فورين بوليسي | أردوغان يتستّر على كارثة اقتصادية كبيرة تواجهها المصارف التركية


١٣ أغسطس ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

لا يُعرف عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كونه مُبتكِرًا في الأمور الاقتصادية. لكن خلال العام الماضي، تطبق حكومته تجربة اقتصادية عالية الخطورة. الاختبار الحقيقي هو إلى متى ستستطيع تركيا إخفاء حقيقة أنها تنفق أكثر من إمكانياتها؟ عادةً عندما تنفق حكومات أموالًا أكثر من الأموال التي تجنيها من الضرائب، فإن الفرق يظهر في صورة عجز ميزانية. تموّل الحكومات هذا العجز عبر إصدار سندات، التي يجري تداولها في السوق الدولية؛ وبالتالي يكون من السهل تعقبها. لو زاد حجم الدَّين للغاية، وارتفعت تكاليف الاقتراض، حينها ستتخلف الدولة عن تسديد ديونها أو تطلب مساعدة مالية. إن هذا النوع من أزمات الديون ليس جيدًا، كما تشهد حالة الأرجنتين واليونان وباكستان، لكنه على الأقل واضح ومألوف.

أنفقت تركيا أيضًا أكثر مما ينبغي لها، لكنها فعلت ذلك بطريقة تمكّنها من إخفاء التكاليف التي تحمّلها نظامها المالي، ما يجعل هذه التكاليف مخفيّة للجميع باستثناء المدققين الماليين الأشد التزامًا. هناك القليل من الديون السيادية - وهو النوع الذي تموّله عادة السندات الدولية - لكن قيمتها الإجمالية تشهد ارتفاعًا نوعًا ما. لقد أجرت المصارف التركية عمليات اقتراض كبيرة، من بينها مصارف خاصة ومملوكة للدولة، ومن هنا بدأت مشاكل تركيا تتراكم.

منذ أزمة 2008 المالية، أبقى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي معدلات الفائدة منخفضة، أملًا في تحفيز انتعاش اقتصادي بالولايات المتحدة. كان لذلك أثر جانبي تمثّل في جعْل اقتراض الدولار من جانب الأمريكيين أو أي جهة تبحث عن قروض رخيصًا. انتبهت المصارف التركية لهذا وانغمست في أخذ قروض بالدولار ذات أسعار فائدة منخفضة.

بالتالي أصبحت المصارف التركية تمتلك الكثير من الدولارات. ماذا تفعل بها؟ أولاً، أقرضت المصارف دولارات لشركات تركية تعمل في صناعات مثل السياحة والطاقة والبنية التحتية والعقارات، والتي فضّلت أن تكون القروض بالدولار وليس الليرة بسبب انخفاض أسعار الفائدة عليها. إن قطاعات مثل البنية التحتية وسوق العقارات تبيع منتجاتها بشكل رئيسي للأتراك، لهذا فإن عائداتها تُسعّر بالليرة التركية. لكن تسديد قروضها كان ما يزال بالدولار. المشكلة هي أنه في حال انخفضت قيمة الليرة مقابل الدولار- وهي انخفضت كثيرًا في السنوات القليلة الماضية - سيصبح من الصعب على الشركات التركية تسديد قروضها الدولارية. وهذا، في المقابل، يمكن أن يشعل أزمة مصرفية.

لم تُمنح جميع الدولارات التي اقترضتها المصارف التركية من الخارج إلى الشركات التركية. أخذ مواطنون أتراك قروضًا وأنفقوها في الأغلب على شراء منازل أو سيارات بالليرة التركية، وليس الدولار. لهذا احتاجت المصارف التركية الليرة لإقراضهم. وأخذت المصارف الدولارات التي راكمتها وحوّلتها إلى ليرات في الأسواق المالية، ودفعت رسومًا مرتبطة بسعر فائدة الليرة الذي حدده البنك المركزي التركي. هذا خلق خطرًا ثانيًا متجذرًا في النظام المصرفي التركي: في حال ارتفعت أسعار الفائدة، سترتفع تكلفة اقتراض البنوك بالليرة ارتفاعًا هائلًا؛ ما سيقلل من أرباح المصارف.

لننتقل إلى الأشهر القليلة الماضية. عندما ضرب كوفيد19 الاقتصاد العالمي، تضرّرت الأسواق الناشئة مثل تركيا تضررًا شديدًا. خسرت الليرة 10 بالمائة من قيمتها في مارس وأبريل فقط. عندما تنخفض الليرة، يرتفع سعر البضائع المستوردة، وتتراجع مستويات معيشة الأتراك. خوفًا من حصول ردود فعل، قررت الحكومة التركية وقف هبوط الليرة أكثر. استخدمت الحكومة أسلوبًا اعتياديًّا، عبر بيع الدولارات لشراء الليرة في السوق المفتوح؛ ما عزّز من قيمة العملة الوطنية التركية. نجح هذا الأمر في معظم فترات الصيف: استقر سعر الليرة عند حوالي 6.85 مقابل الدولار في معظم شهري يونيو ويوليو.

غير أن إنفاق احتياطيات الدولار لحماية قيمة عملتك الوطنية لن ينجح في تحقيق غايته إلا إذا كان لديك دولارات لإنفاقها.

بدأت الحكومة هذا العام وهي تمتلك احتياطيات أقل بكثير مما ينبغي، وواجهت بعد وقت قصير مطالب بزيادة إنفاقها، إذْ شدّد أردوغان على أنه من الممكن حماية العملة. أين يمكن العثور على مزيد من الدولارات؟

هنا تعود المصارف التركية إلى الواجهة مجددًا. هي تمتلك فائضًا من الدولارات، بعد اقتراضها مليارات من الخارج في السنوات السابقة. لهذا بدأ البنك المركزي التركي في اقتراض دولارات من مصارف البلاد أيضًا. إن البنك المركزي مدين ب 54 مليار- دولار وليس ليرة - للمصارف التركية. لكن البنك أنفق مبالغ أكثر من هذا، أي نحو 65 مليار دولار في ذلك العام، وفقًا لتقديرات من شركة "جولدمان ساكس" للاستشارات، بالإضافة إلى 40 مليار دولار كان قد أنفقها في عام 2019. لهذا، وفقًا لمعظم البيانات الأخيرة التي نشرتها الحكومة التركية، يواجه البنك المركزي عجزًا بنحو 25 مليار دولار، في حال خصمنا الأموال التي يحتفظ بها في صورة ذهب وريالات قطرية.

لا يرغب المرء في أن تكون هناك ثغرة كبيرة في الميزانية العمومية لبنك بلاده المركزي، لكن هذه هي الحقيقة التي تواجهها تركيا. لم يعد ممكنًا حماية الليرة بمستواها الذي كانت عليه في مطلع هذا الصيف. لقد تهاوت قيمتها بالفعل، ويبدو أن هبوطها أكثر سيكون مسألة وقت.

ما الخيارات التي يمتلكها أردوغان؟ إن الطريق إلى المستقبل محفوف بالمخاطر. في حال انخفضت قيمة الليرة، ستكافح المصارف التركية المثقلة بديون دولارية لتسديدها، كما أن حدوث هبوط أكبر لليرة يمكن أن يؤدي لإفلاس المصارف التركية. في حال رفع أسعار الفائدة، فربما يستقر سعر العملة، لكن الاقتصاد سيدخل في ركود أشد وطأة، ما سيفاقم من التدهور الذي تسبب فيه فيروس كورونا، ويضرّ بشعبية أردوغان، هذان الخياران خطيران، لكن عدم القيام بأي إجراء ربما يكون أسوأ: ستهبط الليرة على أية حال، وسيغرق الاقتصاد في حالة ركود طويلة أيضًا. إن تجربة أردوغان الاقتصادية كانت مثيرة للاهتمام في الفترة التي دامت فيها، وخلقت إحساسًا مزيفًا بالاستقرار. لكن إخفاء مشاكل البلاد الاقتصادية المتجذرة في النظام المصرفي لن يكون سوى عملية تستُّر مؤقتة.    


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق