The Conversation: على الدول الأفريقية انتهاز فرص التوترات بين الولايات المتحدة والصين


١٨ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - آية سيد


تحمل منافسة القوة بين الولايات المتحدة والصين تشابهًا مذهلًا مع التوترات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أثناء سنوات الحرب الباردة. حينها، كانت الدول الأفريقية متمركزة مثل البيادق على لوحة شطرنج كبيرة. لقد تعرقل تقدمها الاجتماعي والاقتصادي لأنها بذلت طاقتها في الانحياز إلى إحدى القوتين العظميَين في المعركة على السيادة العالمية بين الشيوعية والرأسمالية.

لقد فشلت الدول الأفريقية بشكل عام، باستثناءات ملحوظة، في ممارسة الفاعلية الإيجابية من أجل تحقيق التنمية، كما أضعفت أيضًا الأسس المؤسسية وأسس الحوكمة الضرورية للنجاح الاقتصادي.

وفي السياق الحالي للتوترات الجيوسياسية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، ربما تجد الدول الأفريقية نفسها تُكرر الأخطاء ذاتها ما لم تعمل على رسم مصيرها مسبقًا.

إن التوترات بين القوتين العظميين، التي تتميز بحرب تجارية شرسة، تزداد عمقًا في وقت يمر فيه الاقتصاد العالمي بتوتر هائل بسبب كوفيد-19. وفي الوقت نفسه تواجه الدول الأفريقية أسوأ أزماتها الاقتصادية منذ الاستقلال.

ولا شك أن أفريقيا غير مستعدة مؤسسيًّا للصمود أمام الآثار المجتمعة للجائحة الصحية والكساد الاقتصادي الشديد. سوف يحتاج قادتها لتصميم استراتيجيات مشاركة والتي ستساعدهم في إدارة توترات القوى العظمى الحالية لصالحهم. ينبغي أن يفعلوا هذا دون الانحياز لأي جانب، وذلك يحتاج لأن يتعاملوا مع كل تلك القوى العظمى بناءً على خيارات براجماتية، وليست أيديولوجية.

وبالرغم من عدم استعدادها المؤسسي، تستطيع الدول الأفريقية – ويجب – أن تكون استراتيجية وتكتيكية بشدة في كيفية تعاملها مع التوترات الأمريكية – الصينية، وسوف يعني الفشل في فعل ذلك التضحية بمصالحها.

هناك ثلاثة مجالات من التحديات والفرص للدول الأفريقية في المناخ الجيوسياسي الحالي؛ يشمل الأول الآفاق التكنولوجية، والثاني هو سلاسل الإمداد العالمية، والثالث هو الاندماج التجاري والتعاون الاقتصادي.

الآفاق التكنولوجية الجديدة

توجد أدلة دامغة على أن الابتكار التكنولوجي هو المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي. وبالتالي، الوصول إلى التكنولوجيات الحديثة مثل الجيل الخامس واستغلالها ضروري لتنمية أفريقيا. إن تكنولوجيات الجيل الخامس تمثل خيارات مهمة لقارة مثل أفريقيا، حيث تخطت تكنولوجيا الهاتف المحمول التكنولوجيات التقليدية، كما أن الوصول إلى تكنولوجيات مثل الجيل الخامس يمنح إمكانية الوصول إلى النطاق العريض العالمي، الذي يُعدّ ضروريًّا لتقدم القارة نحو الاقتصاد الرقمي.

في مايو من العام الماضي وضعت الحكومة الأمريكية شركة هواوي الصينية، المزود العالمي الرئيسي للبنية التحتية لشبكات الجيل الخامس، على قائمة الكيانات التي تشكل خطرًا كبيرًا على مصالح الأمن القومي والسياسة الخارجية.

جرى حظر هواوي بفاعلية من استيراد ودمج التكنولوجيات الأمريكية الرئيسية في منتجاتها وخدماتها. تضمن هذا الأجهزة، مثل مكونات أشباه الموصلات ذات التكنولوجيا الفائقة، والبرمجيات، مثل خدمات جوجل للجوال. وجرى تمديد الحظر لاحقًا ليشمل التكنولوجيات الرئيسية من الشركات غير الأمريكية، شمل هذا شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات، التي تُعدّ مزودًا رئيسيًّا لهواوي.

في الشهر الذي أعقب الحظر المبدئي، كتب المديرون التنفيذيون لأربع شركات اتصالات كبرى في جنوب أفريقيا (وهي تيلكوم، وفوداكوم، وإم تي إن وسيل سي) خطابًا مشتركًا للرئيس الجنوب أفريقي رامافوسا يطلبون تدخله الفوري في الإجراء الأمريكي ضد هواوي. كان هدفهم هو تقديم ثقل دبلوماسي لمنع وقوع ضرر على قطاع الاتصالات الجنوب أفريقي.

وفي شهر يوليو من العام الماضي خرج رامافوسا داعمًا للشركات الأربع وهواوي. لقد قال إن الحظر كان مثالًا على الحمائية التي ستؤثر على قطاع الاتصالات، لا سيما جهود تشغيل شبكة الجيل الخامس، وهو ما سيُسبب انتكاسة للشبكات الأخرى أيضًا.

كان هذا مثالًا على البراجماتية من جانب حكومة جنوب أفريقيا.

ينبغي على صناع السياسة الأفارقة أن يحموا بقوة حقهم في الاختيار من بين أكبر مجموعة متاحة من الخيارات التكنولوجية والتي تناسب احتياجات التنمية الخاصة ببلادهم، وينبغي أن يصروا على الحصول على التكنولوجيات الحديثة مثل الجيل الخامس وتطويرها بناءً على البراجماتية.

سلاسل الإمداد العالمية

المسرح الثاني للصراع بالنسبة إلى الدول الأفريقية هو سلاسل الإمداد العالمية.

إن حقيقة كوفيد-19، مصحوبة بتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين حول التجارة، والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، فتحت فرصًا يجب أن تستغلها الدول الأفريقية.

هذه الأمور مجتمعة كشفت مشكلات خطيرة في شبكات الإمداد في مختلف القطاعات. يشمل هذا المنتجات الرقمية والغذاء وسلاسل الإمداد الدوائية والطبية.

وتمثل تلك القطاعات فرصًا للدول الأفريقية لكي تطور منتجات وخدمات وقدرات جديدة. على سبيل المثال، يمكن أن تقدّم حلولًا لحماية احتياجات الأمن الغذائي لأفريقيا، والإنتاج المحلي للأدوية والعقاقير المحلية، والاختبارات والأجهزة الطبية منخفضة التكلفة واللوجيستيات.

لكن الدول الأفريقية ستحتاج للعمل بصورة تضافرية أكثر لتطوّر قطاعاتها الاقتصادية المزدهرة وروابطها الصناعية العابرة للحدود. من وجهة نظرنا، ستكون التجارة عنصر تمكين أساسي في هذا.

وذلك يأخذنا إلى المجال الثالث، وهو الحاجة لأن توطد الدول الأفريقية الاندماج التجاري والتعاون الاقتصادي. سوف يقدّم هذا أساسًا للتنويع من الاعتماد الزائد على أسواق التصدير مثل الصين والولايات المتحدة، ولبناء مرونة داخلية.  

التجارة بين البلدان الأفريقية

تمثل التجارة بين البلدان الأفريقية 16% فقط من إجمالي التجارة الأفريقية. هذا يُقارن مع 52% في آسيا و73% في أوروبا. تتركز التجارة الأفريقية بشدة في محاور اقتصادية قليلة: تمثل الصين وأوروبا معًا 54% من إجمالي التجارة الأفريقية، وتُعد الصين أكبر شريك تجاري لأفريقيا. إنها تمثل أكثر من 14% من إجمالي التجارة الأفريقية.

وتخلق منطقة التجارة الحرة للقارة الأفريقية إطار العمل المؤسسي والخاص بالبنية التحتية لأفريقيا لتعزّز التجارة بين البلدان الأفريقية، وتنوع شركاءها التجاريين وتطبق إصلاحات طال انتظارها في السياسة التجارية.

لقد أدى كوفيد-19 إلى تأجيلات كبيرة في تطبيق هذا الترتيب التجاري. في الواقع، كان يجب أن يزيد الإحساس بالإلحاح. لكن بدلًا من إظهار القدرة على التكيف، ضغط القادة الأفارقة على زر التوقف. ونتيجة لذلك، قد تضيّع القارة فرصة لتسريع تطوير السلاسل العابرة للحدود في الإمدادات والأجهزة الطبية والمجالات الأخرى.

الخيال والشجاعة

ينبغي أن تستغل الدول الأفريقية الفرص التي تقدمها التوترات المتزايدة بين الصين والولايات المتحدة لتحقيق الفاعلية الإيجابية ورسم مستقبلها. سوف تحتاج لأن تكون أكثر استباقية وتكيفًا في البيئة العالمية الغامضة والمائعة، وهذا سيحتاج لقدر كبير من الخيال والشجاعة.

إن الدول الأفريقية تواجه مجموعة هائلة من التحديات والقيود، غير أن صُناع السياسة دائمًا ما يمتلكون خيارات.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق