ناشيونال إنترست| هل يتشكّل تحالف صيني - إيراني ضد ترامب؟


١٣ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا عما تصفه بأنه الاتفاقية النهائية بين إيران والصين، وفقًا للصحيفة:

"عقدت إيران والصين في هدوء شراكة اقتصادية وأمنية شاملة والتي ستمهد الطريق لاستثمارات صينية بمليارات الدولارات في قطاع الطاقة وقطاعات أخرى، وهو ما يقوض جهود إدارة ترامب لعزل الحكومة الإيرانية بسبب طموحاتها النووية والعسكرية. هذه الشراكة، الموضحة بالتفصيل في اتفاقية مقترحة من 18 صفحة حصلت عليها صحيفة نيويورك تايمز، سوف توسع التواجد الصيني في القطاع المصرفي، والاتصالات، والموانئ، والسكك الحديدية وعشرات المشروعات الأخرى. في المقابل، سوف تحصل الصين على إمداد منتظم – وبتخفيض كبير وفقًا لمسئول إيراني وتاجر نفط – من النفط الإيراني على مدار الـ25 سنة المقبلة".

هناك حاجة لبعض الحذر. أولًا، ليس غريبًا على جماعات مثل مجاهدي خلق أن ينشروا وثائق مزورة لمحاولة إحراج النظام الإيراني، إلا إنه كان هناك ما يكفي من الدخان في الصحافة الإيرانية طوال الـ18 شهرًا الماضية لنعرف أنه يوجد خبر حقيقي. ثانيًا، في حين أن صحيفة نيويورك تايمز تنشر الاتفاقية كأنها موجهة لمقاومة إدارة ترامب، فإن الصحافة الإيرانية توضح أن اتفاق الصين يعود إلى الولاية الثانية للرئيس محمود أحمدي نجاد التي تتزامن مع إدارة باراك أوباما. ربما تكره صحيفة نيويورك تايمز ترامب، لكن من غير النزاهة أن تحرّف كل الأحداث العالمية لكي تتماشى مع هوسها الشخصي.

قام المتشددون الإيرانيون بجس نبض شعبهم حول التوجه الإيراني للصين. وفي حين أنه لم يعد متاحًا على الإنترنت، في 21 يوليو 2018 نشرت صحيفة جمهوري إسلامي، إحدى أهم الصحف المتشددة في إيران، مقالة افتتاحية رئيسية بعنوان "التفسير الصحيح لسياسة "لا شرق ولا غرب". كانت هذه العبارة بالطبع "لاشرق ولا غرب" أحد شعارات المرشد الأعلى الثوري آية الله روح الله الخوميني لتعزيز الاستقلال الإيراني عن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بشكل خاص وأي قوة خارجية بشكل عام. وبعد أسابيع من لقاء وفد عسكري صيني بقائد القوات البرية الإيرانية، جادلت صحيفة جمهوري إسلامي بأن إعادة تقييم الفلسفة الاستراتيجية الإيرانية باتت ضرورية. قالت الصحيفة: "سواء في فترة القيصر أو الاتحاد السوفيتي، أولئك الذين يعارضون توطيد علاقاتنا مع روسيا يقولون إنه لا يمكن الوثوق بروسيا؛ وبالتالي لا يمكننا التحرك باتجاه سياسة "تطلع إلى الشرق". وقالت الصحيفة إنه يمكن رؤية الحُجة نفسها لاستنكار توطيد العلاقات مع الصين في تعليقات وكتابات معارضي سياسة "التطلع إلى الشرق".

إن التوجه إلى الصين يكمل نمطًا تاريخيًّا إيرانيًّا غير سار، والذي يعود إلى ما قبل الجمهورية الإسلامية. عندما تكون إيران ضعيفة أو تشعر بأن القوى الخارجية تستغلها، تتجه إلى دول أخرى تأمل في أنها نزيهة لموازنة القوى التي تشعر طهران بأنها تضطهدها. على سبيل المثال، خلال منتصف القرن التاسع عشر، عندما كانت الإمبراطوريتان البريطانية والروسية تتعديان على حدود إيران عسكريًّا، اتجه القائد الفارسي ناصر الدين شاه إلى إمبراطورية النمسا - المجر من أجل إقامة أكاديمية عسكرية حديثة لتحديث جيش البلاد.

في العقود اللاحقة، اتجهت روسيا وبريطانيا العظمى إلى الامتيازات الاستغلالية، وهو ما يماثل دبلوماسية الديون التي تمارسها الصين اليوم. ومن أجل استعادة الاستقلال المالي، اتجه قادة إيران إلى بلجيكا أولًا، ثم في 1912، إلى الولايات المتحدة. كان يُنظر للدولتين داخل البلاط الإيراني على أنهما صغيرتان ومن المستبعد أن تتدخلا في الشئون الداخلية لإيران. وفي حين أن البريطانيين والروس تآمروا لطرد الخبير المالي الأمريكي جوزيف شاستر الذي كان يُصلح الشئون المالية الإيرانية، حافظت الولايات المتحدة على سُمعتها المستقلة النزيهة لعقود عديدة، وأرسلت في النهاية خبيرًا جديدًا، آرثر ميلسبو، لمساعدة إيران في استعادة استقلالها المالي. اتبع رضا شاه، والد محمد رضا شاه الذي أطاح به الخوميني في النهاية، نفس النمط عندما تواصل مع ألمانيا، وهو تصرف جعل البريطانيين يجبرونه على التنازل عن العرش في 1941 على خلفية الحرب العالمية الثانية.

ومع صعود الحرب الباردة، لم تحافظ واشنطن على النهج النزيه الذي جذب طهران إليها في البداية. وفي أعقاب انقلاب 1953 – وهي عملية كانت الولايات المتحدة متحالفة فيها ومتآمرة مع رجل الدين الإيراني الذي استولى على السلطة بعدها برُبع قرن – أصبحت الولايات المتحدة متدخلة أكثر في الشئون الداخلية لإيران. وبعد 1979، أصبح التواجد الإقليمي الأمريكي بالنسبة للقائد الإيراني موضعًا للمؤامرات الإيرانية والشك والقلق الشديد. غازل بعض القادة الإيرانيين فكرة العلاقة الأقوى مع روسيا، وتعامل الإيرانيون العاديون بغضب قومي مع أي تحالف مع روسيا والذي قد يصبح أعمق من مجرد تحالف دبلوماسي. 

من هنا جاء توجه إيران إلى الصين. في حين أن المسئولين الإيرانيين رحبوا بمساعدة الصين لتطوير صناعة تكنولوجيا النانو في إيران، ولتحديث برنامجها النووي، ولتزويد البحرية الإيرانية بمرافق الموانئ أثناء غزواتها العرضية في المحيط الهادئ، فإن أي اتفاق بين الحكومة الإيرانية والصين لإتاحة عقود إيجار طويلة الأجل على الأراضي الإيرانية سيُسبّب غضبًا شعبيًّا في أوساط الشعب الإيراني ومعظم الطيف السياسي الإيراني. ربما يحاول المرشد الأعلى علي خامنئي ومساعدوه المباشرون في القيادة السياسية فرض هذا الاتفاق بأية طريقة، لكنهم يفعلون ذلك بقدر كبير من المخاطرة على شرعيتهم. ربما ينظر بعض القادة الإيرانيين لاتفاق الصين كضربة ليس فقط للولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بل أيضًا لروسيا، لكن هناك بالفعل قلق لدى عامة الإيرانيين وأيضًا المسئولين الإيرانيين حول ما إذا كانت فوائد اتفاق الصين تفوق المخاطر على السيادة الإيرانية. ففي النهاية، في كل مرة تجرب الحكومة الإيرانية حظها مع قوة جديدة لمواجهة غضبها من القديمة، ينتهي الأمر نهاية سيئة للإيرانيين. ربما لا يرى خامنئي هذا، لكن الإيرانيين العاديين يفعلون.

إن المشكلة الحقيقية للولايات المتحدة ليست أن الصين ستبدأ في دعم إيران في الأمم المتحدة. في النهاية، سواء صوتت بنعم أو لا، تفعل الصين ما تشاء على أية حال. على العكس، المشكلة هي أنه إذا ربط خامنئي والرئيس حسن روحاني الصين باتفاق طويل الأجل مع إيران قبل موت خامنئي، الذي قد تُسبب وفاته صراعًا على الخلافة، واحتجاجات ضخمة مناهضة للنظام، واتجاه الكثير من الإيرانيين للغرب، ربما تحاول بكين الأكثر عدوانية فرض حيازاتها عسكريًّا أو تقويض تعافي إيران ما بعد خامنئي عبر فخ الديون. إن الصين ليست فوق التدخل في شئون إيران الداخلية مثلما فعلت الولايات المتحدة منذ نصف قرن. ربما يُسبب هذا صداعًا للإدارة الأمريكية المستقبلية، لكنه سيصبح مأساة جديدة للشعب الإيراني الذي يتوق لأن يصبح حرًا ويُترَك وشأنه.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق