الصحافة الفرنسية| نحن في انتظار حرب أهلية.. ولماذا تحوّل لبنان من سويسرا الشرق لدولة ممزقة؟


١١ أغسطس ٢٠٢٠

ترجمة - محمد شما
خوفًا من فيروس كورونا.. فرنسا ترتدي الكمامة

رصدت جريدة "لوفيجارو" المخاوف الفرنسية من الموجة الثانية لانتشار وباء كورونا. فعلى غرار باريس، تزداد أعداد البلديات التي تفرض ارتداء الأقنعة في الشوارع والمناطق الأكثر كثافة سكانية. وبعد ليل ونيس وحتى تولوز، حان الآن دور باريس للانضمام إلى قائمة البلديات التي تفرض ارتداء الكمامة، حيث أعلنت قيادة شرطة باريس مؤخرًا أنها تعمل مع مجلس المدينة على قائمة دقيقة بالأماكن التي سيجري فيها فرض هذا الإلزام. ففي العاصمة، لم يصل الوباء بعد إلى مرحلة إثارة القلق، لكن اليقظة مطلوبة، حيث تضاعفت أعداد الحالات الجديدة منذ الأسبوع الماضي.

ومنذ نهاية يوليو وإعلان وزير الصحة "أوليفييه فيران" عن تخويل المحافظات إمكانية "تمديد فرض ارتداء الكمامات لفتح الأماكن العامة، اعتمادًا على تطور "الوباء في كل إقليم"، قررت عدة مئات من البلديات الأخذ بهذه التوصية. وبعد شهرين خاليين من الوباء (يونيو ويوليو) وضعت البيانات اليومية التي ترسلها المديرية العامة للصحة حدًّا لبعض السلوكيات المتهورة. وبات معروفًا الآن أن الفيروس لا يزال ينتشر وأن فرنسا لا تزال تحت رحمة موجة جديدة.

ما بين سخيف وجيد ومقيِّد.. ردود أفعال مختلفة على فرض ارتداء الكمامة

في وسط مدينة توكيه، أصبح ارتداء القناع إلزاميًّا الآن، وهو إجراء اتخذته السلطات لمنع انتشار كوفيد-19. وبينما يرى البعض أن ارتداء القناع "إجراءٌ جيد"، ينكر البعض الآخر فاعليته. لذا، وحتى لا تضطر إلى فرض الحجر الصحي، ربما لإظهار أننا لا نجلس مكتوفي الأيدي، فإن ارتداء الكمامات، على الرغم من اعتباره غير ضروري قبل بضعة أشهر، أصبح الملاذ المثالي. ومن وجهة نظر واقعية بحتة، فإن تفشي الفيروس آخذ بالفعل في التصاعد، وتستمر أعداد الحالات اليومية في الارتفاع في البلاد حتى أنها قد تجاوزت الألف حالة في خلال ما يقرب من أسبوعين. وفي الآونة الأخيرة، ومنذ بداية الأسبوع، لم يعد هناك حالات دخول العناية المركزة وذلك للمرة الأولى منذ اندلاع الموجة الأولى التي بلغت ذروتها في أبريل الماضي.

ويحذر المجلس العلمي في بيانه الأخير من تراجع اليقظة، معتبرًا أن الوضع لا يزال في متناول اليد. وأوضح رئيس المجلس "جان فرانسوا ديلفريسي" أن الأمر بأيدينا لتجنب تفشي سريع آخر، وذلك من خلال احترام الإجراءات الاحترازية والتباعد الاجتماعي. وإذا تصاعد الوباء مرة أخرى، فهذا مؤشر لتراجع المستوى، "والوضع لا يزال هشًّا للغاية لكنه لم يخرج بعد عن السيطرة. ونحن نجري الكثير من الفحوصات، ونسبة الحالات الإيجابية منخفضة للغاية. وبالرغم من تضاعف عدد حالات العدوى، إلا أننا ما زلنا في بؤر صغيرة من التفشي".

وبعد عدة أسابيع من القلق، يبدو أن الوضع في منطقة ماين يتحسن؛ حيث انخفض معدل الإصابة بـ كوفيد-19 الذي استمر لسبعة أيام إلى حوالي 50 حالة، بعد أن بلغ ذروته بأكثر من 150 حالة في الفترة بين 18 يوليو و24 يوليو، ويمكن أن يُعزى هذا النجاح إلى النهج المحلي المنسق لمختلف الجهات الفاعلة. ويُعدّ فرض ارتداء الكمامة خير مثال على ذلك؛ حيث قال ديلفريسي: "في بعض مراكز المدن، يجعل مستوى الكثافة السكانية التباعد الاجتماعي أمرًا مستحيلًا، وعلينا أن نثق بالمؤسسات المحلية".

وتجدر الإشارة إلى أن العمل العلمي يوضح لنا أن مخاطر انتقال العدوى في الهواء الطلق أقل بكثير من داخل المنزل، حيث يعزز الهواء الطلق انتشار الجسيمات المحمولة جوًّا؛ ما يقلل بشكل كبير من المخاطر. ويوضح أنطوان فلاهولت، أستاذ الصحة العامة وعلم الأوبئة بجامعة جنيف، أنه "إذا تحركت وتجاوزت الأشخاص لفترة وجيزة، فإن الخطر ينخفض بشكل كبير"، لذلك فإن ارتداء الكمامة ليس مفيدًا. ومن ناحية أخرى، في المقاهي المزدحمة أو خلال التجمعات الاحتفالية الكثيف للغاية، يوصى بارتداء الكمامة؛ لأن إعادة خلق ظروف الاختلاط، حتى في الهواء الطلق، تؤدي إلى أن يصبح انتقال القطيرات خطرًا كبيرًا مرة أخرى".

إن الفرض الإلزامي لارتداء الكمامة في بعض الأماكن الخارجية هو بلا شك مبدأ احترازي أكثر منه شرطًا علميًّا، وربما تسمح هذه الخطوة بتحفيز وعي جماعي قد يكون كافيًا لإنهاء الصيف الهادئ.

يدمج الإسلام في الجمهورية.. مشروع صادم يضع فرنسا على مشارف حرب أهلية

وعلقت صحيفة "لوفيجارو" أيضًا على المشروع "الصادم" لوزير الداخلية الفرنسي "جيرالد دارمانين" بشأن تنظيم الإسلام في فرنسا. ففي "دعوته من أجل إسلام فرنسي" التي نُشرت عام 2016، عرض وزير الداخلية خطة طموحة لمركزية الديانة الإسلامية من خلال إنشاء "مجلس أعلى" بصلاحيات واسعة، وذلك بهدف معالجة "الهوة الكبيرة بين الفرنسيين غير المسلمين والإسلام".

وجاء إعلان النوايا في الخطاب الذي أدلى به الوزير أثناء تسلمه مهام عمله الشهر الماضي، حيث قال: "يجب أن نحارب بكل قوتنا الإسلام السياسي الذي يهاجم الجمهورية"، وهو ما يعكس مدى الاهتمام الذي يوليه وزير الداخلية الجديد - المسؤول أيضًا عن الأديان - لمكانة الدين الإسلامي في فرنسا. وفي يونيو 2016، نشر "دارمانين" نداءً من أجل إسلام فرنسي، دعا فيه إلى تحقيق إسلام علماني واستيعاب قيم الجمهورية، مقترحًا ضرورة إنشاء هيكل مركزي وهو "المجلس الأعلى للإسلام في فرنسا" تتبعه جميع المساجد المصرح بها ويقوم بتعيين جميع أئمتها.

في هذه الوثيقة المكونة من 65 صفحة، يبني الوزير مقترحاته على صورة مثيرة للقلق للعلاقات بين الفرنسيين غير المسلمين والإسلام"، والذي يفصل بينهما "خندق أصبح واديًا"، بحسب قوله، يتشدد فيه كل شخص ويتوتر ويراقب بعضه البعض بحالة من الريبة. فمن ناحية، يرفض غالبية الفرنسيين الصغار الإسلام والمسلمين الذين زادت أعدادهم بأكثر من اللازم، ومن ناحية أخرى فإن "المسلمين الذين أظهروا في الماضي ارتباط دمائهم بفرنسا وجمهوريتها خلال ثلاثة صراعات رهيبة، ينتمون إلى المجتمع ويرون حالات الإسلاموفوبيا في كل مكان. ووفقًا لوزير الحسابات العامة السابق، فهذه الفجوة لها عواقب جلية في الحياة اليومية.

وعلى الرغم من هذه الرؤية المتشائمة، يعتزم "دارمانين" أن يدافع في نصه عن مقاربة دقيقة لمكانة الإسلام في فرنسا. لأنه إذا كان "الإسلام الراديكالي المسلح والأيديولوجي غير متوافق مع الجمهورية، فهذا لا ينطبق على الغالبية العظمى من المؤمنين".

سلطة تعيين الأئمة في كل مسجد

ووفقًا لرئيس بلدية توركوين، فإن التهديد يظل حقيقيًّا دون أن يكون غير قابل للحل، حيث استنتج أن "الحرب الأهلية على الأبواب". وقبل تحديد طريق التحرك في مواجهة خطر الانقسام بين ملايين المسلمين الذين يعيشون في فرنسا والجمهورية، يجب فرض مجموعة من القوانين ربما لفترة محددة، من أجل استيعابها بالكامل في الجمهورية.

ولهيكلة "إسلام فرنسا"، يقترح وزير الداخلية تطبيق نموذج مشابه لنموذج التوحيد الإسرائيلي المركزي الذي أنشأه نابليون بونابرت عام 1808 لتنظيم ممارسة الديانة اليهودية. وبدلاً من المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM) القائم حاليًا، والمسئول عن تمثيل الطائفة أمام السلطات العامة، بحيث يتم إنشاء "المجلس الأعلى للإسلام في فرنسا". وبحسب سيناريو وزير الداخلية الحالي، سيكون لهذا الهيكل الجديد صلاحيات لا يمكن مقارنتها بسابقه، وسيعيّن الأئمة في جميع المساجد، وسيجمع جميع دور العبادة التي ستكون تابعة مباشرة إليه، وستشارك في انتخاب أعضاء هذا المجلس. ويشير "دارمانين" إلى أن هذا المجلس سيترأسه إمام فرنسا الأكبر الذي سيُعيّن من خلاله، وسيكون مختصًا بالإجابة على الأسئلة العلمية والدينية.

مراجعة قانون 1905

سيصاحب هذه المركزية غير المسبوقة تأسيس معهد جامعي إسلامي، يتلقى فيه الأئمة تعليمًا دينيًّا لا يتعارض مع قيم الجمهورية. وسيتم تمويل هذه المدرسة من قبل مؤسسة إسلام فرنسا ويديرها المجلس الأعلى. ويضيف دارمانين فقرة أخرى إلى العمود الفقري للإسلام الفرنسي وهي: إمكانية قيام المجتمعات المحلية بتقديم سُلف قابلة للسداد أو ضمانات قروض لبناء دور عبادة أو لشرائها، وهذا الإجراء يعدّ وسيلة للنجاة من الحظر المفروض على "كافة أشكال التمويل الأجنبي" الذي يرغب فيه الوزير. أما بالنسبة للرموز الدينية، فستبقى مسموحة في الأماكن العامة، لكن باستثناء أي لباس يدعو للظهور أو يميل إلى التمييز ضد المرأة، في إشارة واضحة إلى الحجاب الإسلامي، دون أن يحدد الوزير الخطوط العريضة لهذا الاستثناء.

لبنان.. بلد شرق أوسطي صغير تلازمه المآسي

تابعت الصحافة الفرنسية ما حدث في لبنان خلال الأسبوع الماضي، حيث قالت إن غالبًا ما كانت لبنان، الدولة ذات التوازنات الطائفية الهشة والتي أنهت 15 عامًا من الحرب الأهلية، عالقة بين إسرائيل وسوريا، وضحية جانبية للتوترات الإقليمية العاصفة. وتشهد البلاد التي تعرضت للانفجارات الأخيرة، أسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود تسببت بانهيار عُملتها وتسريح أعداد كبيرة من العمال؛ الأمر الذي أدى إلى تأجيج الوضع الاجتماعي منذ أشهر.

بين إسرائيل وسوريا

عاشت لبنان 15 عامًا من الحرب الأهلية في الفترة من 1975 وحتى 1990، وبعدها خضعت للوصاية السورية من التسعينيات حتى انسحاب الجنود السوريون في عام 2005، كما تعطلت المؤسسات السياسية لفترة طويلة بسبب الخصومات بين المؤيدين والمعارضين لسوريا. وفي مارس 1978، دخل الجيش الإسرائيلي لبنان بهدف إنهاء هجمات منظمة التحرير الفلسطينية، حيث دفعتها حتى نهر الليطاني، قبل أن تنسحب في يونيو من العام ذاته.

واجتاحت إسرائيل لبنان مرة أخرى في يونيو 1982 وأنشأت منطقة عازلة لضمان أمن التجمعات السكانية في شمال إسرائيل. وفي عام 2006، نشبت حرب بين إسرائيل وحركة حزب الله الشيعية، التي نشأت في أعقاب الغزو الإسرائيلي بتمويل من الحرس الثوري الإيراني. واعترف حزب الله في 2013 بالتزام مقاتليه بالحرب في سوريا إلى جانب نظام بشار الأسد؛ ما أدى إلى مزيد من الانقسام في المشهد السياسي بلبنان.

التعددية الدينية

يُعدّ لبنان أحد أصغر الدول في الشرق الأوسط بمساحة حوالي (10000) كيلومتر مربع، يحدّها من الغرب البحر الأبيض المتوسط. ويحتل لبنان مكانة بارزة لأنه يعدّ بلدًا ليبراليًّا نسبيًّا في منطقة محافظة إلى حد ما. فهناك 18 طائفة دينية في لبنان، ويحكم الدولة نظام معقد لتقاسم السلطة بين مختلف الأديان.

ديون هائلة

ولأول مرة في تاريخه، أعلن لبنان في مارس الماضي أنه متخلف عن السداد، حيث تبلغ ديونه 92 مليار دولار، أو ما يقارب 170٪ من ناتجه المحلي الإجمالي، وهذه واحدة من أعلى النسب في العالم. وفي مايو الماضي، بدأ مسئولوه مفاوضات مع صندوق النقد الدولي لتأمين مساعدته في خطة إنقاذ حكومية ضرورية، لكن العملية لا تزال متوقفة. وفي أكتوبر 2019، اشعلت حالة من السخط غير مسبوقة ضد الطبقة الحاكمة التي لم تتغير تقريبًا منذ عقود واتُهمت بالفساد، فما يقرب من نصف السكان يعيشون في فقر، و35٪ من السكان العاملين عاطلون عن العمل، بحسب الإحصاءات الرسمية.

التكلفة الاقتصادية للاجئين

يبلغ عدد سكان لبنان 4.5 مليون نسمة، ويقول لبنان إنه يستضيف 1.5 مليون لاجئ سوري، من بينهم ما يقرب من مليون فقط مسجل لدى الأمم المتحدة. وتُعد فرنسا التي كانت قوة انتدابية سابقة على لبنان في الفترة من 1920 وحتى 1943، حليفًا تقليديًّا للبنان العضو في المنظمة الدولية للفرنكوفونية. وتضم لبنان حوالي 300 مدرسة ناطقة بالفرنسية، لكن بقاءها مهدد بسبب الأزمة الاقتصادية.

لبنان.. فوضى عارمة في بلد يعاني الإفلاس

كما سلطت جريدة "لاكروا" الفرنسية الضوء أيضًا على الحالة اللبنانية، فغالبًا ما يجد اللبنانيون أنفسهم غارقين في الأزمات، ووسط تصاعد حالات الإصابة بفيروس كورونا، بات النظام الصحي مهددًا بالانهيار بسبب إضراب موظفي المستشفيات، الذين تضرروا بشكل كبير من عمليات التسريح الجماعي للعمالة.

وفي متجره المظلم، يتصفح المواطن اللبناني "غسان" الصور على موقع تويتر بهاتفه ويقول: "كما ترى، هذا هو جاري. لقد شنق نفسه بالأمس في غرفة معيشته، وكان لديه طفلان". وتابع الرجل البالغ من العمر 50 عامًا: "أعتقد أنه لم يعد بإمكانه تحمل ذلك، فقد ظل عاطلًا عن العمل لعدة أشهر". وفي الجانب الخلفي من المتجر، لا تزال طاحونة القهوة والمحمصة متوقفتين عن العمل، وهذا الأمر يزعج غسان الذي يقول: "شركة كهرباء لبنان التي تسيطر على 90٪ من إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء في البلاد، هي أكبر مافيا في البلاد، فمنذ بداية تموز لم يعد لدينا تيار".

ومثل باقي أنحاء البلاد، وجد الحي الأرمني في برج حمود نفسه غارقًا في الظلام، بسبب نقص الوقود عن محطتي الطاقة اللتين تزودان لبنان بالكهرباء. وتابع غسان بحسرة: "كان عليّ أن أدفع للحصول على خمسة أمبير من المولد المحلي، وشراء بضعة جالونات من زيت الوقود من السوق السوداء، وهذا أمر مكلف للغاية لتشغيل أجهزتي، بينما مع الأزمة بالكاد أحقّق 30٪ من الدخل المعتاد".

يوميًّا.. 21 ساعة دون كهرباء

بعد انقطاع التيار الكهربائي، اضطر اللبنانيون هذه المرة إلى إدارة تقنين استهلاك الكهرباء بنحو 21 ساعة في اليوم. وقد نجا القادرون على تحمل تكلفة الكهرباء من موجة الحر الرطبة التي اجتاحت البلاد، وذلك عبر الاشتراك في مولدات الأحياء من أجل الحصول على ساعات قليلة من الكهرباء، بالإضافة إلى الساعتين التي توفرها مؤسسة كهرباء لبنان يوميًّا بشكل متقطع، بينما لجأ المواطنون الأقل ثراءً للإنارة بضوء الشموع.

هذا الوضع ذو عواقب وخيمة، ففي نهاية شهر يوليو، انقطع الهاتف والإنترنت فجأة عن وسط مدينة بيروت، الذي يضم العديد من الوزارات والإدارات والشركات، بعدما توقف المقسم الهاتفي عن العمل بسبب تعطل المولدات الخاصة التي تتم تغذيته، وبالتالي ارتفعت درجة حرارته.

في شهر واحد.. تضاعف حالات الإصابة بكورونا

والأسوأ من ذلك، أنه مع تضاعف أعداد المصابين بفيروس كورونا في لبنان خلال شهر، فإن هذا النقص في الكهرباء قد يساهم في حدوث كارثة صحية تلوح في الأفق. وحذر فراس عبيد، مدير المستشفى الحكومي من أن زيادة أعداد المرضى في المستشفيات بسبب كورونا يزيد من استهلاك الوقود الذي قد ينفد خلال أيام قليلة؛ ما يهدّد قطاع المستشفيات بأكمله.

ويواجه القطاع بالفعل العديد من الصعوبات، حيث يقول سليمان هارون، رئيس اتحاد المستشفيات الخاصة: "بين تأخر الدولة المدينة لنا بنحو 2400 مليار ليرة لبنانية، أي ما يعادل 1.34 مليار يورو، وانخفاض قيمة الليرة، وإدارة كوفيد-19، والآن مشاكل الكهرباء.. كل ذلك يضيف عبئًا لأن علينا شراء زيت الوقود بسعر السوق السوداء، ونحن نتجه نحو الخراب الكامل". وأضاف أن هناك احتمالية لانهيار قطاع المستشفيات، فجميع المستشفيات الخاصة تقريبا سرّحت عمالة، وقطعت الرواتب، وأزالت الأسرّة، وعلّقت بعض الأعمال وأغلقت الخدمات باهظة الثمن.

إضراب فرق التمريض

دفع الوضع قطاع التمريض المتضرر بشدة من عمليات التسريح الجماعي للعمال، إلى الإضراب يوم الأربعاء 5 أغسطس. ومعربا عن قلقه، يتوقع سليمان هارون إغلاق العديد من المستشفيات؛ لأن الدولة غير قادرة على فعل المزيد من دون مساعدة خارجية. ويتابع: نخشى أن يموت اللبنانيون في غضون أشهر قليلة بسبب نقص الرعاية الطبية.

لكن هذا الانهيار المعلن لا يخيف "أكرم نعمة" الذي يعمل مع جمعيته "الأشرفية 2020" على توزيع طرود غذائية على العائلات الفقيرة، وكثير منهم من الطبقة المتوسطة الضالة. وبين مارس ويوليو، ارتفع عدد المستفيدين من الخدمات التي يقدّمها من 60 إلى 692 أسرة، حيث يقول: "علينا أن نبدأ من جديد. ففي النهاية، ما نريده هو كرامة الإنسان من دون فساد".

لماذا تحول لبنان من سويسرا الشرق إلى دولة فاشلة؟

 وأيدت السيدة ناتالي جوليه، عضو مجلس الشيوخ الفرنسي عن ولاية أورن، والرئيسة السابقة للجنة التقصي في مجلس الشيوخ لمكافحة الشبكات الجهادية، رأي الرئيس الفرنسي فيما يخص الأزمة اللبنانية وقالت إن إيمانويل ماكرون كان محقًّا في قوله إن هناك حاجة لخطة سياسية جديدة للبنان؛ فهذا البلد الذي تقوضه الطائفية والفساد يحتاج إلى حكومة إعادة إعمار وجمهورية جديدة. ومنذ الحادث المأساوي الذي دمّر جزءًا من بيروت، كُتب الكثير عن لبنان، لا سيما بعد تصريحات الرئيس ماكرون خلال زيارته هناك، والتي وصفها البعض بالتدخل في الشأن الداخلي.

لبنان بلد شهيد ودولة فاشلة

لبنان بلد شهيد على كل الأصعدة، الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فمن الغزو السوري إلى الغزو الإسرائيلي، إلى الحروب الدينية بين الرفقاء، تحول لبنان شيئًا فشيئًا من سويسرا الشرق الأوسط إلى دولة فاشلة مليئة بالفساد، يعيش غالبية سكانها حياتهم يومًا بيوم في حالة من القلق واليأس.

ومن انقطاع المياه والكهرباء، باتت الأعطال بكل أنواعها في سير الحياة اليومية هي حال الحياة اليومية للبنانيين، وهذا ما دفعهم للمطالبة برحيل القادة باعتبارهم فاسدين.

وعلى غرار حركة السترات الصفراء في فرنسا، وضعت حركة لبنانية ثقتها لفترة وجيزة في رئيس الوزراء الجديد "حسان دياب"، حيث لم يكن الرجل المناسب للمنصب، وبلا شك، انتاب اللبنانيين إحباط لرؤية الأمل يتضاءل إلى لا شيء، ويتحطم بسبب جمود المؤسسة التي تحمي ثرواتها الهائلة، المحفوظة بعناية في الخارج من أعين المتطفلين. هل تعلم أن الطائفية المذكورة تنطبق حتى على جمع القمامة المنزلية؟ فالقرى المسيحية لا تريد جمع القمامة من القرى الشيعية التي بدورها لا تريد أن تسمع عن النفايات المنزلية من القرى الدرزية.

وقالت السيدة جوليه: لقد قمنا بزيارة لبنان مرتين هذا العام، حيث التقيتُ رئيس الوزراء وعرضت عليه مبادرات ومشروع تعاون. ومع القاضي تشارلز براتس، الخبير في مكافحة الاحتيال الضريبي، التقينا محامين من نقابة المحامين في بيروت والمدعي العام المالي، لتقديم المساعدة الفنية مع المؤسسات الفرنسية والدولية لتحسين مكافحة الفساد. ولا شك أن الوضع الصحي لم يجعل من الممكن المضي قدمًا في خريطة الطريق التي وضعناها والتي لا تزال صالحة. وإذا كنا لا نعرف سوى القليل فقط عن تاريخ لبنان، فلا يمكن أن نرى الوضع الحالي، ولا نطور الحلول الممكنة.

الطائفية تقوض البلد

تنص مقدمة دستور 23 أيار 1926 في الفقرة (ح) على ما يلي: "يعد إلغاء الطائفية السياسية هدفًا وطنيًّا أساسيًّا يجب تحقيقه وفق خطة على مراحل". لكن الميثاق الوطني لعام 1943، الناتج عن اتفاق غير رسمي بين الرئيس الماروني "بشارة الخوري" ورئيس الوزراء السني "رياض الصلح"، مع مراعاة التعددية الدينية السائدة في ذلك الوقت، كرّس توزيع مهام وصلاحيات الدولة حسب الطوائف الدينية. وللمسيحيين الموارنة، ثم بالأكثرية، منصب رئاسة الجمهورية؛ وللمسلمين السنّة منصب رئيس الوزراء، وأخيرًا للمسلمين الشيعة، الذين هم في الأساس ريفيون ومن دون نخب، رئاسة مجلس الأمة.

وبعد 15 عامًا من الحرب الأهلية، أكد اتفاق الطائف في عام 1989 تراجع التفوق المسيحي، وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، وتنظيم تعيين رئيس الوزراء السني من قبل الأغلبية البرلمانية. هذه الطائفية المؤسسية هي التي تقوض الحياة اليومية للدولة اللبنانية (باستثناء الجيش سيئ السمعة).

مرحبا بكم في الفسيفساء الدينية اللبنانية!

وإذا أضفنا الفساد الهائل، أو اختلاس الإعانات الأوروبية أو إساءة استخدامها، كما في حالة مركز استقبال النفايات في طرابلس، فسندرك أن الرئيس الفرنسي قد أحسن صنعًا لوضعه النقاط على الأحرف. نعم، نحن بحاجة إلى مؤتمر مانحين، لكن ليس كالمعتاد، فالتاريخ يتخلله مؤتمرات فردية ووعود لم يتم الوفاء بها. ولا يستطيع العالم تحمل اللاوعي والسماح باستمرار هذا الفشل اللبناني، فلبنان بلد استراتيجي في شرق أوسط معقد وبرميل بارود إقليمي حيث يحاول الجميع تسجيل نقاط على حساب لبنان، واللبنانيون هم ضحايا الحروب اللبنانية بمفردهم.

ووسط العراق وسوريا وتركيا وروسيا وإيران ودول الخليج وإسرائيل والسنة والشيعة، يُعدّ لبنان نوعًا من "بوتقة" الطموحات الدولية ويجب أن يستعيد سيادته واستقراره المتضررين إلى حد كبير. لذا يجب أولًا إنهاء حالة الطوارئ المتعلقة بإيواء آلاف الأشخاص الذين فقدوا كل شيء، ثم تركيز التبرعات وإدارتها وفقًا لخارطة طريق متفق عليها مع سكان بيروت والسلطات اللبنانية بطريقة شفافة ومع مشرفين أجانب.

واختتمت النائبة الفرنسية حديثها بالقول: رئيس الجمهورية الفرنسية على حق، فنحن بحاجة إلى إصلاحات سياسية ووضع حد لهذا الوضع. فهذا البلد العظيم لا ينقصه موارد بشرية عالية الجودة، ولا يحتاج قبل تكليف هذا أو ذاك بالمنصب للسؤال عن دينه!


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق