فورين بوليسي| إسرائيل لن تستطيع إخفاء الأدلة على احتلالها بعد الآن


٠٤ أغسطس ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد

على مدار العِقدين الماضيين، كان هناك فهم عام – ودون اعتراض – بأن صور الأقمار الصناعية لإسرائيل والأراضي الفلسطينية والسورية التي تحتلها محظورة.

كان هذا بسبب قانون أمريكي يعود لعام 1996 يُعرف باسم تعديل كايل - بينجامان (كيه بي إيه) والذي وضع حدًا لجودة وإتاحة صور الأقمار الصناعية عالية الدقة الصادرة عن الشركات الأمريكية التي تغطي إسرائيل (وبالتبعية، الأراضي الفلسطينية المحتلة وهضبة الجولان المحتلة).

والنتيجة هي أن الصور المتاحة للجمهور على منصات مثل جوجل إيرث أصبحت مشوشة وغير واضحة بصورة متعمدة.  

في 25 يونيو، عقب عامين من الضغط المتواصل من الأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني، جرى إصلاح قانون كيه بي إيه على نحو غير متوقع، بما يجعل صور الأقمار الصناعية عالية الدقة متاحة بطريقة قانونية وسهلة للجميع. هذا الخبر، رغم أنه مصدر ترحيب، إلا أنه يثير تساؤلات معينة: أولًا، ماذا كانت آثار قانون كيه بي إيه؟ وثانيًا، بما أن صور الأقمار الصناعية تطورت بدرجة كبيرة في النطاق والتنوع خلال الـ24 سنة منذ تمرير القانون، لماذا استغرق الأمر كل هذا ليتم تعديله؟ 

كان قانون كيه بي إيه ناتجًا ثانويًا لتبعات الحرب الباردة، عندما كانت صناعة صور الأقمار الصناعية حديثة العهد. سعى الرئيس بيل كلينتون لإعادة تشكيل التكنولوجيا المُستخدمة سابقًا في التجسس من أجل استخدام تجاري أوسع، واتجه أيضًا إلى رفع السرية عن صور أقمار التجسس الأمريكية من الستينيات والسبعينيات.

هذا المزيج من إضفاء الطابع التجاري ورفع السرية قرع أجراس الإنذار في بعض الدوائر. ضغطت إسرائيل، المدفوعة برغبة في الحفاظ على سرية الحرب الباردة، على الكونجرس من أجل قانون أكثر حزمًا، وهو ما أدى إلى تمرير كيه بي إيه: وهو الرقابة الوحيدة من الحكومة الأمريكية على صور منطقة من العالم. 

هذا التشريع، الذي طُبق تحت ستار حماية الأمن القومي لإسرائيل، كان عملًا رقابيًّا في واقع الأمر.

ففي النهاية، صور الأقمار الصناعية عالية الدقة تسمح للباحثين بفهم وتحديد وتوثيق التغييرات في المناظر الطبيعية. إن الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي التابعة لوزارة التجارة الأمريكية هي المسئولة عن تطبيق القوانين المتعلقة بالاستشعار عن بُعد، وحيث إن قانون كيه بي إيه لم يُحدد الجودة المسموح بها، جرى تثبيت القانون عند 2 متر لكل بكسل.

وعلى النقيض، الصور التجارية المتاحة اليوم تتراوح من 0.25 – 0.6 متر لكل بكسل. إنه الفرق بين رؤية الهيكل العام لمبنى ضخم والقدرة على رؤية المركبات الفردية المتوقفة بالخارج. من الممكن تحديد التغييرات الجوهرية في استخدام الأرض (مثلًا، بناء مستوطنات بحجم مدينة أو تجريف المباني الفلسطينية) عند حد المترين لكل بكسل، لكن من الصعب تمييز التغييرات غير الملحوظة – مثل نمو البؤر الاستيطانية أو التمركزات العسكرية الصغيرة. لـ24 عامًا، شوّش التشريع على الآثار المدمرة للاحتلال الإسرائيلي عن طريق إخفائها عن الأنظار.

كانت الرقابة على إسرائيل والأراضي المحتلة لها تداعيات أثرية، وجغرافية، وإنسانية سلبية. ولعل الأكثر فداحة من بينها هو آثارها على مراقبة الاحتلال الإسرائيلي المستمر لعقود، ويشمل ذلك توثيق هدم المنازل، والنزاعات على الأراضي، ونمو المستوطنات. لقد أحبطت الصور منخفضة الدقة جهود إثبات انتهاكات حقوق الإنسان، خاصة في المناطق التي يصعب الوصول إليها مثل قطاع غزة، الذي كان تحت الحصار منذ 2007. على سبيل المثال، يمكن استخدام صور الأقمار الصناعية عالية الدقة من طرف الفرق الاستقصائية مثل Forensic Architecture لتحديد النقطة التي انطلقت منها رصاصة قاتلة على المحتجين العُزل.

وعلى الرغم من أن تشريع كيه بي إيه مُطبق فقط على الشركات الأمريكية، غير أن أكبر لاعبين في السوق العالمية – وهم شركات مثل Maxar وPlanet، والنقاط الإلكترونية المتاحة للجميع مثل جوجل وبينج – أمريكية.

ورغم حوادث المقاومة الصامتة لحد المترين من عمالقة التكنولوجيا مثل جوجل إيرث وخرائط بينج على مر السنوات، وكذلك أيضًا دعوات إلغاء كيه بي إيه، كان هناك حتى وقت قريب القليل من المحاولة للإصلاح. تحورت الرقابة على صور الأقمار الصناعية لإسرائيل والأراضي المحتلة إلى واحدة من الاستثناءات الثابتة التي تحدد النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي.

كان لقانون كيه بي إيه تأثير عكسي على البحث العلمي. إن صور الأقمار الصناعية أداة ضرورية للمسح والمراقبة، والصور منخفضة الدقة لا تمتلك المستوى المطلوب من التفاصيل لتخصص مثل علم الآثار لكي يتعقب التغييرات التي تحدث للمواقع التراثية أو حُفر النهب. وبصورة مماثلة، تعتمد تقييمات تغير المناخ على البيانات من صور الأقمار الصناعية، التي لم تكن متاحة بالرغم من المخاطر التي يشكّلها تغير المناخ على المنطقة.

هذه الآثار، مجتمعة، وصلت إلى بقعة محجوبة متعمدة خلقها قانون كيه بي إيه، الذي منع بشكل مباشر العمل المهم للباحثين والأكاديميين والعاملين في المجال الإنساني.

كان قانون كيه بي إيه غامضًا بشكل عام، لكنه نص على أن القيود على صور الأقمار الصناعية لإسرائيل لن تنطبق طالما أن صور الأقمار الصناعية عالية الدقة ليست متاحة بسهولة من الشركات غير الأمريكية. وإذا بدأت الشركات الأمريكية نشر صور مفصلة أكثر، كان من المزمع أن تتغير قيود الدقة التي يفرضها كيه بي إيه باستمرار مع مرور الزمن لكي تتماشى مع دقة تلك الصور التي تنتجها الشركات غير الأمريكية، لكنها لم تفعل.

أصبحت المشكلة واضحة عندما بدأ عدد من الشركات غير الأمريكية – بداية من شركة إيرباص الفرنسية في 2011 – في إنتاج وبيع صور أقمار صناعية عالية الدقة لإسرائيل والأراضي المحتلة. في الواقع، توفر إسرائيل  صورًا جوية عالية الدقة للأراضي التي تسيطر عليها، وهو ما يجعل قانون كيه بي إيه عديم الجدوى ويدحض الادعاء بأنه يخدم مصالح الأمن القومي الإسرائيلي.

هذه التطورات جعلت قانون كيه بي إيه بائدًا وعتيقًا منذ عقد تقريبًا. وعلى الرغم من أنه كان من المفترض مراجعة كيه بي إيه بانتظام، لم تحدث أية مراجعة رسمية حتى عام 2017، وكانت النتيجة أن التكنولوجيا تفوقت على السياسة والشركات الأمريكية أصبحت متضررة. 
هذا التناقض يقع في قلب الدعوة لإبطال كيه بي إيه. نشر عالما الآثار بجامعة أوكسفورد مايك فرادلي والراحل أندريا زيربيني، واللذان حددا هذا الفشل في الإصلاح، ورقة بحثية رائدة في 2018 تدعو لإصلاح هذا القانون. لقد برهن بحثهم على أن كيه بي إيه كان باليًا، حيث إن العديد من الشركات غير الأمريكية أصدرت الصور التي كان ينبغي أن تثير الإصلاح والتعديل على حدود القانون.

أدت هذه النتائج إلى عامين من الضغط على الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، ووزارة التجارة، والكونجرس. كان المطلب بسيطًا: إما السماح للشركات الأمريكية بإصدار ونشر صور عالية الدقة لإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، أو الإعلان أن كيه بي إيه أصبح باليًا.

ثم، فجأة، خلال اجتماع المجلس الاستشاري للاستشعار عن بُعد في نهاية يونيو، جرى الإعلان عن أن الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي أدركت أخيرًا أن الصور ذات الدقة الأعلى من 2 متر لكل بكسل كانت متاحة من مصادر غير أمريكية بجودة 0.4 متر لكل بكسل، والتي ستصبح المعيار المرجعي للقيد الجديد؛ وأن الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي ربما ستحتاج للنزول إلى 0.3 متر عندما تطلق إيرباص جيلها الجديد من الأقمار الصناعية لاحقًا هذا العام. 

إن تداعيات هذا الإبطال واسعة النطاق. وبصورة واضحة، ستكون شركات التكنولوجيا الأمريكية أكثر تنافسية مقابل الشركات الأجنبية. ومن منظور علمي، سوف يؤدي الإصلاح إلى تحسن هائل في القدرة على مراقبة هذه المنطقة الهشة بيئيًّا عن بُعد. عندما يتعلق الأمر بتغير المناخ، سوف تُمكّن الصور عالية الدقة من الكشف الدقيق للتغييرات في الغطاء النباتي، وحالة المحاصيل، وانتشار التصحر (وهو تأثير رئيسي لتغير المناخ في المنطقة)، والتغيير في توزيع المياه، والاستخدام المفرط للأسمدة، ومقالب النفايات، وهي تغييرات من الصعب تمييزها وتسجيلها بصور الأقمار الصناعية منخفضة الدقة. وبالنسبة إلى تخصصات مثل علم الآثار، سوف يساعد هذا في تحديد المواقع ومراقبة الضرر.

وبشكل ملحوظ، الإبطال يُمكّن الجماعات الإنسانية التي تعمل لمساءلة إسرائيل على انتهاكاتها للقانون الدولي، ويشمل ذلك عمليات القتل غير المشروع، وبناء المستوطنات (الذي يشكل جريمة حرب بموجب اتفاقية جنيف الرابعة). ربما لهذا السبب تسبب إبطال كيه بي إيه في بعض القلق داخل أوساط الجيش الإسرائيلي. الإبطال أيضًا له تداعيات جيوسياسية؛ فصور الأقمار الصناعية للمناطق الحدودية الخاصة بالأردن وسوريا ولبنان ومصر كانت حتى الآن مختزلة وسيئة التغطية (حيث يقلق الكثير من المشغلين من التقاط أي أراض إسرائيلية).

إن التغيير في التشريع سيوفر صورًا دون رقابة لهذه المناطق ويسمح بمراقبتها ودراستها، خاصة في القضايا البيئية مثل استخراج المياه.
وأخيرًا، من منظور العدالة التاريخية والمساءلة، تُمكّن الصور عالية الدقة، غير الخاضعة للرقابة، الفلسطينيين من فهرسة بقايا القرى والبلدات التي تدمرت أثناء أحداث 1948 وما بعدها بدقة. إن القوة الديمقراطية للإصلاح ستسمح للفلسطينيين باستخدام التكنولوجيا لإعادة اكتشاف الماضي الممحو وبتخيل مستقبل بديل.

ربما ربح إصلاح كيه بي إيه على الاستخدام التجاري، لكن رفع السرية يبقى معركة منفصلة كليًّا. إن الجبهة التالية هي ضمان إعادة نشر صور الأقمار الصناعية الأرشيفية لإسرائيل والأراضي المحتلة بالجودة الصحيحة.

في الواقع، كانت صورة رُفع عنها السرية لمفاعل ديمونة (المنشأة النووية الإسرائيلية الواقعة في صحراء النقب) في الإعلام الإسرائيلي هي ما أشعلت الضغط من أجل تشريع كيه بي إيه في المقام الأول. لقد أظهرت صور رُفع عنها السرية التقطتها القوات الجوية البريطانية لفلسطين في الفترة من 1944 إلى 1948 التغييرات الضخمة في المشهد منذ حينها؛ والصور الأمريكية المرفوع عنها السرية من النصف الثاني من القرن العشرين قد تُظهر المزيد.

إن الدور الذي يمكن أن تلعبه التطورات التكنولوجية في حماية حقوق الإنسان يضمن التدقيق. سواء مراقبة اضطهاد الأويغور فيما يُسمى بمعسكرات إعادة التعليم في الصين، أو التطهير العِرقي للروهينجا والأقليات الأخرى في ميانمار، أو غارات الطائرات المسيرة الأمريكية في الصومال، كانت صور الأقمار الصناعية تُستخدم من طرف جماعات الضغط الدولية والباحثين والصحفيين والمدنيين لتوثيق ومراقبة الأعمال الوحشية وجرائم الحرب.

لقد قدم إبطال كيه بي إيه بعد 24 عامًا فرصًا متساوية ومنح أولئك الذين يعملون من أجل الحرية والعدالة والمساواة أداة مهمة، بيد أن المراقبة وحدها يمكنها أن تحقق قدرًا من النجاح. وفي النهاية، تبقى صور الأقمار الصناعية عالية الدقة وسيلة لمتابعة المساءلة، لكنها ليست الغاية. 




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق