ذا دبلومات| السلام في كوريا يمكن أن يتحقق دون نزع السلاح النووي


٠٣ أغسطس ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

لو كان لا يزال لدى إدارة ترمب بصيص أمل بأن كوريا الشمالية ستتخلى عن سلاحها النووي، فقد أعطى "كيم يونغ أون" إجابة واضحة على هذا النوع من التفكير أثناء خطابه في الثامن والعشرين من يوليو، الذي قال فيه إن هذا لن يحدث في أكثر أحلامكم جموحًا.

نقلت وكالة الأخبار المركزية الكورية عن "كيم" قوله لمجموعة من المحاربين القدامى في ذلك اليوم: "لقد أصبحنا قادرين على الدفاع عن أنفسنا بفاعلية ضد أي شكل من أشكال الضغط الكثيف والتهديدات العسكرية من جانب القوى الرجعية الإمبريالية والقوى المعادية الأخرى". وأضاف كيم: "بفضل ردعنا النووي الفعّال والموثوق، فلن يكون لكلمة حرب وجود على هذه الأرض، كما أن أمن ومستقبل دولتنا سيكون مضمونًا للأبد".

لو تفحصنا جيدًا المصطلحات الغامضة المنمقة التي يستخدمها عادة الإعلام الحكومي الكوري الشمالي، سيجد المرء حقيقة واضحة وساطعة: أسلحة كوريا الشمالية النووية باقية. لقد آن الأوان أن تضع الولايات المتحدة في حسبانها هذه الحقيقة.

منذ إجراء كوريا الشمالية تجربتها النووية الأولى تحت الأرض عام 2006، بنت ثلاث إدارات أمريكية متعاقبة السياسة الأمريكية على أساس المجموعة ذاتها من الافتراضات الملتبسة: السلام في شبه الجزيرة الكورية لن يكون ممكنًا حتى تثبت سلاسة "كيم" استعدادها للتخلي عن برنامجها النووي، وأن العقوبات بمرور الوقت ستُجبر بيونغ يانغ على تلبية مطالب واشنطن بالتخلي عن السلاح النووي، وأن كوريا الشمالية دولة خطيرة ورجعية تحكمها حكومة غير عقلانية.

أصبحت جميع تلك الافتراضات غير ذات أهمية بمرور الوقت، وينبغي التخلي عنها.

إن الافتراض الثالث القائل بأن كوريا الشمالية دولة انتحارية، هو أسهل افتراض يمكن تفنيده. وبالرغم من أن المرء لا يشكّك في قدرة بيونغ يانغ على قمع شعبها بوحشية أو تجاهل مهارتها في الترويج الدعائي الهائل، بيد أن سلالة "كيم" أظهرت أنها تركز بدهاء على بقائها وبأنها عقلانية. إن الحصول على مخزون نووي لضمان بقاء النظام، هو في الواقع خيار حكيم بالنسبة لكوريا الشمالية، تلك الدولة المعزولة بلا حلفاء حقيقيين، والمنخرطة في عداء مع الولايات المتحدة منذ زمن طويل، والتي يتفوق عليها جيرانها كثيرًا من ناحية الثراء والتقدم التكنولوجي. لا يحتاج المرء أن يكون حاصلًا على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية ليدرك لماذا يُعدُّ من الصعب للغاية على كوريا الشمالية القبول بالتخلي عن سلاحها النووي الذي يمثل ضمانة أمنية كاملة لها، مقابل وعود بتخفيف العقوبات والتنمية الاقتصادية والتطبيع الدبلوماسي.

هذا يقودنا إلى الافتراض الثاني الخاص بالعقوبات. إن استغلال النظام المالي الخاضع لهيمنة الولايات المتحدة لمعاقبة خصوم وإجبار منافسين على تغيير سلوكهم، ربما أصبح الأداة المفضلة لدى صنّاع السياسة الخارجية في واشنطن. لكن مرة بعد الأخرى، بات صنّاع القرار والمشرّعون الأمريكيون عاجزين عن فهم أن الدول المستهدفة مستقلة في قرارها ولديها غالبًا حافز لمقاومة هذا النوع من الضغط الاقتصادي من قوى أكثر هيمنة. وكما أظهر الكوريون الشماليون على مدار السنوات الـ 14 الماضية، فإنهم من المرجح أن يلتفّوا على العقوبات المصرفية والتجارية عبر استغلال قائمة أكثر ابتكارًا من التكتيكات، عوضًا عن المخاطرة بالخضوع للمطالب الأمريكية، وهو ما يجعل بيونغ يانغ معرّضة لعدد من السيناريوهات المستقبلية البغيضة، ولن يكون بوسع أي عقوبات أمريكية أو دولية أو حصص تصدير أو تدريبات عسكرية في المنطقة، إخافة بيونغ يانغ لإجبارها على التخلي عن سلاحها النووي الذي يمثل وثيقة تأمين على حياتها.

لكن أهم سبب وراء فشل سياسة واشنطن تجاه كوريا الشمالية هو أن مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية تواصل ربط السلام في شبه الجزيرة الكورية بنزع سلاح بيونغ يانغ النووي. وفقًا لهذا المنطق، فأن أيًّا من الهدفين لن يتحقق دون تحقق الهدف الآخر، كما أن أي تفكير خارج الصندوق فيما يخص هذه المسألة يجري تنحيته جانبًا باعتباره غير جدير بالنقاش.

لسوء الحظ، هذا هو المنطق ذاته الذي يمنع الكوريتين من إحراز أي تقدم دبلوماسي بسيط فيما بينهما. وبالرغم من جهود المسئولين الكوريين الجنوبيين الذين يهدفون لزيادة التجارة العابرة للحدود، وبالتالي إزالة الحواجز تدريجيًّا مع الشطر الشمالي، غير أن عدم استعداد واشنطن لإعطاء "سيول" المرونة المطلوبة لتطبيق سياستها تجاه جارتها الشمالية، يُصيب مبادرة الرئيس الكوري الجنوبي "مون جاي إن" للوفاق بين الكوريتين بالشلل.

إن التفكير التقليدي الذي يهيمن منذ زمن طويل على موقف واشنطن تجاه كوريا الشمالية، يفترض أن واشنطن وبيونغ يانغ عاجزتان عن التعايش مع بعضها سلميًّا، وتقليل حدّة العداء، وتحسين علاقتهما. لكن التاريخ الحديث يثبت عدم دقة هذا النوع من التفكير.

إذا كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي قادران على الاحتفاظ بدرجة من التعايش الودّي فيما بينهما، فليس هناك سبب للاعتقاد أن الولايات المتحدة وكوريا الشمالية ستكونان عاجزتين، على أقل تقدير، عن إدارة علاقتهما لضمان عدم حدوث سوء تفاهم وتجنّب اندلاع حرب.

دعونا نواجه الحقيقة: ستظل بيونغ يانغ دولة نووية حتى المستقبل القريب، ويجب على صنّاع السياسة الأمريكيين تعلم العيش مع هذه الحقيقة. هم يمكنهم البدء باستبدال النهج البالي والعتيق المُتبع في السنوات الماضية، بنهج جديد يكون جريئًا وأكثر واقعية.   


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق