الجارديان |قبل فوات الأوان.. الاتحاد الأوروبي أمامه فرصة تاريخية للاعتراف بدولة فلسطين


١٣ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

في يناير الماضي، عندما كشفت إدارة ترامب رسميًّا عن خطتها التي طال انتظارها لحل الصراع بين إسرائيل وفلسطين، لم يُشاهد أي فلسطيني في مؤتمر البيت الأبيض الصحفي ولم يُدع أحد منهم إليه. حيث شارك الرئيس ترامب المنصّة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وتحدثا بابتهاج عن تلك الوثيقة المكوّنة من 181 صفحة، التي يُزعم أنها تمثل خريطة طريق لحل الدولتين، لكن في الحقيقة هي "وثيقة استسلام" تنكر حقوق الفلسطينيين وتعترف بادعاءات إسرائيل بأحقيتها في المستوطنات غير الشرعية.

أُصيب العالم بصدمة. وصُعقت أوروبا بما حدث. إذ كانت الولايات المتحدة تدعو علنًا لضمّ أجزاء كبيرة من الضفة الغربية.

تحدّت هذ الصفقة المفاهيم الأوروبية بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة حَكَمًا قادرًا. تاريخيًّا، احتكرت الولايات المتحدة عملية حل الصراع في المنطقة، حيث كانت تستقي هذه الشرعية من زعمها الالتزام بالتوافق الدولي بحل الدولتين بناءً على حدود 1967. طالما اكتفت واشنطن بالحديث عن دعمها لهذا "السلام العادل والدائم القائم على رؤية الدولتين"، عادت أوروبا عن طيب خاطر إلى دورها الثانوي في حلّ الصراع والمتمثل في ضخّ مليارات اليورو من المساعدات المالية في الأراضي الفلسطينية للإبقاء على الفلسطينيين مُيسرين ماليًّا، وتقليص أي مسئوليات قيادية تقع على عاتقها.

تضع صفقة القرن الاتحاد الأوروبي وأعضاءه في موقف صعب. يمكن للاتحاد أن يراجع سياساته لتتوافق مع سياسات الولايات المتحدة، أو يمكنه التعبير عن اعتراضاته. حدّدت الحكومة الجديدة في إسرائيل موعد الأول من يوليو لبدء عملية الضمّ، عندما بات هذا أمرًا معروفًا، بدأت أوروبا في الحديث صراحة عن فرض عقوبات.

في الفترة التي سبقت تاريخ الأول من يوليو، أصدرت برلمانات بلجيكا وهولندا وألمانيا قرارات تتضمن فرض إجراءات عقابية في حال مضت عملية الضمّ قدما. حذر "جوزيب بوريل"، مسئول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي من "تداعيات كبيرة" على العلاقات بين الاتحاد وإسرائيل في حال جرى تنفيذ الضمّ. الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لإسرائيل، وبلغ إجمالي التبادل التجاري بينهما 36.2 مليار يورو عام 2017. من المفترض أن التهديد بفرض عقوبات اقتصادية له وزن أكبر بكثير من الكلام النظري عن المقاطعات الأكاديمية والدبلوماسية. مع هذا، تظل العقوبات على المستوى الفيدرالي (الاتحاد الأوروبي) مرفوعة من الطاولة لأسباب متعددة. وقد كشف تحقيق لوكالة رويترز أن "الاتحاد الأوروبي لا يمتلك استراتيجية أيضًا بشأن طريقة وقف خطة إسرائيل أو كيفية الردّ بجديّة في حال مضت عملية الضمّ قدمًا".

لقد انقضى الموعد الذي وضعه نتنياهو لتنفيذ عملية الضمّ، وأصبحت المسألة، حتى الآن، مؤجلة. قد يفترض المرء أن الاتحاد الأوروبي يشعر بارتياح. وربما يكون هناك أمل، حتى لو كان ضعيفًا، بأن تُسفر الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر عن الإطاحة بترامب ومؤيدي عملية الضم من السلطة، ما سيجعل السياسة الأمريكية مجددًا متوائمة مع التوافق الدولي. ستبقى فلسطين محتلة، وسيتواصل بناء المستوطنات، وستزداد صعوبة الحياة اليومية للفلسطينيين المحاصرين والمعزولين خلف الجدران. لكن الاتحاد الأوروبي سيشعر بارتياح من فكرة أن الولايات المتحدة ملتزمة بحل الدولتين، وأنها "تسعى لتنفيذه".

إذًا، لو قبلنا أن أوروبا أصبحت عاجزة على المستوى الفيدرالي، ماذا يمكن لفرادى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن تفعل، في ضوء الطابع المُلحّ للوضع الذي نواجهه اليوم؟

الإجابة بسيطة: الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، قبل تنفيذ إسرائيل لعملية الضمّ. دول الاتحاد الأوروبي لن تصنع التاريخ لو اتخذت هذا القرار، لكنها ستنضم بذلك إلى غالبية دول العالم، من بينها دولة السويد التي كانت أول دولة عضوة في الاتحاد تعترف بفلسطين.

في ديسمبر 2019، أرسل وزير خارجية "لوكسمبورغ" "جان أسيلبورن" خطابًا لمسئول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي "جوزيب بوريل" يقول فيه إن الوقت بات ملائمًا للاعتراف بدولة فلسطين. وجادل "أسيلبورن" أن هذه الخطوة "لن تكون معروفًا أو شيكًا على بياض، لكن ستكون مجرد اعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم. ولن تكون موجّهة بأي حال من الأحوال ضد إسرائيل".

إن الاعتراف هو مسألة ثنائية بحتة بين دولتين، ولا تحتاج إلى موافقة أو وحدة على المستوى الفيدرالي. يمنح الاعتراف بفلسطين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي فرصة لتأكيد التزامها بحل الدولتين بوصفه الحل المجدي الوحيد؛ ما سيساهم في التصدّي لخطط إسرائيل للضمّ، وذلك عبر إظهار الالتزام الواضح بالقانون الدولي - ناهيك عن قانون الاتحاد الأوروبي - وليس "قانون الغاب" المتمثل في الاحتلال العسكري طويل الأمد.

إن الاعتراف بفلسطين ليس جدليًّا مثل فرض العقوبات، بالرغم من أن العقوبات هي الأداة المُثلى المطلوبة لإجبار إسرائيل على الالتزام بالقانون الدولي. إن الاعتراف الثنائي يمكن تمريره والمصادقة عليه من جانب برلمانات فرادي الدول الأعضاء في الاتحاد. من الناحية العملية، لن يتغير شيء على الأرض، وسيتواصل الاحتلال في اليوم التالي للاعتراف الأوروبي بالدولة الفلسطينية، لكن من الناحية القانونية، ستتغير قواعد اللعبة بشكل كبير.

إن الاعتراف بدولة فلسطين، سيُمكّن دول الاتحاد الأوروبي من اعتبار محاولات إسرائيل للضمّ مستقبلًا بأنها غزو لأراضي دولة أخرى بالقوة، وليس مجرد بسط لسيادة مُحتل عسكري على أراضٍ محتلة، كما تزعم إسرائيل. ربما تكون خطوة الاعتراف بدولة فلسطينية بسيطة ومتأخرة، لكنها ستكون على أقل تقدير خطوة في الاتجاه الصحيح.    


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق