المركز الفرنسي للبحوث| دلالات توقيت تحويل آيات صوفيا الى مسجد


٢٨ يوليه ٢٠٢٠

ترجمة - فريق رؤية

تصاعد الجدل، مؤخراً حول الصرح التركي الشهير ذو الرمزية الدينية "آيا صوفيا"، والذي قرر القضاء التركي في عهد أردوغان  تحويلها من متحف، إلى مسجد  يوليو (تموز(/2020.)

 وترجع جذوره "آيات صوفيا"  للدولة المسيحية البيزنطية عام 537، عندما بدأ الإمبراطور جوستينيان  بناء الكنيسة على مدار خمس سنوات بطراز معماري مختلف عن ما كانت معهوده عليه في العصر الروماني ، لتصبح أبرز صرح ديني في العالم المسيحي، خلال تسعة قرون لاحقة.

وبقيت "آيا صوفيا" على ذلك الحال، حتى سيطرة الدول العثمانية  بقيادة السلطان محمد الفاتح عام 1453 على القسطنطينية،  وقام بتغير اسمها إلى "إسطنبول"، وتحويل "آيا صوفيا" إلى مسجد.

وفي عام 1935، منع أول رئيس لتركيا ومؤسسها، إقامة الشعائر الدينية في آيات صوفيا، وأمر بتحويلها إلى متحف فني يضم كنوزاً أثرية إسلامية ومسيحية؛ وقد أدرجتها منظمة "اليونيسكو" الأممية عام 1985 ضمن قائمتها باعتباره معلماً أثرياً عالميا، لما تعكسه "آيا صوفيا" من تنوع الإرث الحضاري.

 أولا: آيات صوفيا وحسابات أردوغان

لم يكن أردوغان معنياً بتاريخ "آيا صوفيا" ولا تبعيتها الدينية ولا برمزيتها الحضارية، فحين كان رئيساً لبلدية إسطنبول، واجه المسلمين هناك، الراغبين بها أن تكون مسجداً، وقال لهم: "املؤوا المساجد الموجودة أوّلاً، قبل أن تطالبوا بذلك". ومرت سنوات وهو في رأس السلطة، ولم يلتفت إليها، وكان في أوقات سابقة، بصفته رئيساً لتركيا، في موقف أكثر قوّة داخلياً من الآن، فلماذا الآن...؟ يبدو أن لأروغان أهدافا سياسية أخرى قد تكون قادرة على تفسير ذلك السلوك.

إشغال الرأي العام التركية عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد لها: يعيش الاقتصاد التركي منذ أكثر من ثلاث سنوات أزمة حادة تعمقت بفعل العداءات المجانية التي خلقها أردوغان تجاه الدول الغربية ودول الجوار بالاتحاد الأوروبي وخوضه في أكثر من جبهة معارك سببت خسائر عسكرية للجيش التركي لاسيما في معركة إدلب شمال سوريا، والتدخل الجديد في ليبيا. وقد سجلت الليرة التركية مرارا تراجعا حادا لتبلغ أدنى مستوياتها في فبراير الماضي. ومن المنطقي أن يخلق الركود الاقتصادي حالة من الاستياء والغضب في المجتمع التركي الذي من المرجح أن يحمل مسؤولية ذلك إلى الحزب الحاكم.

وكشف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "MetroPOLL" لاستطلاعات الرأي والدراسات، تحت عنوان "نبض تركيا  في يونيو الماضي أن 43.8% من المشاركين يرون أن الغرض من قرار فتح آيا صوفيا للعبادة وتحويله إلى مسجد هو "إشغال الرأي العام عن الحديث عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تتعرّض لها البلاد منذ أشهر وتزداد حدّة يوماً بعد يوم". من جانبه، قال مدير المؤسسة أوزير سينجار في تغريدة عبر تويتر: "ملف تحويل آيا صوفيا إلى مسجد كان حديث الإسلاميين الحالمين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ولكن اختفى الحديث عن الأمر عقب انقلاب الثمانينيات. وفي العام 2010 عندما كان حزب العدالة والتنمية قوياً، بدأت محاولات إعادة إحياء المشروع".

ملأ الخزان الانتخابي وحشد شعبيته التي بدأت بالتراجع يؤدي: يريد أردوغان حشد المناصرين من أجل معركته الانتخابية القادمة التي من المفترض أن تنعقد عام 2023، وذلك من خلال بعض الانتصارات الدينية مثل آيات صوفيا، وهي انتصارات تنسجم مع طبيعة ناخبيه ومزاجهم العام.

لا سيما وأن قاعدة حزب العدالة والتنمية آخذة في التقلص مما يقلل من حظوظ  حزب  العدالة والتنمية في الفوز، وكان استطلاع في يونيو الماضي، أجرته مؤسسة متروبول للأبحاث، ومقرّها أنقرة، أنّ حزب الشعب الجمهوري العلماني، أكبر أحزاب المعارضة التركية، تمكّن من تضييق الفجوة على حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في أصوات الناخبين إلى ست نقاط مئوية، ما يضع المعارضة التركية أمام فرصة تاريخية لاستثمار تراجع شعبية الإسلاميين استعدادا للمحطات الانتخابية القادمة.

وتواصل أصوات حزب العدالة بالتلاشي لصالح أحزاب المعارضة التقليدية والجديدة، حيث انخفض الدعم للحزب الحاكم من 33.9% في استطلاع “متروبول” مارس الماضي، في حين سجّل حزب الشعب الجمهوري المُعارض زيادة من 20.7%. وفي الوقت نفسه، شكّل الناخبون الذين لم يتخذوا قرارا بعد بالتصويت 9.2%، وهو أعلى من الدعم المقدم لجميع الأحزاب الأخرى باستثناء حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري.

 لعب دور اقليمي أوسع من خلال القضايا الدينية واستخدامها في المساومات السياسية: في الوقت التي تسعى اسرائيل الى ضم الضفة الغربية الفلسطينية، وتهويد مدينة القدس، والترتيبات الخاصة بملكية ورعاية وخدمة الأماكن المقدسة. إضافة الي العواق التي فرضتها أزمة كورنا عن زيارة الأماكن المقدسة لا سيما في السعودية التي بدوها فرضت إجراءات تباعد جديدة  على  موسم الحج وقللت عدد الوافدين بخلاف الطريقة التقليدية السنوية؛  يسعى أردوغان الى اشغال العالم الاسلامي بمقدس جديد يجعله قبلة للمسلمين، لا سيما في ظل التسهيلات التي تمنحها تركيا الى السياح المسلمين وغيرهم. في اعتقاده أن هذا سيمنحه شعبية أكبر في الدول العربية والإسلامية والمسلمين في كافة دول العالم، لا سيما في الدول التي يمثل خصومة شديدة لها، وخصوصاً مصر في ظل التوتر القائم حاليا على إثر التدخل التركي في ليبيا، تهديدات تركيا بالتحرك ناحية سرت بعد احتلال طرابلس.

فو يطمح لتمرير مخططه النفطي في ليبيا من خلال حرف أنظار المجتمع الأوربي وفرنسا خصوصا الى قضية دينية جديدة كآيات صوفيا، لتخفيف الضغوط الرافضة لتلك الأطماع، والمؤيدة للموقف المصري.

 ثانيا: مأخذ على هذا القرار

 من الناحية الدينية: الفهم الصحيح للدين كما فهمه عمر بن الخطاب في العهدة العمرية للقدس يمنع الاستيلاء على دور العبادة وتحويرها عن أصلها. كتب الخليفة عمر بن الخطاب لأهل إيليا (القدس) عندما فتحها المسلمون عام 638هـ كتابا أمنهم فيه على كنائسهم وممتلكاتهم، واشترط ألا يسكن أحد من اليهود معهم في المدينة. وقد اعتبرت العهدة العمرية واحدة من أهم الوثائق في تاريخ القدس وفلسطين.

وفيما يلي نص العهدة.

الناحية القانونية: المحكمة العليا التركية تلغي قرار اداري بتحويل كنيسة سابقة ثم مسجد الى متحف ، فاذا كان القضاء التركي مستقل فلا فضل يدعيه أردوغان لنفسه فتلك كلمة القضاء، واذا كان القرار القضائي بدفع وضغظ  أردوغاني فهذا دليل على الدولة الاستبدادية الأردوغانية.

يعرقل التعاون الدولي والإسلامي في محاربة الإرهاب: الرئيس التركي اختار وقتاً خطيراً  يعتقد أنه مناسب لها، لحرف الأنظار عن التهديدات الداخلية، ولكسب أصوات الناخبين، وفي اعتقاده أن هذا سيجعل من المكان مرجعية قدسية، يلتف من حوله المسلمين في كافة بقاع الأرض، ربما من أجل الضغط بهم كرأي عام على الدول التي تختلف معه وتعبره خصما سياسيا.

لكنه في حقيقة الأمر أن هذا القرار لا يفيد المسلمين، بل يقوض الجهود  المختلفة المرتكزة على التعاون وبناء الثقة والتسامح  بين الأديان والمذاهب لإبعاد شبح الحروب، ومواجهة الإرهاب، ومن المعلوم أن "آيا صوفيا"، بعمارتها المميزة والتاريخية أصبحت موقعاً دولياً عاماً، أدخلته منظمة "اليونيسكو" ضمن مواقع التراث العالمي، ويزوره سنوياً ما يقرب من ثلاثة ملايين ونصف المليون من مختلف أنحاء العالم.

هذا، إلى جانب أن تُركيا بلد مختلط، في أديانه ومذاهبه، منذ القِدم، ويعد المسيحيون جزءاً رئيساً من سكانها الأصليين، قبل قدوم العثمانيين بقرون عديدة، فتاريخ بناء الكنيسة يعود إلى النصف الأول من القرن السادس الميلادي، لذا كم تبعد هذه الخطوة التي قام بها أردوغان التفاهم والوحدة على أساس المواطنة بين الشعب التركي، وتشجر نار التباغض والكراهية بدلاً عن الحوار على أساس إنساني، وما تلتقي به الأديان لصالح البشرية جمعاء.

 التورط في الصراعات القديمة: بخلاف في السياسة التركية، الذي بدأ ب"تصفير المشاكل" عام 2002، ومن أجل تعويض فشل  مخطط  التمدد الإخواني في المنطقة العربية والاقليم  بعد ثورة 30 يونيو، اندفع أردوغان في التورط بملفات مختلفة، بداية من سوريا والعراق وليبيا، وخلافات مع الاتحاد الأوربي ....الخ؛ أدت فيما بعد الى أخطاء جعلت من الصعب على السلطان التراجع، وأصبح ينزلق أكثر وأكثر وراء المتاهات الإخوانية  في فتح معارك باتت من الماضي، لا يحتاجها، ولا تخدم الدولة التركية. 

يقول المحلل السياسي عمر حلمي الغول: من المؤكد أن من حق الرئيس أردوغان التمتع بالسيادة في وطنه ودولته، ولا يجوز لاحد التدخل في الشؤون الداخلية التركية. غير أن الصرح أيا صوفيا بات جزءً من الإرث العالمي. فضلا عن أن تركيا ليست بحاجة إلى مساجد، وإن كان هناك حاجة لمسجد جديد، كان بإمكان الرئيس التركي بناء مسجد يضاهي آيات صوفيا في جماليته يخلد اسمه. اضف إلى ان مقاربته عملية التحويل لآيا صوفيا بما حدث في التاريخ الوسيط من تطور البشرية، الذي شهد تحويل العديد من المساجد إلى كنائس، لا يستقيم وما يدعيه من "الرغبة" في تعزيز الديمقراطية، وتعميق روح المواطنة التركية بين عموم مواطني الدولة، ولا مع الرغبة في الانضمام لدول الاتحاد الأوروبي. كما ان تطور البشرية تجاوز تلك الخطايا والجرائم، وأمسى العالم أكثر مدنية واحتراما لإنسانية الإنسان بغض النظر عن دينه ومعتقده ولونه وجنسه.

لكن المسألة ليست الحاجة لمسجد، ولا تندرج في الذرائعية الأردوغانية  للرد على ما تم فيما مضى من التاريخ ، انما لفتح معركة دونكيشوتية هزلية ألبسها الثوب الإسلامي، معتديا على الحضارة الإنسانية، وفاتحا ابواب الصراعات الدينية على مصاريعها، وضاربا عرض الحائط بمبدأ التسامح الإنساني.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية رجب طيب أردوغان

اضف تعليق