ناشيونال إنترست | كيف يمكن لأمريكا التصدّي للصين دون التضحية بالعلاقات الاقتصادية؟


٢٨ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

لا تسير علاقاتنا مع الصين على ما يرام، هذا أقل ما يمكن قوله. يُعزى ذلك جزئيًّا إلى تعامل جمهورية الصين الشعبية الأوّلي مع جائحة فيروس كورونا، لكنها جرّمت الآن أيضًا المعارضة في هونغ كونغ، كما كُشف النقاب عن سوء معاملتها لشعب الإيغور المسلم.

من الواضح أننا بحاجة إلى ردّ مناسب على الفظاعات التي ترتكبها جمهورية الصين الشعبية.

مع هذا، فإن العديد من الحلول المقترحة مدفوعة بمعارضة التجارة عمومًا مع الصين، بقدر ما هي مدفوعة بمعارضة انتهاكات الصين لحقوق الإنسان. لكن هناك سببًا دفعنا للاعتماد على التجارة مع الصين لزمن طويل.

إن العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين متجذرة، بيد أنّ هناك طرقًا لجعل أمريكا أقل اعتمادًا على الصين، من دون وضع العلاقات الاقتصادية في مهبّ الريح.

سلاسل الإمداد والتجارة.. توزيع وليست سياسة حماية

في بداية تفشي الجائحة، أعطى نقص توافر معدات الحماية الشخصية دفعة لفكرة "نقل" سلاسل الإمداد، بداية من معدات الحماية الشخصية، ولاحقا البضائع بشكل أعم. إن الرأي المطالب بنقل سلسلة الإمداد مبني على افتراضات خاطئة مفادها أن سلاسل الإمداد العالمية أقل أمنًا من المحلية، كما أن إخراج سلاسل الإمداد من الصين لا يعني، ولا ينبغي أن يعني، جعْل سلاسل الإمداد محلية تمامًا.

تشير أدلة حديثة إلى أن سلاسل الإمداد المحلية ليست أكثر متانة من نظيرتها العالمية. لو أنتجت الولايات المتحدة الغالبية الكبرى من منتج بعينه تستهلكه، وتعطّل الاقتصاد الأمريكي لسبب ما، فستحدث مشكلة. لكن لو أنتجت الولايات المتحدة بعضًا من هذه المنتجات محليًّا واستوردت بعضها الآخر من بلدان مختلفة، حينها ستتوزع المخاطر.

من غير المحتمل أن يؤدي حدث واحد (كوارث طبيعية أو حرب أو جائحة) لتعطيل جميع مورّدي المنتجات. وفي حالة حصول حدث كهذا، سيكون أكثر فاعلية الاحتفاظ بمخزونات طوارئ، كما تفعل سويسرا، عوضًا عن امتلاك سلسلة إمداد محلية بالكامل.

إن التجارة مفيدة للولايات المتحدة؛ لأنها تقلل أسعار المنتجات للمستهلكين الأمريكيين وتعدّ مصدرًا للدخل للشركات الأمريكية. وعلى النقيض من هذا، تتسبب الحمائية في خسارة المزيد من الوظائف الأمريكية وليس الحفاظ عليها. لقد دفع الأمريكيون ثمن الحرب التجارية مع الصين، ولكن أحد نتائج الحرب التجارية كان تحويل الواردات من الصين إلى بلدان مثل تايوان وفيتنام. إن إصلاح اتفاقية "الشراكة عبر المحيط الهادئ"، سيسهّل من تقليل الحواجز التجارية مع بلدان آسيوية أخرى، ما سيزيد من عملية التحوّل بعيدًا عن الصين، والمساعدة على تقليل الرسوم الجمركية على واردات آتية من بلدان مثل تايوان، وهو ما سيُجنّب المستهلكين الأمريكيين دفع أسعار أعلى اضطروا لدفعها بسبب الحرب التجارية. إن الانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، قوّى من موقف الصين في المنطقة، وينبغي لنا التراجع عن هذا القرار في أقرب وقت ممكن.

إصلاح قوانين الضرائب على الاستثمار

ثمة طريقة أفضل لتقوية القدرة الإنتاجية الأمريكية بدلاً من محاولة إرجاع وظائف محددة غادرت أمريكا: تسهيل الاستثمار في أمريكا، والبداية من قانون الضريبة. طبقًا للقانون الراهن، يتعيّن على الشركات خصم تكاليف استثمارات المنشآت السكنية والتجارية على مدار تسعة وثلاثين عامًا وسبعة وعشرين عامًا ونصف على التوالي. وقد سمح قانون خفض الضرائب لعام 2017 للشركات بخصم تكاليف الاستثمار في الآلات والمعدات بشكل فوري، لكن من المقرر أن تنتهي أحكام هذا القانون تدريجيًا خلال عامين. يمثل هذا الأمر مشكلة لأن الخصوم المستقبلية ستكون أقل قيمة من الخصوم الراهنة بسبب التضخم والقيمة الزمنية للمال.

إن عدم السماح لتلك الشركات بخصم القيمة الكاملة للإنفاق على هذه المشتريات، سيرفع تكلفة المشاريع، مثل مصنع جديد أو معدات أفضل. وهذا سيئ للعمال، لأن تراجع الاستثمار يعني تباطؤ نمو الإنتاجية وبالتالي تباطؤ نمو الأجور. كما يخلق انحيازًا ضد الصناعات التي تتطلب رأس مال ضخم. 

عندما سمحت الولايات المتحدة لشركات بخصم تكاليف الاستثمار بشكل أسرع، ارتفعت الاستثمارات والإنتاجية والأجور. تفهم الصين هذا الأمر. في منتصف العقد الأول للألفية، طبقت الصين إصلاحات تسمح تقريبًا بالإلغاء التام لتكاليف الاستثمار في العام الذي نُفذ فيه هذا الاستثمار، وقد زادت استثمارات الشركات المستفيدة من هذا القانون بنسبة 38.4 بالمائة، فيما زادت إنتاجيتها بنسبة 8.9 بالمائة. ولا ينبغي أن تتخلف أمريكا عن الركب بسبب سياستها الضريبية الضعيفة. 

تمويل البحوث

بعيدًا عن جعل البيئة الاستثمارية أكثر عدلاً للقطاع الخاص، ينبغي لنا أيضًا التفكير في تحسين تعامل الحكومة الفيدرالية مع البحث والتطوير. من المنطقي توفير التمويل للأبحاث العلمية، لأن الابتكار ينشر فوائد كبيرة للبلد عمومًا. لم تتراجع نسبة أموال الميزانية الفيدرالية المخصصة للبحث العلمية فحسب، لكن نهجها المتعلق بتقديم المِنح مليء بالعيوب أيضا: خلصت ورقة بحثية تتناول "السياسة البحثية" إلى أن المِنح المُقدمة تفضل الأبحاث منخفضة المخاطر وقليلة المكسب، ما يضعف من إمكانية تحقيق إنجازات كبيرة. إن زيادة التمويل وإعادة التفكير في طريقة تقديم المِنح، هما فكرتان سليمتان من الناحية الاقتصادية.

ثمة جانب جيوسياسي هنا أيضًا؛ صدرت مؤخرًا لوائح اتهام بحق "تشارلز ليبر" رئيس قسم الكيمياء في جامعة هارفارد، بزعم أنه كذب على وزارة الدفاع بشأن تلقيه من الحكومة الصينية 1.5 مليون دولار على شكل مِنح بحثية وحصوله على 200 ألف دولار شهريًّا كراتب ونفقات معيشة. يقول "دانيل تنييرو" في مجلة "ناشيونال ريفيو" معلقًا على الاتهامات بحق "ليبر"، إن جاذبية المال الصيني للأكاديميين الأمريكيين سببها الغياب النسبي للإجراءات البيروقراطية في الصين.

يقضى الباحثون 42 بالمائة من وقتهم وهم مشغولون بالالتزام بالمهام الإدارية المتعلقة بمِنح الحكومة الأمريكية، عوضًا عن قضاء وقتهم في ممارسة أعمال بحثية فعلية. إن تحسين عمليات الموافقة على مِنح الأبحاث، سيكون جيدًا للابتكار والاستراتيجية الجيوسياسية.

هذه الإجراءات ليست بأي حال من الأحوال قائمة كاملة بالسياسات الاقتصادية التي يجب اتخاذها للتصدّي للصين، إلى جانب أشكال الضغط الدبلوماسي والسياسي الأخرى. لكن اتباع مبادئ اقتصادية سليمة أمرٌ حتمي؛ بل يمكن أن يساعد في توجيه السياسة الخاصة بمواجهة النفوذ الصيني.  

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق