آسيا تايمز | مشاريع أردوغان العملاقة ستخنق مدينة إسطنبول


٠٦ أغسطس ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح
بعد أربعة أشهر من مكوثهم في منازلهم، فإن أكثر ما يتشوّق إليه سكان إسطنبول هو التجوّل في حديقة في الهواء المنعش. لسوء الحظ، ونتيجة لسياسات الحكومة عمومًا فيما يخص البيئة والتغيّر المناخي، تمتلك إسطنبول أماكن خضراء قليلة يمكن للناس أن يلجؤوا إليها هربًا من مستويات التلوث الكبيرة في المدينة.

وبسبب الرئيس أردوغان ورغبته في الاستعراض والتفاخر، أصبحت مساحات هذه الأماكن تتقلص.

بعدد سكان يبلغ 15 مليون نسمة، تُصنف إسطنبول بوصفها مدينة كُبرى، تمتد على مساحة 5 آلاف كيلومتر مربع. لكن المتنزهات والحدائق والمساحات الخضراء الأخرى تشكل 2 بالمائة فقط من هذه المساحة الخضراء.

وفقًا لجمعية الغابات التركية، فإنه في العام 2017، كان هناك في إسطنبول متر مربع واحد من المساحات الخضراء لكل شخص، وهو أقل بـ 14 مترًا مربعًا عن الحد الأدنى المخصص لكل شخص وفقًا للقانون التركي، وأقل بـ 5 أمتار مربعة عما تقول بلدية المدينة إنها توفره للناس.

منذ سبع سنوات مضت، أدّى تدمير مساحة خضراء مهمة في المدينة لاندلاع احتجاجات عمّت أرجاء البلاد. في صيف عام 2013، أنشأ 500 شخص معسكرًا في حديقة "غيزي" في اسطنبول احتجاجًا على هدم منطقة محبوبة في المدينة. يُنظر عمومًا إلى ميدان تقسيم، حيث تقع الحديقة، بأنه قلب إسطنبول.

حاولت الشرطة تفريق الاحتجاجات عبر إطلاق الغاز المسيّل للدموع وحرق خيم المتظاهرين، لكن أفعالها تلك جعلت ما يزيد على 3.5 مليون من سكان إسطنبول يخرجون للشوارع وينضمون للمحتجين في حديقة "غيزي". وصف أردوغان المحتجين بـ "الناهبين الذين يحاولون إشعال حرب أهلية بسبب بضعة أشجار".

أُنقذت حديقة "غيزي" من التدمير، لكن العديد من الحدائق والمساحات الخضراء الأخرى ضاعت وتدمّرت. منذ ذلك الصيف الذي شهد الاضطرابات الأهلية، جرى قطع 381 ألف شجرة في إسطنبول لوحدها لإفساح الطريق لبناء الجسر الثالث على مضيق البوسفور، كما تمت إزالة 2.5 مليون شجرة لبناء المطار الثالث.

إن المشروع الأكبر والأبرز لأردوغان وحزبه العدالة والتنمية هو بناء قناة بطول 45 كيلومتر عبر مدينة إسطنبول لربط البحر الأسود ببحر مرمرة. لو مضى المشروع قدمًا، فسيعني تدمير 458 هكتارًا من الغابات. 

تقع هذه "المشاريع العملاقة" جميعها في شمال إسطنبول، التي تُعدّ رئة تنفس للمدينة. تعدّ تلك المنطقة مهمة بيئيًّا للغاية لدرجة أن التوسّع العمراني هناك محظور منذ عام 2009. لكن أردوغان نحّى جانبًا جميع هذه الاعتبارات، وأصرّ على إتمام تلك المشاريع العملاقة.

لكن الرئيس أيضًا يؤكد بطريقة ما أن تركيا تقف في الخطوط الأمامية فيما يخص حماية البيئة. في خطاب له في قمة الأمم المتحدة للمناخ عام 2019، زعم أردوغان أن تركيا هي من بين الدول القليلة التي زادت من مساحات الغابات، إذ جرى زراعة ما يزيد على 4.5 مليار شجرة أثناء فترة رئاسته.

وكلا الادّعاءان كاذبان، حيث يصف اتحاد عمال الزراعة والغابات الوتيرة التي تتم بها إزالة الغابات بأنها تشبه "المجزرة".

تحت شعار "التنفس من أجل المستقبل"، أطلقت الحكومة حملة في نوفمبر الماضي لزرع 11 مليون شجرة في عموم البلاد في ثلاث ساعات. زرع الرئيس الشجرة الأولى. حطمت مدينة "جوروم " وسط الأناضول الرقم القياسي العالمي عقب زرعها 303.150 ألف شجرة في ساعة واحدة، وأعلن أردوغان أن هذا الفعل سيُكرر كل عام حتى عام 2023، وسيُخصص يوم الحادي عشر من نوفمبر من ذلك الوقت فصاعدًا باعتباره "اليوم الوطني للغابات".          
   
مع هذا، عندما تفقّد مسئولون من اتحاد الغابات الأشجار الجديدة بعد مرور ثلاثة أشهر، وجدوا أن 90 بالمائة منها ذبل ومات. أوضح "حسين شيتين"، رئيس اتحاد الغابات، والذي عمل في مجال الغابات لمدة 33 عامًا، أنه حذر الحكومة من أن شهر نوفمبر، الذي تهبط درجات الحرارة فيه إلى ما دون الصفر وتكون التربة فيه جافة، هو التوقيت الخطأ لزراعة فسلات الأشجار، لكن الحكومة تجاهلت نصيحته.   
 
في غضون هذا، تعدّ تركيا البلد الوحيد في مجموعة العشرين التي لم توقع على اتفاق باريس للمناخ، بالرغم من دعم 24 مدينة تركية، من بينها العاصمة أنقرة وإزمير وبورصة وعدد من أحياء إسطنبول لهذا الاتفاق. إن تركيا هي واحدة من بين دولتين عضوتين في الأمم المتحدة لم توقعا على الاتفاق، والدولة الأخرى هي إيران. (وقعت الولايات المتحدة على الاتفاق لكنها انسحبت منه العام الماضي).

بدلًا من هذا، يفضّل أردوغان استخدام الاتفاق كورقة مساومة. في عام 2017، أخبر أردوغان قادة العالم أنه لن يوقع "طالما لم يتم الوفاء بالوعود التي قُدمت لنا". تتضمن هذه الوعود المفترضة الاعتراف بتركيا باعتبارها اقتصادًا ناميًا وليس صناعيًّا، ما يجعلها تستحق الحصول على أموال من صندوق المناخ العالمي بدلًا من دفع أموال له.

يبدو أن الرئيس لم ير أي مفارقة عندما أطلق تهديده أثناء قمة مجموعة دول العشرين في هامبورغ - وهي المجموعة التي تضم أكبر عشرين دولة في العالم من ناحية الحجم الاقتصادي، وتركيا هي أحد أعضاء هذه المجموعة.

في شهر يوليو الماضي، أعلن اردوغان أن متحف "آيا صوفيا" العظيم سيتم تحويله مجددًا إلى مسجد، وسينضم بذلك إلى 3.400 مسجد آخر في مدينة إسطنبول. في اليونان، تعني كلمة صوفيا "الحكمة". ربما يفكر المصلون في آيا صوفيا في الدعاء إلى الله لكي يُلهم حكومة بلادهم الحكمة للحفاظ على المساحات الخضراء القليلة المتبقية في إسطنبول قبل أن تختنق المدينة. 



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق