فاريزي نيوز الإيطالية | أردوغان في ليبيا... لماذا ينبغي على أوروبا الاستعداد للسيناريو الأسوأ؟


٢٥ يونيو ٢٠٢٠

ترجمة - فريق رؤية

يُعد غزو الجيش التركي لليبيا، مؤخرًا،مؤشرًا على حدوث تغييرٍ في الحرب الأهلية في البلاد؛ بما يهدد كلاً من أوروبا والمجتمع الدولي.

فمنذ سقوط الديكتاتور الليبي السابق معمر القذافي عام 2011، اجتاحت الحرب الأهلية ليبيا،وعلى مدى ما يقرب من عشر سنوات، عانت ليبيا من صراع مستمر وفقر مدقع، بينما تدخلت القوى الأجنبية وفشلت جميع محاولات تأسيس حكومة مستقرة. وفي ظل فراغ السلطة هذا، تسلل الإرهابيون مستغلين ضعف البلاد لتحقيق أهدافهم الخاصة، على حساب الشعب الليبي.

ووفقًا للأمم المتحدة، فقد تسبب الصراع في تشريد أكثر من مائتي ألف شخص،فيما يحتاج 1.3 مليون شخص إلى المساعدات الإنسانية. بالإضافة إلى ذلك، وصل حوالي 630 ألف لاجئ ومهاجر من خارج البلاد إلى ليبيا، معظمهم من إفريقيا جنوب الصحراء.

وفي الخامس من يناير الماضي، أقدم الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"على غزو ليبيا التي مزقتها الحرب، ونشر قواتٍ لدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس والمدعومة من الأمم المتحدة. وفي إطار مساعي أردوغان لدعمها، أغرق البلاد بالجهاديين، بما في ذلك عشرة آلاف من مرتزقة الجيش السوري الحر، والجماعات الأخرى الناشطة في سوريا والمدعومة من تركيا.

وتهدد تصرفات تركيا هذه بتقويض التقدم الذي أحرزه الجيش الوطني الليبي نحو تحقيق الاستقرار،إذ نجح الجنرال "خليفة حفتر"، قائد الجيش الوطني الليبي، في استهداف الميليشيات الإرهابية في ليبيا، والعديد منها تابع لتنظيم داعش أو القاعدة أو جماعة الإخوان المسلمين. وقد اكتسب حفتر بالفعل دعمًا شعبيًّا كبيرًا بين الشعب الليبي، إذ يعتبر الكثيرون أن الجيش الوطني الليبي أكثر شرعيةً من حكومة طرابلس.

ويكشف نجاح حفتر أن الاستقرار في ليبيا يعتمد على تحرير البلاد من الإخوان المسلمين والعناصر الإرهابية الأخرى. وقد اكتسبت جهوده في مكافحة الإرهاب دعمًا من الولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.
إلا أن تدخل تركيا في ليبيا لا يهدف إلى العمل من أجل السلام والاستقرار، بل يهدف إلى ضمان مصالحها، من خلال استغلال موارد النفط والغاز وتحقيق نفوذها الإقليمي.

ومؤخرًا، استبعدت أنقرة من اتفاقية مهمة بين إسرائيل وقبرص واليونان لإنشاء خط أنابيب غاز تحت سطح البحر المتوسط، وسوف ينقل مشروع "إيست ميد" الغاز من حقول الغاز الإسرائيلية والقبرصية إلى أوروبا، مما سيؤدي إلى تغيير جوهري في سياسة الطاقة الإقليمية، حيث لن تضطر أوروبا إلى الاعتماد على الغاز الروسي حصريًّا.

وهذه الصفقة تُبعد تركيا عن خطط الطاقة الإقليمية، مما يدفع أردوغان إلى السعي إلى توسيع نفوذه؛ لذا فإن غزو أردوغان لليبيا هو محاولة واضحة لتأمين موارد النفط لتركيا.

ففي نوفمبر الماضي، وقعت تركيا وحكومة طرابلس اتفاقية بشأن الحدود البحرية تنتهك الحقوق اليونانية في بحر إيجه في محاولة لعرقلة مشروع "إيست ميد". حيث تحاول الاتفاقية إنشاء منطقة اقتصادية حصرية تمتد بين البلدين، مما يسمح لتركيا بالبدء في البحث عن النفط في البحر الأبيض المتوسط. وقد أدان المجتمع الدولي هذه الصفقة على نطاق واسع.

ومع ذلك، فلا يتعلق عدوان أردوغان على ليبيا بالنفط فقط، ولكن يتعلق أيضًا باستغلال ليبيا لبسط النفوذ التركي في المنطقة، تمامًا كما تفعل إيران في العراق. لقد انكشفت نوايا أردوغان بأن تظل ليبيا دولة فاشلة. وطالما ظلت ليبيا في حالة فراغ السلطة، يمكن لتركيا أن تستمر في ممارسة نفوذها على البلاد، مستغلة الحرب الأهلية باعتبارها ساحة معركة لتصفية حساباتها ومنافساتها الإقليمية.

وبالنظر إلى هذه العوامل مجتمعةً، يشكل غزو تركيا لليبيا تهديدًا خطيرًا للاتحاد الأوروبي. لقد أظهرت تركيا أنها ستستخدم العدوان الصارخ ضد الاتحاد الأوروبي– وكذلك حلف الناتو– للدفاع عن مصالحها. ففي 17 يونيو، أرادت سفينة فرنسية بقيادة الناتو تفتيش سفينة شحن للاشتباه في أنها كانت تحمل أسلحة إلى ليبيا، في انتهاكٍ لقرار الأمم المتحدة بحظر الأسلحة عن ليبيا.

وردًّا على ذلك تحركت السفن التركية وهددت السفينة الفرنسية،حيث استهدفت الفرقاطات التركية السفينة الفرنسية عبر الرادار، كما أنها أبدت استعدادها لإطلاق الصواريخ. وقد أدانت الحكومة الفرنسية تحركات البحرية التركية، واصفة إياها بأنها "بالغة العدوانية".

وقال مسؤول في وزارة الدفاع الفرنسية: "إن حركة بحرية كثيفة بين تركيا ومرفأ مصراتة الليبي مصحوبة أحيانًا بعدة فرقاطات تركية، لا تساهم في خفض التصعيد". وتدفع فرنسًا أيضًا في اتجاه إجراء محادثات مع حلفاء الناتو بشأن العدوان التركي في ليبيا، متهمة القيادة التركية بالعمل ضد جهود السلام.

ومن جانبها، هددت تركيا أيضًا بأنها ستبدأ في السماح للاجئين بدخول أوروبا، وذلك في انكارٍ واضحٍ لاتفاقية عام 2016 بين أنقرة والاتحاد الأوروبي. وهو ما يمثل تغييرًاجوهريًّا في السياسة التركية تجاه الاتحاد الأوروبي،مما سيعرض أوروبا إلى تحدياتٍ كبيرةٍجراء أزمة الهجرة المتجددة.

وفي خضم المساعي التركية التي تهدف إلى تدفق المهاجرين إلى أوروبا، والتنقيب الدائم عن النفط، والرغبة في إبقاء ليبيا في حالة حرب، يهدد التدخل التركي في ليبيا بامتداد تأثيره إلى القارة الأوروبية؛لذا فمن الأفضل أن يستعد الاتحاد الأوروبي للسيناريو الأسوأ.

ففي حالة إذا ما سمح أردوغان للمهاجرين بدخول أوروبا، فإن تدفق اللاجئين سيضع الخدمات الاجتماعية تحت ضغطٍ شديدٍ في الوقت الذي تعاني فيه معظم الدول بالفعل من تداعيات تفشي فيروس كورونا. ولمواجهة زيادة أعداد المهاجرين، سيتعين على الاتحاد الأوروبي بالتالي زيادة الأمن الحدودي ومواجهة أي أعمال عدوانية مستقبلية تقوم بها تركيا في البحر الأبيض المتوسط.

أما من وجهة نظر اقتصادية، فإن بسط تركيا قبضتها على احتياطيات النفط الليبية يهدد التجارة مع الاتحاد الأوروبي،فحاليا، تذهب نسبة 85٪ من النفط الليبي إلى أوروبا. وإذا سيطرت تركيا على صادرات النفط الليبية، سيسمح ذلك لأردوغان بإبراز سلطته السياسية عبر المنطقة. وبما أن ليبيا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا، فسيكون لدى تركيا الآن القدرة على التلاعب في أسعار النفط العالمية.

وإذا استمر عدوان تركيا، فإن غزو أردوغان لليبيا سيكون له تأثير بالغ السوء على المجتمع والاقتصاد الأوروبي؛لذلك فمن الضروري أن تقوض أوروبا الغزو التركي لدولةٍ مزقتها الحرب؛ لحماية أمنها ومصالحها.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ليبيا اردوغان أوروبا

اضف تعليق