ذي أتلانتك | لماذا تريد الصين أن يربح ترامب؟


١٠ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

مثل أي شخص آخر في أنحاء العالم، يتابع قادة الصين سير الحملة الانتخابية الرئاسية المثيرة للجدل في الولايات المتحدة ويتساءلون بقلق ماذا تعني لهم. بعد شجارهم الذي استمر لأربع سنوات مع دونالد ترامب، ينبغي أن يعدّ الصينيون الشهور والأسابيع والأيام والدقائق حتى انتخابات نوفمبر،آملين أن يتولى شخص من الحزب الديمقراطي السلطة في البيت الأبيض. هذا هو ما يعتقده ترامب بالتأكيد. لقد كتب تغريدة تقول: "الصينيون يتمنون أن يربح جو بايدن الناعس السباق الرئاسي لكي يتمكنوا من مواصلة نهب الولايات المتحدة،مثلما فعلوا لعقود، حتى جئت أنا!".

هذا ليس صحيحًا بالضرورة. من وجهة نظر بكين، في حين أن الرئاسة الديمقراطية ربما تستعيد نوعًا أكثر قابلية للتنبؤ من الدبلوماسية الأمريكية، غير أن هذا قد لا يخدم المصالح الصينية. في الواقع، أربع سنوات إضافية لترامب– على الرغم من احتمالية أن تكون مشحونة بالمضايقات والنزاعات – ربما تقدّم فرصًا مذهلة للصين لكي توسع نفوذها في شرق آسيا والعالم.

بالطبع، لن نستطيع أن نعرف بشكل مؤكد أي نتيجة تفضلها الكوادر العليا في الصين، أو ما إذا كانوا يتفقون فيما بينهم. لا ينبغي أن يتوقع أي مرشح أن يلقى تأييدًا من صحيفة الشعب اليومية. مع هذا، توجد قرائن. في تعليق غير اعتيادي، قال المفاوض التجاري الصيني لونج يونجتو في مؤتمر في شنجن أواخر العام الماضي: "نحن نريد إعادة انتخاب ترامب؛ سوف نسعد برؤية ذلك يحدث".وقال لونج إن تغريدات الرئيس تجعل من السهل قراءته وبالتالي هو "أفضل خيار لخصم في المفاوضات". في شهر مايو، نقل"هو تشيجين" رئيس تحرير صحيفة جلوبال تايمز الناطقة باسم الحزب الشيوعي تغريدةلترامب تقول إن الصينيين "يتمنون إعادة انتخابك لأنك تجعل أمريكا غريبة ومكروهة من العالم. أنت تساعد في تشجيع الوحدة في الصين".وأضاف "هو" أن "مستخدمي الإنترنت الصينيين يسمونك "Jianguo" أي تساعد في بناء الصين". ربما لا يتحدث لونج وهو نيابة عن قيادات بكين، لكن لن يخاطر أي مسئول أو شخصية إعلامية صينية بالإدلاء بمثل هذه التصريحات علنًا إذا كانت آراؤهم محظورة في الدائرة الداخلية للسلطة.

ماذا يحدث؟ يعتقد الكثير من الأمريكيين أن ترامب هو أول رئيس يقف في وجه الصين. ففي النهاية، فرضت إدارته رسومًا جمركية على صادرات بكين، وفرضت عقوبات على أهم شركاتها ومسئوليها، وضغطت على بكين لتلعب بنزاهة في التجارة، ورغم كل هذا يريد الصينيون أكثر؟ بالتأكيد،ربما كان من الأفضل أن تتجنب بكين نزاعًا تجاريًّا مكلفًا مع أكبر عملائها. لكن ترامب ربما لا يُلقي قدرًا كبيرًا من الرعب في قلوب كوادر بكين العليا كما تتوقع.

قال مينشين باي، المتخصص في السياسة الصينية في كلية كليرمونت ماكينا، "إنه يمتلك حدسًا لا تحبه الصين،لكنه يمتلك حدسًا لا تمانعه. إنه لا يرى الصين كخصم أيديولوجي. يمكن إقناع ترامب إذا كان السعر مناسبًا".

بالنسبة إلى الصين،هذا مهم. على الرغم من أن ترامب في بعض الأحيان اتخذ إجراءات بشأن القضايا السياسية وقضايا حقوق الإنسان التي تعتبرها بكين في غاية الحساسية – وآخرها التوقيع على تشريع لفرض عقوبات بسبب معاملة الحكومة الصينية السيئة لأقلية الإيغور– إلا أنه في كثير من الأحيان بدا غير مهتم شخصيًّا، وحتى متجاهلًا. في كتاب جديد، ادعى مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون أن ترامب أخبر الرئيس الصيني شي جين بينجعلى العشاء في أوساكا أن معسكرات الاعتقال التي تبنيها بكين للسيطرة على مجتمع الإيغور كانت الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله. اعترف ترامب مؤخرًا أيضًا بأنه أجّل العقوبات على مسئولين متورطين في المعسكرات لكي يُسهّل المفاوضات على اتفاقية التجارة المبتغاة مع الصين.

أظهر ترامب تناقضًا مماثلًا تجاه قمع بكين المتزايد للمحتجين الموالين للديمقراطية في هونج كونج. تعهد الرئيس بعقوبات صارمة لمواجهة آخر تحركات بكين – فرض قانون أمن قومي على هونج كونج يهدف إلى القضاء على ما تبقى من المقاومة – وأدلى وزير خارجيته، مايك بومبيو، بتصريحات عدائية وتهديدات حول تلك الخطوة.لكن التزام ترامب تجاه قضية هونج كونج بدا في أكثر الأحيان فاترًا. في العام الماضي، بينما خرج الملايين في مسيرات في المدينة، تجنب دعمهم،وفي مرحلة ردد جملة الحزب الشيوعي التي تصف الاحتجاجات بـ"أعمال شغب" وشأن صيني. قال في أغسطس الماضي، "إنه أمر بين هونج كونج والصين، لأن هونج كونج جزء من الصين".

حتى فيما يخص التجارة – الموضوع الذي برز كثيرًا في تغريداته– أثبت ترامب ضعفه. أقنعه المفاوضون الصينيون ببراعة بتأجيل مناقشة القضايا الأكثر أهمية للأعمال الأمريكية –على سبيل المثال، برامج الدولة التي تدعم المنافسين الصينيين بشدة – إلى "المرحلة الثانية" من المحادثات،التي لم تتحقق بعد. بدلًا من هذا، اكتفى ترامب باتفاق أصغر قائم على "المرحلة الأولى"، وُقّع في يناير، والذي كان يرتكز بشكل رئيسي على المشتريات الصينية الضخمة للمنتجات الزراعية الأمريكية، ولم يتضمن الكثير لتغيير الممارسات العنصرية لبكين.

ولم يفعل ترامب شيئًا لاحتواء نفوذ الصين المتزايد على الساحة العالمية. إن ازدراء إدارته للمؤسسات الدولية تخلى عن النفوذ بداخلها لصالح الصين، وأبرزها إعلانه الأخير لانسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية. وفي حين أن بومبيو انتقد بشكل متكرر برنامج شي الدبلوماسي،ومبادرة الحزام والطريق لبناء البنية التحتية، بوصفه فخًّا خطيرًا للإيقاع بالدول الفقيرة المطمئنة، إلا أن الإدارة لم تكلف نفسها عناء تقديم بديل. اعترض ترامب بشدة على مطلب بكين المثير للجدل في بحر الصين الجنوبي عن طريق زيادة وتيرة المهام البحرية المُرسلة إلى المياه المتنازع عليها للحفاظ على حرية الملاحة، لكنه لم يتابع هذا بأي دبلوماسية متسقة في جنوب شرق آسيا، وهو نفسه تجاهل القضية بشكل عام.

قال جريجوري بولنج، مدير مبادرة الشفافية البحرية لآسيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: "إن قيادة بكين واثقة جدًا في أنه لو لم يفوزوا ببحر الصين الجنوبي، فإنهم يربحون بالتأكيد". إن منع ذلك سيتطلب جهدًا دوليًّا جماعيًّا بقيادة الولايات المتحدة، لكن "يمكنك أن تتأكد من أن هذا لن يحدث تحت إدارة ترامب".

هنا يكمن السبب الرئيسي الذي يجعل بكين لا تمانع تولي ترامب فترة أخرى: إن أسلوب السياسة الخارجية الخاص به – الأحادي والشخصي والمرتكز على الأمور المالية – أضعف بشدة نظام التحالفات التقليدي لأمريكا. في حين أن الرئيس باراك أوباما حاول إنشاء "محور" آسيا، اهتم ترامب بالمنطقة اهتمامًا عرضيًا فقط، خاصة فيما يتجاوز التجارة ومداعباته العابرة لزعيم كوريا الشمالية كيم يونج أون. لاحظت بكين طبعًا أن ترامب وتّر العلاقات مع أقرب حليفين لأمريكا في المنطقة – كوريا الجنوبية واليابان – بمشاحناته المستمرة والتافهة حول التجارة وتكاليف القواعد العسكرية الأمريكية في تلك الدول.

هذا يناسب بكين تمامًا. وبينما تتراجع واشنطن، تحاول الصين التقدم للأمام. أصبحت بكين أكثر جزمًا على مدار رئاسة ترامب،وتستفيد آلة الدعاية الصينية من تعامل ترامب المريع مع جائحة فيروس كورونا للسخرية من الرئيس والديمقراطية الأمريكية، وإثارة الشكوك حول القيادة العالمية الأمريكية، وتقديم الصين كقوة عالمية مسئولة أكثر. يجري "هو"مناورات مع صراعات ترامب. لقد كتب تغريدة عن ترامب في شهر يونيو: "أنت ليس لديك أي فكرة عن السيطرة على جائحة". وكتب في تغريدة أخرى: "واشنطن حمقاء".وقال ليو شياومينج، سفير الصين في المملكة المتحدة، إن حكومة الصين، بكل مهاراتها الفائقة في السيطرة على الفيروس، "عززت الثقة الدولية في هزيمة الفيروس". (وعلى الرغم من أنه ليس واضحًا ما إذا كانت هذه التصريحات لها تأثير ملموس على الرأي العام العالمي، غير أن الكثير من الدبلوماسيين والمسئولين الصينيين يرونها فعالة).

من وجهة نظر الصين،ترامب ليس صارمًا بقدر ما هو مختلف. لقد حاول الرؤساء السابقون الضغط على الصين في إطار قواعد النظام العالمي الحالي؛ بينما يفضل ترامب العمل خارج إطار ذلك النظام. على سبيل المثال، اتجه أسلافه إلى منظمة التجارة العالمية للاعتراض على ممارسات الصين التجارية غير النزيهة، مقدمين 21 شكوى في الفترة بين 2004 وأوائل 2017 (بسجل نجاح قوي). قدمت إدارة ترامب، التي تحط من قدر منظمة التجارة العالمية، شكوتين اثنتين فقط، واحدة منهما كانت ردًا على ثأر الصين من الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب. وبينما سعى الرؤساء السابقون لكسب القوى الأخرى، لا سيما في أوروبا وشرق آسيا، التي لديها مصالح مشابهة في إجبار الصين على الالتزام بالقواعد، فإن البيت الأبيض بقيادة ترامب أبعد معظم الاتحاد الأوروبي عبر التهديد برسوم جمركية باهظة، وانتقاد الناتو، وشن هجمات شخصية على بعض قادة الغرب المؤثرين. في الوقت نفسه، في آسيا، انسحب من الشراكة العبارة للأطلسي، وهي معاهدة هدفت إلى ترسيخ العلاقات الأمريكية بحلفائها.

من هذا المنطلق، رئيس صاحب سياسة خارجية أمريكية "طبيعية" – والتي بموجبها تعمل واشنطن عن كثب مع أصدقائها وتساند الأعراف والمؤسسات الدولية – ليس جيدًا للصين. لقد تعهد المرشح الديمقراطي، جو بايدن، بتشكيل ائتلاف لعزل الصين ومواجهتها. وقال بايدن: "عندما ننضم مع الأنظمة الديمقراطية الصديقة، سوف تتضاعف قوتنا. ليس بوسع الصين تجاهل أكثر من نصف الاقتصاد العالمي".وهذا هو موضوع الكوابيس الصينية، وليس ترامب.

وأيًّا كان من سيربح في نوفمبر، فليس من المرجح أن تلين السياسة تجاه الصين. لقد تشكل ما يشبه الإجماع في واشنطن، في الدوائر السياسية، على أن بكين تمثّل تهديدًا استراتيجيًّا للولايات المتحدة، وربما لا تكون هناك طريقة للعودة إلى أيام المشاركة الأمريكية الصبورة. قال بولنج، من مبادرة الشفافية البحرية لآسيا، "أصبح الحمام المتبقي قليل جدًا، حتى في جناح اليسار. الديمقراطي الذي سيتولى السلطة الآن لن يكون مثل أوباما عندما يتعلق الأمر بالصين. لم يعد هذا ممكنًا من الناحية السياسية".

وتوقع "باي"، من كلية كليرمونت ماكينا، أن البعض في بكين ربما لا يزالون يفضلون فوز بايدن، إذا كانوا يأملون فقط في فترة توقف في التوترات، حيث سيركز الديمقراطيون، في البداية على الأقل، على أولوياتهم الداخلية. وقال إن الصينيين ربما يندمون على هذا أيضًا. وتابع باي: "يعتقد أنصار ترامب أن الولايات المتحدة وحدها يمكنها توجيه ضربة قاضية للصين. سوف يتجه الديمقراطيون على الأرجح للحلفاء لكي يشكلوا جبهة أكثر توحيدًا ضد الصين. إذا نجح الديمقراطيون، ستصبح الصين في موقف أصعب بكثير على المدى الطويل."


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترامب الصين

اضف تعليق