.

بالإضافة إلى التمويل نفسه، تساعد برامج المساعدة الفنية، الدول الأقل نموًا لبناء قدرتها على توفير التمويل لأغراض التجارة. على سبيل المثال، استحدثت المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة وغرفة التجارة الدولية برنامج تعلم إلكترونيًّا للتجارة الدولية وتم تجريب البرنامج بنجاح، وتوفيره إلكترونيًّا لمؤسسات مالية في الدول الأقل نموًا، بدعم من برنامج "الإطار المتكامل المعزز" ومصارف تنمية متعددة الأطراف ومصارف تجارية كبيرة. كما تتعاون مصارف التنمية متعددة الأطراف للتغلب على عوائق تمويل التجارة، من بينها تحديات الامتثال.

على سبيل المثال، تتعاون المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة وبرنامج "الإطار المتكامل المعزز" في دولة غامبيا، في مرحلة أوّلية، لتجربة القضاء على مادة "الأفلاتوكسين" التي يُصاب بها محصول الفول السوداني، وهذا يمثل عائقا كبيرًا أمام تصدير المحصول. نتيجة لذلك، كان معظم المحصول الذي جرى حصاده متوافقًا مع الشروط الصحية للاتحاد الأوروبي ومنظمتي الأغذية والزراعة والتجارة العالمية. كما يمكن أن يصبح سعر هذا الفول السوداني المعالج والخالي من مادة "الأفلاتوكسين" أعلى بنسبة 40 بالمائة مقارنة مع ما كان عليه عام 2016.

كما استحدثت المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة برنامجًا لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة ونظامها البيئي بالكامل، والذي يضمّ وكالات وجهات تمويل حكومية، إذ جرى إطلاق برنامج تجريبي في بوركينا فاسو في غرب إفريقيا عام 2018. يوفر البرنامج فرصة الوصول للتمويل وبناء القدرات وخدمات استشارية.

بالإضافة إلى خط تمويل بقيمة 8 ملايين دولار قدمته المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة لمصرف "Coris Bank"، تعاون مشروع بوركينا فاسو مع 60 شركة صغيرة ومتوسطة كان البنك المذكور قد رفض سابقًا طلبات التمويل التي تقدّمت بها. ساهم هذا المشروع في تقديم 1.3 مليون دولار في شكل تمويل إضافي لـ 11 شركة صغيرة ومتوسطة. والآن يجري رفع مستوى هذا البرنامج في السنغال وقريبًا في دول غرب أفريقيا.

ما الإجراءات الإضافية التي يجب القيام بها؟

إن التجارة والاستثمار الدوليين عنصران محوريان في مستقبل خطط التعافي المالي والاقتصادي في المستقبل. إن تمويل التجارة تحديدًا هو عنصر مهم في عمل سلاسل الإمداد وفي خلق فرص عمل. ستكون هناك حاجة للمساعدة الفنية وبناء القدرات، المرتبطين بتمويل التجارة، لتعزيز صمود الدول الأقل نموًا. من المهم أيضًا ملء فجوة التمويل التجاري، عبر طرق من بينها جذب مستثمرين غير تقليديين للاستثمار في فئات أصول التمويل التجاري. إن استحداث آليات استثمار وصناديق متخصصة، يمكن أن يزوّد هيئات الاستثمار بما يلزم من خبرات التمويل التجاري ومعاملات المحافظ المالية.

ينبغي أن تكرر جميع الإجراءات المقبلة الدعوة للمجتمع الدولي لتوفير مساعدات مالية وإعادة هيكلة الديون وتخفيفها وتقديم حزمات تحفيز لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في الدول الأقل نموًا. من المهم أيضًا ضمان أن تبقى القيود التجارية والاستثمارية المرتبطة بفيروس كوفيد19 شفافة ومؤقتة ومحدودة. ينبغي الحفاظ على نظام التجارة الدولي والنهج المتعدد الاطراف. كما يجب أن تمضي الإصلاحات الحالية قدمًا، مع إدراج أولويات سياسية عامة جديدة في مجال التجارة الدولية مثل التجارة الإلكترونية. إن التجارة الدولية ضرورية لإنقاذ الأرواح والأرزاق.

لكننا نحتاج أيضًا لأن نذهب لأبعد من هذا. فالتغلب على التحديات الصعبة التي ستواجهنا في المستقبل، سيتطلب إعادة صياغة نهج المجتمع الدولي فيما يتعلق بدعم وصول الدول الأقل نموًا للتجارة الدولية. تحتاج حكومات الدول الأقل نموًا ومؤسساتها المالية للسيولة والتمويل التجاري لضمان قدرتها على المشاركة فيما تبقى من التجارة الدولية. من المهم تعزيز الاستثمار وجعل سلاسل الإمداد مستدامة وقادرة على الصمود، ويشمل هذا اللوجستيات والنقل. 

إن الخبرة ودعم السياسات مهمان لمساعدة الدول الأقل نموًا على اتخاذ قرارات صائبة وإجراء إصلاحات مؤسسية مطلوبة في الوقت الراهن. كما يجب المحافظة أيضًا على برامج المساعدة الفنية قدر الإمكان، وخصوصًا تلك التي يمكن تقديمها إلكترونيًّا.

ربما يبدو الوضع عصيبًا لكن الأزمات يمكن أن تُخرج أفضل أنواع التعاون بين البشر. يجب أن نحرص على أن يدفعنا فيروس كوفيد19 على إعادة بناء أنظمتنا المالية والاقتصادية بصورة أكثر استدامة وعدلاً، لا سيما من أجل الدول الأقل نموًا في العالم. وفي النهاية، من المهم دعم الدول الأكثر ضعفًا وضمان ألا يتخلف أي طرف عن الركب.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية فيروس كورونا

اضف تعليق