مجلة سبيكتاتور | خليج البنغال.. هدف الصين المقبل للتفوق على الهند والهيمنة على آسيا


١٢ أغسطس ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

إن بحيرة "بانغونغ" هي المكان الأقل احتمالًا أن يقع فيه صراع بحري بين قوتين نوويتين عالميتين: الهند والصين. فيما تراقب دولة ثالثة، وهي باكستان، باهتمام تلك التطورات.

تقع بحيرة "بانغونغ" في منطقة نائية شمال جبال الهيملايا، وهي تبعد 280 ميلًا شرق إسلام أباد، و360 ميلًا شمال نيودلهي، و2.170 ميلًا غرب بكين. في عام 1905، قال المستكشف "إلسورث هونغينتون" إن جمالها " ينافس، أو حتى يتفوق على أشهر البحيرات في إيطاليا أو سويسرا". هي منطقة ذات بيئة قاسية، إذ تتجمّد البحيرة شتاءً، ويسكنها عدد قليل من السكان الأصليين الذين يعملون في رعي الماعز. وهي تقع في أقصى جنوب منطقة "أكساي تشين" التي تعدّ جزءًا من إقليم "لاداخ" (الذي يعني حرفيًّا "أرض الممرات المرتفعة"). وتعدّ "لاداخ" إلى جانب منطقة "جامو وكشمير" منطقتين متنازع عليهما ومقسّمتين بين الهند وباكستان.
 
مع هذا، هناك خط سيطرة آخر يقع شرقًا يفصل بين منطقة "لاداخ" الخاضعة لسيطرة الهند عن منطقة "أكساي تشين": هضبة يبلغ ارتفاعها 5 آلاف متر تساوي حجم سويسرا، تزعم الهند أحقيتها فيها لكنها مُحتلة من الصين منذ تدمير جيوش "ماو زيدونغ" لجيش رئيس الوزراء الهندي "نيهرو" أثناء الحرب الصينية - الهندية عام 1962.

وقعت صدامات حدودية صينية - هندية أخرى في الأعوام 1967 و1975. ثم في العام 1999، تغيّر وضع بحيرة "بانغونغ" عندما بنت الصين طريقًا على جانبها من "خط السيطرة" وأطلقت أسطولًا مكوّنًا من خمسة قوارب سريعة. خلال السنوات التي مرت، شنّت الصين عددًا من التوغلات الصغيرة. وفي شهري مايو ويونيو من العام الحالي، أدّت اشتباكات بالأيدي بين قوات حرس الحدود في النهاية إلى حدوث مواجهة عسكرية في وادي "غالوان" شمال بحيرة "بانغونغ"؛ ما أسفر عن مقتل 20 جنديًا هنديًّا، من بينهم قائد عسكري.

وصفت تقارير إخبارية مثيرة للقلق في الغرب هذه الحوادث الحدودية بأنها مُقدمة لحرب بين قوتين عظميين. مع هذا، فإن كفاح الصين طويل الأمد للتفوق على الهند لن يكون على طول الحدد البرية بينهما البالغ طولها 2.520 ميلاً. فبغض النظر عن بعض الحوادث التكتيكية هنا وهناك، ليس لدى الصين مصلحة في التوسُّع في مناطق فقيرة الموارد. فهي سيطرت على ما كانت تريده في حرب عام 1962.

إذًا، ما استراتيجية الصين لاحتواء الهند؟ إن الهند مطوّقة في الشمال الشرقي بإقليم التيبت الخاضع لسيطرة الصين، أما في الشمال الغربي، فهي تجاور عدوتها اللدودة باكستان، التي دخلت في تحالف صلب مع الصين في فترة ما بعد الحرب. إن الصراع الجيوسياسي المقبل من أجل الهيمنة بين الصين والهند، لن يكون على اليابسة. بل سيكون صراعًا في المياه، على منطقة مائية أكبر حجمًا من بحيرة "بانغونغ". سيكون خليج "البنغال" وبحر "أندامان" ساحة المعركة الحاسمة.

تهتم الصحافة الغربية بمشروع "حزام واحد، طريق واحد" أكثر من اهتمامها بمشروع "طريق الحرير البحري" الذي يتبناه الرئيس الصيني "شي جين بينغ". تتمثل الاستراتيجية الاقتصادية والعسكرية للصين في الهيمنة على الممرات البحرية بين الصين والشرق الأوسط. وكما هو الحال مع لعبة الطاولة الصينية القديمة للسيطرة على الأراضي المعروفة باسم Go))، التي ألهمت المُنظّر العسكري العظيم "صن تزو"، فإن الرئيس الصيني "تشي" هو الآن بصدد وضع "الأحجار" (مثل أحجار اللعب في لعبة Go) على طاولة آسيا البحرية، ما سيمكّن الصين من فرض هيمنتها.

بنت الصين بالفعل أول ميناء بحري تابع لها في جيبوتي، مجاور لقناة السويس. كما يُعد ميناء "غوادر" الباكستاني الممول صينيًّا، والذي يُشرف على مداخل مضيق هرمز، قطعة أخرى من أحجار اللعبة. أما في المناطق القريبة من الصين، ربما حققت الصين الآن سيطرة لا رجعة فيها على بحر الصين الجنوبي، وذلك عبر بنائها مدارج طيران ومنشآت بحرية فوق شعاب مرجانية مُستصلحة في جزر "سبراتلي".

من وجهة نظر الصين، هذا ليس كافيًا. فثلث الشحن البحري العالمي ومعظم واردات الصين النفطية تمر عبر مضيق "ملقا" الواقع بين سنغافورة وجزيرة سومطرة الإندونيسية. وكما لفت مبعوث برتغالي في القرن السادس عشر، فإن "الجهة التي تسيطر على مضيق ملقا، ستتحكم في رقاب الآخرين". مع تمركّز الأسطول الأمريكي في قاعدة "شانغي" البحرية في سنغافورة، تَعتبر الصين مضيق "ملقا" أضعف حلقة في استراتيجيتها البحرية؛ وبالتالي، تدرس بكين فكرة حفر قناة بطول 80 ميلًا وبتكلفة 30 مليار دولار عبر برزخ "كرا" جنوب تايلاند. ستلتفّ القناة على مضيق "ملقا" الخاضع للسيطرة الأمريكية، وستمنح الصين حرية وصول بلا عائق لبحر "أندامان" وخليج البنغال. يُقال إن شركات صينية بدأت بالفعل في شراء أراضٍ حول الطريق المقترح للقناة. الأهم من ذلك، أنه على مدار السنوات العشرين الماضية، أصبحت تايلاند دولة شبه تابعة للصين، بعد أن كانت يومًا ما واحدة من أقرب حلفاء الولايات المتحدة.

حققت الصين مزيدًا من النجاحات في مساعيها للسيطرة على خليج البنغال، وذلك عبر تمويلها لبناء ميناء جديد في "شيتاغونغ" في بنغلاديش، التي لديها علاقات ملتبسة، إن لم تكن عدائية، مع الهند. ويتجاهل البعض أن بنغلاديش، التي يقطنها 165 مليون نسمة، هي واحدة من أسرع الاقتصاديات الآسيوية نموًا.

أما ميانمار فهي أكثر ارتهانًا للصين. وكما يقول المثل البورمي القديم: "عندما تبصق الصين، تعوم بورما"، تموّل الصين هنا أيضًا تطوير ميناء كبير على ساحل ولاية "راخين"، التي يعيش فيها شعب الروهينغا. في يناير الماضي، أثناء زيارة الرئيس "تشي" لميانمار، أعلن البلدان في بيان مشترك أنهما سيمضيان قدمًا في بناء ميناء جديد في المنطقة الاقتصادية الخاصة في "كياو كبيو". من المخطط أن يتم الربط بين هذا الميناء وميناء "تشيتاغونغ" عبر خط سكك حديدي وطريق يصل إلى "كونمينغ" عاصمة إقليم "يونان" في غرب الصين. من المخطط أيضًا إنشاء أنبوب نفطي. في غضون هذا، وفي المناطق الجنوبية لخليج البنغال، هناك تحالف وثيق يجمع بين جمهورية الصين الشعبية وجمهورية سريلانكا الديمقراطية الاشتراكية منذ خمسينيات القرن الماضي.

بالرغم من أن الهند واعية تمامًا لاستراتيجية "عُقد اللؤلؤ" التي تتبعها الصين، إلا أن الغرب يبدو غافلًا بشأن ما يحدث. في ثمانينيات القرن الماضي، حذر "دينغ شياوبينغ"، مهندس النهضة "الرأسمالية" في الصين، من أنه ينبغي أن "نُخفي قدراتنا، وننتظر فرصتنا، ونعمل بعيدًا عن الأضواء، وألا نشكك في القيادة مطلقًا". لم تعد هذه الفلسفة موجودة الآن. بعد أن أصبح اقتصادها على قدم المساواة مع الولايات المتحدة، ومع إمكانية تضاعف حجم اقتصادها في مدة زمنية تتراوح بين 30 إلى 50 عامًا، فإن الصين تحت قيادة الرئيس "تشي" مصممة على تولي قيادة العالم حتى لو لم تتحدث صراحة عن ذلك، وهذا مثل مَن يشنّ حربًا من دون استخدام بندقية، وكما يقول "صن تسو" في كتابه "فن الحرب"، فإنه ينبغي للدولة أن تهدف لجعل "وضعها محصنًا" وأن تكسر "مقاومة العدو من دون قتال".

إن تخلي الرئيس أوباما عن السياسية الواقعية التي سادت في مرحلة ما بعد الحرب، واستبدالها بسياسة خارجية "كارترية" تحرّكها الأخلاق، أدّى لتسليم زمام المبادرة في آسيا إلى الرئيس "تشي"، كما أن ضمّ الصين الفعلي لبحر الصين الجنوبي، لم يقابله تقريبًا أي رد سياسي أمريكي، ولا شك أن اللجوء إلى قانون البحار الدولي لن يكون مفيدًا؛ لأن الصين بإمكانها تجاهل الإجراءات القانونية، لأنها تستطيع فعل ذلك. في الوقت ذاته، فإن المواقف الأخلاقية القوية التي اتخذها سياسيون غربيون بشأن معاملة "أونغ سان سوكي" لشعب الروهينغا في ميانمار، والانقلاب على الديمقراطية في تايلاند، والإجراءات القمعية الوحشية التي يقوم بها الرئيس "دوتيرته" ضد الجريمة في الفلبين، فضلًا عن سياسات رئيس الوزراء "نيرندرا مودي" المُفترضة المناهضة للمسلمين في الهند، كل هذا حرم الولايات المتحدة من حلفائها الطبيعيين في المنطقة - تخشى هذه البلدان من تحرشات الجيش الصيني وقوة الصين الاقتصادية، لكنها لم تعد تثق في أن تقدم السياسة الخارجية الأمريكية دعمًا ثابتًا لها.

على النقيض من هذا، لفت رئيس الوزراء التايلاندي الأسبق "تاكسين شيناواترا"، بإعجاب مشوب بمشاعر استياء، أن الصينيين "لا يبالون. فهم يتعاملون مع أي طرف يأتي للسلطة. هم مثل رواد أعمال، يقومون بأعمال تجارية ولا يهتمون بالسياسة". وفي الوقت الذي بدأ فيه الرئيس دونالد ترامب مقاومة سياسات الصين الاقتصادية العدوانية ذات النزعة التجارية البحتة، ما من دليل بعد عن وجود مقاومة أمريكية كبيرة فيما يتعلق بدعم واحتضان حلفائها الآسيويين.

تمتلك الولايات المتحدة 11 حاملة طائرات مقابل امتلاك الصين حاملتي طائرات اثنتين فقط، ما يجعل الأولى تحافظ على سيطرتها على مناطق آسيا البحرية. مع هذا، يتغير توازن القوى بسرعة. وكما خلص تقرير للكونغرس الأمريكي في شهر مايو بشأن تحديث الصين لقدراتها البحرية، فإنه بنهاية العام سيكون لدى الولايات المتحدة 297 سفينة بحرية، وهو العدد ذاته الذي تمتلكه منذ 15 سنة مضت. أما الصين فستمتلك 360 سفينة بحرية، بزيادة تفوق الـ 50 بالمائة في الفترة ذاتها. هناك حاملة طائرات صينية ثالثة تحت الإنشاء، كما من المتوقع أن يتم تدشين هيكل حاملة الطائرات الرابعة في العام المقبل.

إن مسار الأمور واضح؛ فالأسطول الأمريكي يمكن أن يجد نفسه متخلفًا عن الأسطول الصيني إذا استمرت الاتجاهات الحالية. يقول "نيك تشايلدز" من المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية إنه "ما من شك أن الصينيين يضخون استثمارات هائلة في هذا المجال". وتابع قائلًا: "هم يتفوقون على الجميع في بناء قدراتهم البحرية". ما لم يستيقظ الغرب ويواجه هذا التحدّي، فمن المرجح أن يتفوق عليه أسطول جيش التحرير الشعبي الصيني في القدرات العسكرية خلال 15 إلى 20 عامًا. إن الاتحاد الأوروبي، غير الراغب حتى في المساهمة ماليًا لدعم دفاعه الاستراتيجي، بات طرفًا غير مهم بطريقة مخجلة، كما أن الخطر بالنسبة للهند والغرب ليس وقوع صراع مسلح مع الصين. لكن الخطر يكمن في أن الغرب سيخسر الصراع على الهيمنة في آسيا دون إطلاق أي رصاصة، وهذا سيجعل "صن تسو" فخورًا.                       




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات رؤية خليج البنغال

اضف تعليق