مودرن دبلوماسي | الإرهاب وكوفيد 19 وحشية بوكو حرام في أفريقيا


١٠ أغسطس ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

في الأول من أغسطس عام 2020، قتلت جماعة "بوكو حرام" 19 مدنيًا في هجوم بقنبلة على معسكر لمشرّدين في قرية "نغوتشوي" في شمال الكاميرون، وأسفر الهجوم أيضًا عن إصابة 11 شخصًا بإصابات خطيرة.

لقد تحوّلت جماعة بوكو حرام لتصبح واحدة من أخطر المنظمات الإرهابية في غرب ووسط أفريقيا، وصُنّفت تلك الجماعة على مدار الأعوام باعتبارها أشرس منظمة إرهابية على مؤشر الإرهاب العالمي. بينما يحاول العالم مكافحة جائحة كورونا، تواصل نيجيريا معركتها ضد جماعات متمردة تهدد الاستقرار والوحدة السياسية في أكبر دولة أفريقية من ناحية عدد السكان.

منذ عام 2011، تعد جماعة بوكو حرام أكبر منظمة إسلامية مسلحة في أفريقيا، وهاجمت جماعات سياسية ودينية وأهدافًا تابعة للجيش والشرطة المحلية. إن اختطاف 200 فتاة من مدينة "تشيبوك" النيجيرية في أبريل 2014، لفت الاهتمام الدولي تجاه الخطر المتزايد لهذه الجماعة المسلحة وعجز الحكومة للتصدّي له. تروّج بوكو حرام لنسخة من الإسلام تَعتبر التعليم الغربي "محرّمًا دينيًّا".

وهي تمنع المسلمين من المشاركة في أنشطة سياسية واجتماعية مرتبطة بالمجتمع الغربي، من بينها التصويت في الانتخابات وارتداء قمصان وبناطيل والحصول على تعليم غربي. تنشط هذه الجماعة المسلحة في نيجيريا منذ ما يزيد على عقد من الزمان، وتقاتل من أجل إقامة خلافة إسلامية في نيجيريا. أدّى العنف الذي ارتكبته لمقتل نحو 30 ألف شخص وتشريد ملايين آخرين، فضلا عن انتقال أعمال العنف إلى دول مجاورة، مثل تشاد والكاميرون والنيجر.

بوكو حرام وكوفيد 19

منذ السابع عشر من فبراير 2020، عندما أعلنت نيجيريا أول حالة إصابة بفيروس كورونا، ارتفعت أعداد حالات الإصابة المؤكدة، وبلغت الأعداد المؤكدة 43 ألف حالة و800 حالة وفاة بحلول الثاني من أغسطس 2020.

وقد أصبح الإقليم الشمالي الشرقي لنيجيريا، حيث معقل جماعة بوكو حرام، بؤرة للفيروس. وردت تقارير عن حدوث وفيات جماعية غامضة في ولاية "يوبي"، وهي أكثر الولايات النيجيرية تضررًا من الهجمات المسلحة، فضلًا عن ولاية "بورنو" ثاني أكبر مدينة في نيجيريا.

تفشى الوباء في بداية الأمر في "بورنو"، مركز نشاط جماعة بوكو حرام، إذ أنه في الثامن عشر من أبريل 2020 قتلت "بوكو حرام" عامل رعاية صحية يعمل في معسكرات المشردين داخليًّا التي تستضيف نحو 60 ألف شخص هاربين من عنف بوكو حرام. منذ ذلك الوقت، أصبحت ولاية "بورنو" الأكثر تضررًا من الفيروس. علاوة على هذا، يُعتقد أن الفيروس ينتشر بمعدل أسرع في معسكرات المشردين داخليًّا نتيجة لنظام الرعاية الصحية الضعيف هناك.

لم تقلل الجائحة من الأنشطة الإرهابية إذ جرى تسجيل ارتفاع مطرد في عدد الهجمات. بالإضافة إلى الهجمات الأخيرة على الجيش، تستهدف الجماعة أيضًا عمال الرعاية الصحية وتدمر مؤسسات دينية وتعليمية. وواصلت بوكو حرام أنشطتها الإعلامية أثناء الجائحة عبر نشرها رسائل صوتية لزعيم أحد فصائلها "أبو بكر شيكاو".

تعكس هذه الرسائل محاولات الجماعة المتواصلة لإعادة إحياء المخطط الجهادي في منطقة الساحل. وتنفيذًا لاستراتيجيتها الإعلامية، نشرت "جماعة أهل السُنة للدعوة والجهاد" رسالة صوتية مدتها ساعة تشرح فيها بالتفصيل موقفها من كوفيد19.

وصف "شيكاو" الفيروس بأنه عقاب إلهي من الله بسبب ممارسة اللواط وعدم دفع الزكاة. يتلاءم هذا الكلام مع موقف بوكو حرام المناهض للتعليم الغربي. كما زعم "شيكاو" أن غير المسلمين والمنافقين يستخدمون تفشي الجائحة كحجة لمنع المسلمين من ممارسة دينهم، ومنع الحجّ إلى مكة وصلوات الجماعة.

كما نشرت الجماعة مقاطع صوتية تشرح فيها كيف أن أفرادها واصلوا البقاء في مجموعات والتزموا بصيام رمضان، وأدانت الجماعة إجراءات السلامة والإغلاق والتباعد الاجتماعي واعتبرتها أمورًا شريرة. وذهبت الجماعة إلى حدّ وصف منطقة غابات "سامبيسا" بأنها ملجأ آمن ضد الجائحة، وهي خطوة دعائية هدفها إغراء الشباب النيجيري.

ردود الحكومة النيجيرية والمجتمع الدولي

منذ إعلان أحد فصائل بوكو حرام بقيادة "أبو بكر شيكاو" ولاءها لتنظيم داعش عام 2014، راودت هذه الجماعة أحلام بإقامة دولتها الإسلامية الخاصة بها في أفريقيا.

في عام 2015، أنشأت بوكو حرام حسابًا على تويتر باسم "العروة الوثقى"، وينشط هذا الحساب في ضخ الدعاية منذ ذلك الوقت. إن أكبر مشكلة ونقطة ضعف لدى نيجيريا هي عجزها عن حُكم شعبها وتوفير الرفاهية له. مُستغلةً هذا الوضع، تستخدم بوكو حرام الشباب العاطل لتجنيدهم في صفوفها.

لكن الحكومة تجادل أنه بسبب الوضع الأمني فإنها باتت عاجزة عن الوفاء بوعودها. يعاني أقصى شمال نيجيريا من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، ما جعله هدفًا سهلًا لبوكو حرام. تعهّدت الجماعة بدفع ما بين 300 إلى 400 ألف فرانك أفريقي (600 إلى 800 دولار أمريكي) شهريًّا لكل شاب مقابل انضمامه لصفوفها.

مع العلم أن الحد الأدنى للأجور للمحظوظين الذين يجدون عملًا هو 36 ألف فرانك أفريقي (72 دولارًا أمريكيًّا) في الشهر.

أما الذين يرفضون الانضمام لبوكو حرام، فيتعرضون لعقاب شديد ويُجبرون على مغادرة المكان. لقد كانت بوكو حرام المتسبب الوحيد في تشريد 2.4 مليون إنسان في شمال شرق نيجيريا والكاميرون وتشاد والنيجر.

تواجه المنظمات الدولية أوضاعًا صعبة للغاية أثناء توفير ملجأ آمن للمشردين داخليًّا. تواجه هذه المنظمات دائمًا مخاطر أمنية، لكن المجتمع الدولي بقى صامتًا إزاء ما يحدث.

استغلت جماعات إرهابية حول العالم جائحة كوفيد 19، عبر نشرها معلومات مضللة، واستهداف المواطنين حتى في ظل هذا الوضع الصحي الخطير.

يسعى فصيلان مهمان بقيادة "أبو بوكر شيكاو" و"أبو مصعب البرناوي" جاهدين للإطاحة بالنظام العلماني في نيجيريا، لتأسيس دولة إسلامية تطبق الشريعة.

تدرك الحكومة النيجيرية مدى انتشار ونفوذ بوكو حرام، لهذا حاولت التفاوض مع الجماعة، لكن، لسوء الحظ، أفسد "شيكاو" كل محاولة لحدّ الآن، وأي شخص كان مستعدًا للتفاوض، جرى قتلة بلا رحمة داخل الجماعة. كان "برناوي" مستعدًا للتفاوض لكن من موضع قوة، غير أن الحكومة أنكرت دفع فدية أو إجراء عمليات تبادل للأسرى. تشير عدة تقارير إلى أن فصيل "برناوي" هو الذي اختطف فتيات ولاية "يوبي".

لقد فشل المجتمع الدولي مرة تلو الأخرى في مساعدة عمليات مكافحة الإرهاب واحتواء بوكو حرام. يُعزى هذا جزئيًّا إلى قادة الدول المتضررة في أفريقيا. إن أحد أسباب فشل جهود مكافحة الإرهاب بفاعلية، كان "قوة المهام المشتركة المتعددة الجنسيات" لمكافحة بوكو حرام، والمكوّنة من نيجيريا وبنين وتشاد والنيجر والكاميرون، والتي أصبحت أضعف منذ انسحاب تشاد منها عام 2017.

ما الذي يخبئه المستقبل؟

إن الدعاية والأنشطة المتواصلة لبوكو حرام، ربما تؤثر على الناس في المنطقة أكثر من ذي قبل. كما يمكن أن تضرّ بجهود الإغاثة الهادفة لمكافحة كوفيد 19.

تحرّم بوكو حرام أي تدخل صحي من جانب مسلمين أو أفراد أو دول أو وكالات دولية أثناء الجائحة. بالنظر إلى الأعمال الوحشية التي ارتكبتها بوكو حرام في الماضي، فإنه يمكن القول إن بوكو حرام ليست مجرد منظمة إرهابية تقتل الناس وتخطفهم، بل هي تمثل أيضًا خطرًا صحيًّا على الناس.  

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق