مودرن دبلوماسي | الأسباب الرئيسية لعنف الدولة في إيران


٢٠ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - شهاب ممدوح

إن الحكومة الإيرانية هي أكبر مُنتهك لحقوق الإنسان في العالم، ويظن مسئولوها أنه من المسموح للحكومة استخدام عنف الدولة لقمع مطالب الناس. تستخدم قوات الأمن القوة المميتة ضد المحتجين والنشطاء السياسيين والعِرقيات والأقليات الدينية والنساء والصحفيين وأي شخص ينتقد سياسات الحكومة. ونتيجة لعنف الدولة، قُتل أو أُعدم آلاف الإيرانيين على أيدي قوات الأمن، فضلًا عن تسبُّب عنف الدولة في إجبار مجموعات مختلفة من الناس على ترك بلدهم والذهاب لدول أخرى توفر لهم الأمن. في الواقع، مثلّت الأصولية الإسلامية والعنصرية والمصالح الاقتصادية والمشاركة السياسية، الأسباب المهمة التي تدفع سلطات الجمهورية الإسلامية لاستخدام العنف ضد الناس لمنع تغيير النظام منذ عام 1979.

إن أحد أبرز أسباب عنف الدولة في إيران هو الأصولية الإسلامية التي تشكل أساس الحكومة الإيرانية. وتطبيقًا للشريعة الإسلامية، أعدمت السلطات الإيرانية الكثير من الناس عبر الشنق أو إطلاق النار عليهم في السجون والساحات العامة، بناءً على اتهامات مختلفة منذ عام 1979، كما تعرّض العديد من النشطاء السياسيين ومعارضين ونشطاء من مناطق أخرى في إيران، مثل البهائيين واليهود والمسيحيين والمسلمين السُنّة، لنوع مختلف من عنف الدولة، مثل الإرهاب والتعذيب والإعدام في إيران في العقود الأربعة الماضية. وقد برّر مسئولون إيرانيون عنفهم وإجراءاتهم اللاإنسانية عبر توجيه اللوم لأعداء الإسلام، وبأنهم يقاتلون مع الله ويتصدّون لعملاء أمريكا وإسرائيل والمفسدين في العالم. على سبيل المثال، في أغسطس 2016، نفّذت السلطات الإيرانية عمليات إعدام جماعية لـ 25 سجينًا سُنيًّا في سجن "جوهردشت". إن اضطهاد وتهجير أعضاء الديانة البهائية، هو أحد أبرز المآسي في التاريخ الإيراني. في العقود الماضية، اعتقلت السلطات الإيرانية آلاف البهائيين، وأغلقت الكثير من مراكزهم التجارية، وبسبب الاضطهاد والضغط الحكوميين عليهم، اضطر البهائيون لترك منازلهم وأصبحوا لاجئين في بلدا

إن ديمقراطية وآمنة. من وجهة نظر الحكومة الإيرانية، فإن المذهب الشيعي يسمو فوق كل الأديان، يجب على جميع الناس ترك معتقداتهم الدينية والانضمام للمسلمين الشيعة. تتسبب هذه الرؤية المتطرفة في القضاء على أديان ومعتقدات أخرى، وتُشرعن عنف الدولة ضد أعضائها وذلك منذ تاريخ تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية حتى الآن.

إيران بلد متنوع، تعيش جماعات عرقية مختلفة في عمومه، ولا يمتلك حق التعلم بلغته الأم، ولا يمكنه عقد احتفالاتها الثقافية. تمارس السلطات السياسة ذاتها ضد مجموعات عرقية غير فارسية أخرى، والتي يتعيّن عليها الاندماج في المجتمع الفارسي وتهميش ثقافتها. تكافح العديد من الجماعات في عموم إيران سلميًّا دفاعًا عن حقوقها الثقافية واللغوية التي حظرتها الحكومة الشمولية والعنصرية. بالإضافة إلى ذلك، تتصدّى هذه الجماعات أيضًا لأوجه عدم المساواة والتمييز الاجتماعي - الاقتصادي. على سبيل المثال، يشكّل السكان الأتراك ما يزيد على 40 بالمائة من سكان إيران، وهم يعيشون في مناطق مختلفة، لا سيما في منطقة أذربيجان الجنوبية الواقعة شمال غرب إيران، لكنهم لا يملكون أي حقوق للتعلم بلغتهم الأم في المدارس. يجب عليهم أن يتعلموا بالفارسية من مرحلة ما قبل المدرسة حتى الجامعة. وقد قمعت قوات الأمن الإيرانية بعنف الاحتجاجات السلمية التي نظمها متظاهرون أتراك ضد التمييز اللغوي والاندماج الثقافي، كما تواجه مجموعات عرقية أخرى مثل البلوش والعرب والكُرد مشاكل مماثلة لإنجاز حقوقهم الثقافية واللغوية. تؤمن الحكومة أن نشطاء المجموعات العرقية هم التهديد الرئيسي للوحدة الترابية واللغة والهوية الفارسية، وهي تقمعهم عبر القوة العسكرية والأمنية. بالتالي، فإن استخدام عنف الدولة، وعدم اهتمام الحكومة بمطالب المجموعات العرقية والسلوك اللاعقلاني في مواجهة هذه المشكلة، يضع البلاد أمام خطر الانفصال.

علاوة على هذا، تُعدّ أحد أهم صفات الحكومة الإيرانية هي الديكتاتورية المستندة إلى المذهب الشيعي؛ فالمرشد الأعلى الإيراني يغتصب جميع مقاليد السلطة. هو يظن أنه مُمثل الله على الأرض، وأنه يمتلك الشرعية والحق في فعل أي شيء واتخاذ أي قرار. في الفترة التي حكم فيها "روح الله الخوميني" بين 1979-1988، تم تطهير أو القضاء على غالبية المعارضين السياسيين بطريقة عنيفة بناءً على أوامر الخوميني. على سبيل المثال، سجلت منظمة العفو الدولية أسماء ما يزيد على 4.482 سجينًا اختفوا أثناء تلك الفترة وجرى إعدامهم عام 1988، لكن تقديرات أخرى أعلنت أن عدد المساجين الذين أُعدموا يزيد على 30 ألف سجين. منذ تشكّل الحكومة الإيرانية، جرى القضاء على الجماعات السياسية المُنتقدة للحكومة بعنف من المشهد السياسي للبلاد. في الواقع، فإن الحكومة الحالية مُحتكَرة من جهة سياسية واحدة، ويقرر المرشد الأعلى "علي خامنئي" بصورة مباشرة أو غير مباشرة تعيين مسئولي الحكومة. لا يستطيع أحد انتقاده أو انتقاد سياسات الحكومة، وإلا سيواجه عقابًا شديدًا. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاقتصاد الإيراني ريعي وخاضع لسلطة الحكومة، وقد أدّى التوزيع غير المتساوي للموارد الاقتصادية والتمييز في الوصول إلى الخدمات الاجتماعية لغياب الاستقرار المجتمعي واندلاع احتجاجات كثيفة. على سبيل المثال، المناطق العربية غنيّة بالنفط والغاز الطبيعي، لكن الناس يواجهون مستويات عالية من الفقر والحرمان، ويواجه إقليم بلوتشستان أيضًا المشكلة ذاتها، ولا تمتلك العديد من القرى هناك مدارس أو مياه شرب أو نظام رعاية صحية، لهذا السبب، ينظر العديد من السكان لتهريب المخدرات باعتبارها وظيفة جيدة للتخلص من الفقر.

في معظم الأوقات، يتسبب التمييز والحرمان اللذان تفرضهما الحكومة في اندلاع صراعات بين مجموعات عسكرية متمرد مختلفة من جهة والقوات الأمنية والعسكرية من جهة أخرى، وهو ما تسبب في مقتل العديد من الأشخاص كل عام، وحوّل ذلك الإقليم لمنطقة غير آمنة للجميع. بالإضافة إلى هذا، فإن قتل الأشخاص العُزل من السلاح الذين نظموا مظاهرات سلمية احتجاجًا على رفع أسعار الغاز في إيران، هو أحد أشكال العنف الجماعي الرئيسي لعام 2019. ووفقًا لتقرير لوكالة رويترز، قتلت الشرطة وقوات الأمن الإيرانية نحو 1.500 شخص في أقل من أسبوعين من الاضطرابات التي بدأت في 15 نوفمبر 2019. كانت تلك هي عملية القمع الأكثر دموية منذ الثورة الإسلامية عام 1979، وتم تنفي

ذها بأوامر من المرشد الأعلى. أيضًا، أثناء المظاهرات التي اندلعت احتجاجًا على نتائج انتخابات 2009 الرئاسية المثيرة للجدل، قتلت قوات الأمن عشرات المتظاهرين، واغتصب أفراد من الحرس الثوري معتقلين في مراكز الاعتقال وعذبوهم تعذيبًا شديدًا. بالتالي، فإن التوزيع غير العادل للموارد الاقتصادية والاجتماعية وعجز جماعات المعارضة عن المشاركة في الإدارة السياسية للبلاد، كانت أهم عوامل لاحتجاجات الجماعية في عموم البلاد والتي تواجهها قوات الأمن دائمًا بعنف شديد.

إن الدولة الإيرانية لديها نظام قضائي وحشي موالٍ للحكومة، ينفذ عقوبات وحشية وغير إنسانية ومهينة، وفي كل عام يجري شنق مئات السجناء في السجون والساحات العامة. يعدم النظام الإيراني معدل أفراد يفوق أي دولة في العالم، وتأتي طهران في المرتبة الثانية بعد بكين من حيث عدد الإعدامات التي نفذتها، علمًا بأن عدد سكان الصين أكبر بـ 17 مرة من عدد سكان إيران. على سبيل المثال، أعدم النظام الإيراني ما يزيد على 280 شخصًا عام 2019، كما قتل النظام أيضًا مئات المحتجين في الشوارع. مع هذا، لا يزال العدد المحدد للإعدامات في إيران مجهولًا، كما أن الإحصائيات التي تنشرها إيران ووسائل الإعلام الحكومية غير موثوق فيها. سجلت منظمة "هيومن رايتس مونيتور" في إيران إصدار 3.602 حكمًا بالإعدام بين 2013 و2018. يشمل هذا العدد إعدام 34 قاصرًا، و84 امرأة و86 سجينًا سياسيًّا. وبهذا، تستخدم الحكومة الإيرانية عقوبة الإعدام لإرهاب الناس، لكن بالرغم من ذلك، لم يكن لعقوبة الإعدام تأثير يُذكر على تقليل مستوى الجريمة في المجتمع.

تتسبب أشكال مختلفة من عنف الدولة بإيران في زيادة كبيرة في الوفيات والإصابات والدمار، كما يؤثر عنف الدولة سلبيًّا على الأمن العام والاستقرار الاجتماعي، علاوة على هذا، هو يعرقل النمو الاقتصادي وتطور البلاد؛ حيث تستخدم قوات الأمن الإيرانية هذه الطريقة العنيفة للسيطرة على حرية التعبير والمعتقدات وتحقيق أهدافها الأيديولوجية، فيما يعتمد اقتصاد إيران على صادرات النفط، وهو خاضع لسلطة الحكومة. وعوضًا عن القضاء على الفقر في المجتمع، تنفق الحكومة عائدات النفط على دعم الإرهاب واستهداف مصالح الدول الأخرى مثل إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة. اليوم، يمكننا أن نشاهد طيفًا واسعًا من أشكال العنف والتمييز والفساد في الحكومة، فضلًا عن ممارسة الدولة للعنف ضد أشخاص سلميين. لقد أظهر سلوك النظام وسياساته حتى يومنا هذا، أنه لا يمكن إصلاحه، وأن السبيل الوحيد للتخلص منه هو تغييره ليصبح حكومة ديمقراطية تلتزم بحقوق الإنسان والقانون الدولي.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق