معهد الشرق الأوسط | لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في أفغانستان.. هل تصبح الصين طرفًا على طاولة مفاوضات؟


٢٤ يناير ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح
إن استخدام التنمية الاقتصادية كأداة مهمة لتحقيق الاستقرار في بلد ما، هو أحد المبادئ الرئيسية التي توجّه سياسة الصين الخارجية. في ديسمبر 2019، وأثناء أول ظهور له بصفته ممثل الصين للشئون الأوروبية، أوضح "وو هونغ بو" التصور الصيني للعلاقة بين الأمن والتنمية، قائلًا "مع تحقيق التنمية المحلية، سيتحسن الوضع الأمني المحلي تدريجيًا". كما أكّد أنه بمجرد أن يحصل الناس على فرص العمل، سيكون لديهم حافز أقل للمشاركة في الجريمة.

إن مقولة "التنمية هي المفتاح" هي واحدة من مبادئ مبادرة الحزام والطريق، وهي أساس لسياسة الصين في أفغانستان، كما أن الاضطرابات التي تعصف بأفغانستان حفّزت وعرقلت في الوقت ذاته جهود بكين لتوسيع نشاطها الاقتصادي في هذا البلد. ومع ذلك، أصبحت الصين تدريجيًّا أكثر نشاطًا في أفغانستان اقتصاديًّا وسياسيًّا.


التعاون الاقتصادي الصيني مع أفغانستان

سعت الصين لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع أفغانستان في محاولة للمساعدة في تحقيق الاستقرار في هذا البلد، وبالتالي تخفيف المخاطر الاقتصادية المحلية التي يتسبب فيها استمرار الصراع هناك. وواجهت أفغانستان صعوبات اقتصادية متواصلة نتيجة للصراعات وغياب الاستثمارات والجفاف والفساد وتجارة المخدرات غير الشرعية المتواصلة منذ عقود. ووسط هذه المشاكل، كان تحقيق نمو قائم على التصدير شاقًا - وهو تحدٍّ يبدو أن الصين حريصة على مساعدة أفغانستان للتغلب عليه.

ولمواجهة هذا التحدي، أطلقت الحكومة الأفغانية مبادرات عدة، من بينها "استراتيجية التصدير الوطني" عام 2018. وهناك عنصر مهم في خطة أفغانستان للاستفادة بشكل كامل من الإمكانيات التصديرية للبلد، وهو "الممر الجوي بين الصين وأفغانستان" الذي أُطلق في نوفمبر 2018، ويهدف هذا الممر الجوي لتعزيز صناعة حبوب الصنوبر الأفغانية، والتي تكبّدت خسار مالية كبيرة بسبب عمليات التهريب عبر باكستان. ساهم الممر الجوي، كما هو مخطط، في تحقيق نمو متواضع في صادرات حبوب الصنوبر. مع هذا، فإن الممر الجوي غير مستدام ماليًا على المدى الطويل.

وفي الواقع، فإن السبب الذي يجعل التجار المحليين يحققون ربحًا من هذه الصادرات، هو الدعم الحكومي لها. وبالرغم من أن النائبة الرئيسية لوزير الخارجية الأمريكي "أليس ويلز" انتقدت مؤخرًا الصين لقلة تعاونها الاقتصادي مع أفغانستان، رفضت الصين بسرعة هذه الاتهامات مستشهدة بالمبادرات الاقتصادية المستمرة. مع ذلك، وبالرغم من أن الصين تواصل تقديم نفسها باعتبارها شريكًا اقتصاديًا مهمًّا لأفغانستان، غير أن الحقيقة على الأرض أكثر تعقيدًا.

مشاريع مُعطلة وآفاق غير واضحة

أطلقت الصين حتى الآن مشاريع رئيسية عديدة في ثلاثة قطاعات مهمة في أفغانستان: التعدين/الاستخراج، والبنية التحتية للنقل، والزراعة. مع هذا، وفي بعض هذه المشاريع، فشلت مساهمة الصين في التنمية الاقتصادية لأفغانستان في تحقيق أهدافها الأولية.

في القطاع الزراعي، لا يساهم الممر الجوي بين الصين وأفغانستان في إيجاد حل حقيقي للمشاكل الأساسية للاقتصاد الأفغاني. حتى مع وجود ذلك الممر الجوي، تواصل أفغانستان تصدير مواد خام، بينما تتمتع الصين بمعظم الأرباح القادمة من عمليات التجهيز ذات القيمة المضافة لهذه المواد داخل الصين. وبالرغم من أن هذا القصور يمكن معالجته عبر مصنع معالجة حبوب الصنوبر الذي افتُتح مؤخرًا في كابول، غير أن مستقبل هذا المشروع يظل غامضًا، حيث إنه بعد شهور من افتتاحه الرسمي، لا يزال المصنع من دون نشاط.

ومن الممكن معالجة بعض من مشاكل أفغانستان المنهجية عبر الاستثمار في قطاع التعدين الأفغاني، وذلك بالنظر إلى قدرة هذا القطاع على خلق وظائف وتحقيق أرباح.

وفي الواقع، حاولت الصين التحرك في هذا الاتجاه، والمثال الأبرز لذلك هو الاستثمار الصيني في منجم "ميس آيناك" للنحاس، والذي فازت شركات صينية حكومية بحق استغلاله لمدة 30 عامًا. ومع ذلك، توقف العمل في المنجم منذ عام 2008، ليس فقط بسبب المشاكل الأمنية، ولكن أيضًا بسبب التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد وعدم جدوى محطة الطاقة التي تعمل بالفحم في منطقة "إيشبوشتا". وبالرغم من أن هذا المشروع قد يضيف قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الأفغاني، غير أن إعادة المفاوضات بشأن هذه الصفقة لم تصل لنتيجة. وفي ديسمبر 2019، ألغى الرئيس الأفغاني "أشرف غاني" عقدين للتنقيب عن الذهب والنحاس، متحججًا بأن السبب الرئيسي هو عجز الشركات عن الوفاء بالتزاماتها المالية.

وثمة مشكلة أخرى تتمثل في غياب إطار العمل التشريعي، ما يصعّب من مهمة عمل العديد المناجم بشكل قانوني ويؤدي لخسارة الحكومة عوائد كبيرة. علاوة على هذا، ما تزال المناطق الخاضعة لسيطرة حركة طالبان من دون أي مراقبة حكومية. وفي عام 2019، على سبيل المثال، عقب حدوث انهيار طيني في منجم "بادكشان" للذهب الواقع في أراضٍ خاضعة لطالبان، عجزت الحكومة عن تنفيذ عمليات إنقاذ، وفقدت العديد من العمال حياتهم. يجب التذكير أن العديد من مناجم أحجار "اللازورد" في منطقة "بادكشان"، تُستخدم لتمويل طالبان، مع سقوط مخزون جديد من هذه الأحجار في أيدي المتمردين في يوليو 2019.

إدماج أفغانستان بالكامل في مبادرة الحزام والطريق

إن تمديد مبادرة الحزام والطريق الصينية لتشمل أفغانستان، يمكن أن يقدّم مساهمة كبيرة في نمو البلاد الاقتصادي. إن العنصر الأساسي لمبادرة الحزام والطريق هو مشاريع تطوير البنية التحتية التي تعزز الترابط، كما أن مذكرة التفاهم الموقعة بين الصين وأفغانستان عام 2016 هي تجسيد لالتزام البلدين لتعزيز التعاون المشترك في إطار مبادرة الحزام والطريق، فضلا عن أن تطبيق جزء من ممر السكك الحديدية المتوخى في "خطة السكك الحديدية الوطنية لأفغانستان"، سيحسّن من الترابط الإقليمي للبلاد؛ ما سيساهم في تعزيز تكامل البلاد في مبادرة الحزام والطريق،  وتهدف خطة السكك الحديدية الوطنية لأفغانستان لتأسيس أفغانستان بوصفها مركزًا للنقل الإقليمي.

ترتبط الصين بشمال أفغانستان عبر مشروع "خط السكك الحديدية الخاص للنقل بين الصين وأفغانستان"، و"ممر السكك الحديدية للدول الخمس"، إضافة إلى خط محتمل يربط أفغانستان بالممر الاقتصادي بين الصين وباكستان. لقد افتُتح خط خدمات الشحن "هيراتان - نانتونغ" في سبتمبر 2016، وهو إنجاز مهم في إطار تنفيذ مشروع "خط السكك الحديدية الخاص للنقل بين الصين وأفغانستان". لكن في رحلته الأولى، تعطلت الخدمة نتيجة لمشاكل أمنية، ما جعل القطار يعود فارغًا إلى الصين. أُعيد إطلاق القطار لاحقًا، لكن هذه المرة كانت الخدمة تعمل في الاتجاهين.

إن إنشاء خط سكك حديدية مرتبط بمشروع الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان كان أمرًا صعبًا، ونظرًا للعلاقات المضطربة بين أفغانستان وباكستان، إضافة إلى الخلافات بشأن ضمّ الهند للمشروع. وحتى لو جرى حلّ هذه العقبات السياسية، فإن تنفيذ المشروع سيتطلب إنشاء خطوط سكك حديدية تمر عبر إقليمي هيلمند وقندهار، المعقلين الرئيسيين لطالبان وأكبر إقليمين منتجين للأفيون في البلاد.

إن البُعد الرقمي لمبادرة الحزام والطريق، هو مجال ثانٍ يمكن أن تصنع الصين من خلاله فرقًا. وفي الواقع، تعمل شركتا "زي تي إي" و"هواوي" الصينيتان في أفغانستان منذ بداية الألفية، وعملت الشركتان على إنشاء شبكة الجيل الثالث في أفغانستان، عبر تزويد شركة الاتصالات الأفغانية بمعدات لخدمات الهاتف المحمول وشبكات الجيل الثالث. وفي عام 2017، وفي إطار مبادرة الحزام والطريق، جرى التوقيع على اتفاقية لإقامة شبكة ألياف ضوئية. وربما يكون "مشروع سِلك طريق الحرير" مجالاً واعدًا للتعاون بين الصين وأفغانستان، بالرغم من أنه لم يتم تحقيقه بعد. إن استثمار الصين في تطوير وتوسيع شبكة الألياف الضوئية في أفغانستان، يمكن أن يقدم فوائد كبيرة لمستخدمي الإنترنت هناك وفي الدول المجاورة.

إلى أين تتجه الأوضاع الاقتصادية لأفغانستان؟

وتقدّر دراسة حديثة للبنك الدولي، أن أفغانستان ستحتاج لمنح دولية تتراوح بين 6 إلى 8 مليار دولار لتمويل خدمات أساسية "للمحافظة على أي انخفاض محتمل في مستوى العنف".

وبالتالي فإنه من صالح الأطراف صاحبة المصلحة، من بينها الصين، أن تساعد أفغانستان في جذب استثمارات أجنبية. مع هذا، وكما اتضح في السابق، فإن استمرار العنف والفساد في هذا البلد أعاق بعض جهود الصين الرئيسية لتعزيز التنمية في هذا البلد. في غضون هذا، فقد تزايد تعرّض الصين للأخطار الناجمة عن تواصل الانفلات الأمني في أفغانستان.

وفي ديسمبر 2019، على سبيل المثال، ظهرت أدلة جديدة تفيد بوجود معسكرات تدريب تابعة للحزب الإسلامي التركستاني في شمال أفغانستان، ما يمثل تهديدًا مباشرًا على الصين. وبالتالي ليس مفاجئًا أن الصين تولت دورًا دبلوماسيًّا أكثر صرامة في الصراع الأفغاني، عبر فتح قنوات اتصال مع طالبان والحكومة المركزية، ومحاولة التوسط بين الطرفين.

إن انخراط الصين المتزايد في أفغانستان ربما يتضمن تعديل وضعها الأمني في أفغانستان في حال فشلت استراتيجيتها وجهودها الاقتصادية في تعزيز السلام والمصالحة، مع انسحاب القوات الأمريكية من البلاد. لقد شهد دور الصين الأمني بالفعل تطورًا، وإن كان تدريجيًّا. يتضمن هذا تسييرها دوريات على الحدود مع طاجيكستان، فضلًا عن جهودها لمساعدة أفغانستان على تعزيز قدراتها لمكافحة الإرهاب عبر قنوات ثنائية، من بينها منظمة شنغهاي للتعاون، وآلية التعاون والتنسيق الرباعية بين الصين وأفغانستان وباكستان وطاجيكستان، ومن غير الواضح بعد ما إذا كانت الصين مستعدة لتولي دور أمني مباشر وأكثر فعالية.

لكن الأمر الجليّ هو أن أفغانستان تمثّل امتحانًا صعبًا للأسس النظرية التي ترتكز عليها مبادرة الحزام والطريق، من ناحية أن جهود الصين لتعزيز الترابط، وبالتالي تحفيز التنمية، باتت تواجه عراقيل بفضل حالات عدم الاستقرار والتنافس الإقليمي التي تهدف هذه الجهود الصينية أصلًا للمساعدة في تخفيفها.      


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية أفغانستان

التعليقات

  1. استراتيجى1 ٢٥ يناير ٢٠٢٠

    معهد شرق اوسط ايه ياحبيبى وماعلاقة المعهد بافغانستان والصين لتعزيز الترابط والاونطه الاقتصاديه فالشرق الاوسط متورط بمرتزقه تاتى بهم اميركا من افغانستان ومن مرتزقة المقاتلين من افغانستان وطالبان والتى فتحت لهم اميركا وهى غير معترفه بهم حتى بالامم المتحده مكتب قنصلى لطالبان فى قطر لتاتى بالمقاتلين الافغان ليموتو بالعراق وفى سوريا وبغيرها بالشرق الاوسط --------- سلامات ياسى معه شرق اوس وين رايحين انتم فما وجدت من معهدكم هذا مثل تلك الحقائق برغم انكم مجرد معهد فماذا تعلمون اذن الطلبه بمعهد اونطجية الشرق الاوسط تبعكم هذا

اضف تعليق